لم تكن القاعة الرياضية مجرد مبنى أسمنتي في تلك اللحظة، بل تحولت إلى ساحة تتصادم فيها إرادتان من أرواح مغايرة. الغبار الذي خلفته المعارك التدريبية السابقة استقر فجأة على الأرض،
ليس بفعل الجاذبية، بل بفعل الثقل الخانق الذي ولّدته المانا المنبعثة من جسد "غوتو ريوجي".
وقف مين-هو في مواجهته، وكان جسده يبدو مسترخياً بشكل مستفز، لكن عينيه كانتا قصة أخرى. الشارينغان ذات التوموي الثلاثة لم تكن تشع فحسب،
بل كانت تبدو وكأنها تسحب الضوء من المصابيح المعلقة فوقهم. كانت تدور ببطء ميكانيكي مرعب، تمسح جسد غوتو وكأنها تشرحه جراحياً.
غوتو ريوجي، الرجل الذي اعتاد أن يرى الخوف في أعين خصومه، شعر لأول مرة ببرودة تسري في أطرافه. غريزته كصياد رتبة S كانت تصرخ في عقله: ' وحش ' لكن كبرياءه كأقوى رجل في اليابان دفعه لتجاهل هذا التحذير.
انطلق إلى الأمام، وفي لمح البصر، تحول جسده إلى خطوط زرقاء باهتة.
سرعة كانت تتجاوز قدرة العين البشرية على الإدراك. كان يتحرك بأسلوب "النصل الطائر"، حيث يدمج سرعته بتدفق المانا ليصبح هو نفسه سلاحاً قاطعاً.
وصل أمام مين-هو في أقل من رمشة عين، ووجه طعنة بيده اليمنى التي تشبعت بطاقة زرقاء حادة كالسيف، مستهدفاً حنجرة مين-هو مباشرة.
لكن، في تلك اللحظة، الوقت بالنسبة لمين-هو أصبح ساكناً. بفضل الشارينغان، رأى مين-هو تقلص عضلات غوتو قبل انطلاقه، ورأى تجمع المانا في أطراف أصابعه.
أمال رأسه بزاوية مليمترية بسيطة، ليمر نصل غوتو بجانب أذنه محدثاً صفيراً حاداً مزق الهواء.
لم ينتظر مين-هو؛ بل فعل مهارة "إزاحة الظل". تداخل جسده مع الفراغ واختفى، ليظهر خلف غوتو تماماً. استل خنجره الأسود، وبحركة خاطفة وجه ضربة نحو ظهر غوتو.
"بطيء!" صرخ غوتو وهو يلتف في الهواء بجسد مرن، مستخدماً قوة اندفاعه السابقة ليصد الخنجر بساعده المدرع بالمانا.
تـشـااااك!
اصطدم النصل بمانا غوتو، مما أحدث شرارات سوداء وزرقاء أضاءت عتمة القاعة. تراجع الاثنان بضع خطوات، وكان الصمت قد خيم على الجمهور. الصيادون اليابانيون الذين كانوا يضحكون قبل قليل، الآن يشدون على قبضاتهم بذهول.
"هل رأيتم ذلك؟" همس أحد الصيادين اليابانيين، "لقد تفادى هجوم السيد غوتو "
على الجانب الآخر، كان سونغ جين وو يراقب بتركيز شديد. كان يرى كيف أن مين-هو قد تطور كثيرا
استشاط غوتو غضباً، وبدأ ضغطه يزداد. "كفى لعباً!" صرخ، ثم اندفع مجدداً، لكن هذه المرة بأسلوب مختلف. بدأ يغير اتجاهاته في الهواء، يضرب من اليمين،
ثم يختفي ليظهر من الأعلى، موجات من النصال الهوائية كانت تتساقط على مين-هو كالمطر.
مين-هو، بهدوء يحبس الأنفاس، بدأ يتحرك في مساحات ضيقة جداً. كان يتفادى الطعنة الأولى بكتفه، وينحني تحت الثانية، ويقفز فوق الثالثة.
أعين الشارينغان كانت تلاحق "مسارات المانا" التي يتركها غوتو خلفه.
انفجرت المانا من تحت أقدام غوتو ريوجي بغضب أكبر محولةً أرضية الحلبة إلى شظايا متطايرة. لم يعد يهاجم كبشر، بل صار إعصاراً من النصال الزرقاء التي تمزق الهواء بصفيرٍ مرعب. وفي قلب هذا الإعصار، كان مين-هو يتحرك ببرودٍ مستفز
"الآن دوري."
بمجرد نطق الكلمات، اندفع مين-هو مستخدماً "إزاحة الظل"، ليس للهرب، بل للتموضع في قلب هجوم غوتو. استل خنجره الأسود المشبع بمانا العدم، والتقى النصلان في المنتصف.
طاااااخ!
دوى انفجارٌ صوتي هز أرجاء القاعة الرياضية، لدرجة أن الزجاج العلوي المتين تصدع. ارتد الخصمان للخلف، لكنهما لم يتوقفا؛ بل انطلقا مجدداً في سلسلة من الاصطدامات التي لم تكن العين المجردة قادرة على ملاحقتها.
كان المشاهدون لا يرون سوى شرارات سوداء وزرقاء تتطاير في الهواء، وصوت اصطدام المعدن بالمعدن الذي رنّ كأنه جرسٌ
كان غوتو يتحرك بسرعة البرق، يغير اتجاه سيفه في منتصف الهواء ببراعة مذهلة، محاولاً مباغتة مين-هو بطعنات قاتلة من زوايا مستحيلة. ولكن، في كل مرة،
وفي اللحظة التي يفصل فيها النصل عن جسد مين-هو مليمترات فقط، كان جسد الأخير يميل أو ينزلق بسلاسة مرعبة.
بفضل الشارينغان، لم يكن مين-هو يرى غوتو فحسب، بل كان يرى انقباض الألياف العضلية في ذراع غوتو قبل أن تبدأ الحركة، ويرى تدفق المانا الحاد الذي يسبق الضربة.
' لماذا... لماذا لا أستطيع لمسه؟! ' صرخ غوتو في عقله، والتعرق بدأ يغطي جبينه.
وجه غوتو ركلة دائرية خاطفة نحو رأس مين-هو، ليرد الأخير بخفض رأسه ببرود، وفي نفس اللحظة وجه طعنة بخنجره نحو كبد غوتو.
اضطر غوتو لاستخدام مهارة اندفاع خلفي سريعة جداً ليتجنب شق بطنه، ليعود ويشن هجوماً مرتداً بسبع طعنات متتالية في أقل من ثانية.
مين-هو لم يتراجع خطوة واحدة. كان يلوح بخنجره بحركات دائرية ضيقة، يصد كل طعنة بـ "رنة" معدنية حادة، وعيناه الحمراء تزدادان توهجاً مع كل اصطدام.
كان يقرأ مسارات المانا التي يتركها سيف غوتو في الهواء، وكأنه يرى خيوطاً شفافة ترشده لمكان الضربة القادمة.
"أنت تنظر إلى مكاني الحالي يا غوتو.." همس مين-هو بنبرة بارده وهو يصد ضربةً قوية جعلت الرخام تحت قدميه يتشقق، "بينما أنا أنظر إلى حيث ستكون بعد ثواني"
استشاط غوتو غضباً، وضاعف سرعته لدرجة أن جسده بدأ يترك "صوراً ظلية" في الحلبة. أصبح القتال صراعاً بين "السرعة المطلقة" و "البصيرة المطلقة".
في كل مرة يصل فيها نصل غوتو إلى عنق مين-هو، كان يمر عبر "هواء" فقط، لأن مين-هو كان قد تحرك بالفعل قبل أن يقرر غوتو الهجوم.
وقف سونغ جين وو وهو يراقب ببرود وقبضته مشدودة. لم يكن يشاهد نزالاً بين صيادين، بل كان يشاهد صراعاً بين رجل يحاول اختراق الزمن (غوتو) ورجل يسيطر على احتمالات المستقبل (مين-هو).
في تلك اللحظة، انكسر شيء ما داخل غوتو ريوجي. لم يعد الأمر يتعلق بنزال تجريبي أو كبرياء صياد، بل تحول إلى غريزة بقاء بدائية مشوهة. انتفخت عروق جبهته،
وانفجرت المانا من حوله بلون أرجواني داكن، مصحوبة بنية قتل بحيث جعلت الصيادين من الرتبة الأدنى في القاعة يسقطون على ركبهم من ضيق التنفس.
لم يعد غوتو يرى أمامه سوى ذاك الشاب الذي استهزأ بعظمة اليابان. وأصبح هدفه واحداً: محو مين-هو من الوجود.
شعر مين-هو بتلك الموجة الباردة التي اصطدمت به. لم تكن نية قتل عادية، بل كانت صرخة يائسة من رجل فقد عقله. في تلك اللحظة، تلاشت الابتسامة من وجه مين-هو،
وحلت مكانها ملامح باردة كالمقابر. أصبحت حدقتا الشارينغان، تشع بجنون وكأنها غاضبة من الشخص الذي يقف أمامها وبدأت مانا الظلام تتدفق من جسده بجنون
"نية قتل؟ أمام عينيّ؟" همس مين-هو بصوت لم يكن بشرياً، بل كان أشبه بزمجرة وحش قادم من بُعد آخر.
وفجأة، أطلق مين-هو العنان لكل ما يملك. انفجرت نية القتل الخاصة به لتلتهم هالة غوتو بالكامل، وكأن ظلاماً دامساً ابتلع ضوءاً شاحباً.
كانت هالته تحمل رائحة الموت والدمار شعر الحاضرون وكأن جدران القاعة قد اختفت، وحل محلها جحيمٌ أحمر تغلي فيه الأرواح.
صرخ غوتو بذهول، وبينما كان كلاهما على وشك الانطلاق في صدام قد يحول القاعة إلى حطام ويقتل نصف الموجودين، حدث الاستنفار العام.
"توقفوااااا!" صرخ غو غون هي وهو يضرب الأرض بعصاه، مطلقاً مانا هائلة ليفصل بينهما.
في لمح البصر، قفز جميع صيادي الرتبة S الكوريين؛ "تشا هي-إن" استلت سيفها لتقف كحائط صد، و"بايك يون هو" تحول جزئياً لهيئة النمر وهو يزأر محاولاً كبح الضغط.
وعلى الجانب الآخر، اندفع الفريق الياباني بالكامل، ستة صيادين من النخبة، أحاطوا بغوتو وسحبوه للخلف بالقوة، وهم يرتجفون من شدة الضغط الذي يمارسه مين-هو عليهم.
وقف مين-هو في مكانه، الظلاد تلتف حول جسده وعيناه الحمراء تخترق صفوف الصيادين لتستقر في عيني غوتو مباشرة.
أما غوتو ريوجي، فقد سقط سيفه من يده لأول مرة. كانت يده ترتعش بشكل ملحوظ، وبرودة الموت لم تغادر جسده بعد. في تلك اللحظة، ولأول مرة في حياته كأقوى صياد،
شعر بـ الرعب الخالص. لقد رأى في عيني مين-هو حقيقة واحدة لا تقبل الشك: لو استمر النزال لثانية أخرى، لما بقي من جسده سوى رماد تذروه الرياح.
تراجع غوتو خطوة للخلف وهو يتنفس بصعوبة، ونظرته المنكسرة أكدت للجميع ما كان في راسهم ' لو لم يتدخل الفريقين لمات غوتو ريوجي '
بينما ظل مين-هو واقفا، ينظر إليهم وكأنهم مجرد عقبات تافهة، والظلام حول جسدم لا تزال تتراقص حوله بصمت مرعب