**(منطقة غوانغجين – خارج الزنزانة)**
لفظت البوابة القرمزية جسد **مين-هو** بقسوة، وكأنها تلفظ جسماً غريباً رفض أن ينهضم داخل أحشائها المعدنية. تلاشت التموجات المظلمة خلفه،
وتحطمت البوابة إلى شظايا ضوئية تلاشت في هواء الليل البارد، تاركةً خلفها صمتاً مطبقاً لا يقطعه سوى أنين القضبان الحديدية في محطة القطارات المهجورة.
كان **مين-هو** يترنح. خطواته لم تكن خطوات منتصر، بل كانت زحفاً غريزياً للبقاء. جسده الذي كان يصرخ تحت وطأة مانا الرتبة **C** التي استقرت في جوفه كالحمم البركانية.
و الدماء الجافة كانت تكسو وجهه كقناع قبيح، وملابسه الممزقة لم تعد تستر سوى جروحٍ ترفض الانغلاق.
سعل بقوة، فخرجت كتلة من الدم القاتم لتبلل حصى السكة الحديدية. "تباً.." همس وصوته خرج كحشرجة مكبوتة. حاول رفع رأسه، لكن العالم كان يدور في دوائر ضبابية حمراء.
فجأة، اهتز الهواء. حواسه التي صقلتها **الشارينغان**، رغم انطفائها الآن، التقطت ذبذبات مانا تقترب بسرعة. كانت سيارات جمعية الصيادين،
أو ربما فريق استكشاف محلي استشعر اختفاء البوابة المفاجئ. أضواء بعيدة بدأت تلوح في أفق النفق، وأصوات أحذية ثقيلة ترتطم بالأرض بدأت تقترب.
كان يدرك أنه في هذه الحالة، لن يتمكن من تفسير وجوده هنا. ظهوره بهذه الحالة المزرية وسط زنزانة مُطهرة سيعني فتح ملفات لن تُغلق أبداً.
"لا يمكنني.. السقوط هنا،" تمتم بمرارة.
استجمع ما تبقى من ذرات الوعي في عقله، وغاص في أعماق جوهره المظلم ليستدعي المهارة التي نالها بدمه.
**[تفعيل: كفن العدم]**
لم يكن هناك انفجار طاقة، بل كان الأمر أشبه بسقوط حبر أسود في حوض من الماء الصافي. خرجت من مسامه خيوط رقيقة من الظلام الباهت،
كأنها دخان بارد لا يرتفع للأعلى بل يلتصق بجلده. غطى الكفن جسده بالكامل، محولاً إياه إلى طيف باهت؛ لم يختفِ تماماً من الوجود الفيزيائي، بل أصبح وجوده "ممحياً" من الناحية الحسية.
مرّت سيارة الدفع الرباعي التابعة للجمعية بجانبه، محطمة برك المياه الراكدة. وقف **مين-هو** ملتصقاً بجدار النفق، يفصله عنهم متر واحد فقط.
رأى وجوه الصيادين القلقين خلف الزجاج، سمع أجهزة اللاسلكي الخاصة بهم وهي تشوش، لكن أحداً لم يلحظه. كان بالنسبة لهم مجرد "فراغ" في زاوية العين، شيء لا تستوعبه العقول العادية.
لكن الثمن كان فورياً.
مع كل ثانية تمر و**كفن العدم** مفعل، كان يشعر وكأن مئات الإبر الجليدية تغرس في نخاعه الشوكي. الكفن لم يكن يحميه فقط، بل كان "يأكل" طاقته الحيوية ليحافظ على حالة التمويه. بدأ جلده تحت الكفن يرتجف،
ورئتاه ترفضان استنشاق الأكسجين وكأن الهواء أصبح ثقيلاً كالرصاص.
انطلق وهو يترنح بعيداً عن الموقع، متجنباً الشوارع الرئيسية. كان يتحرك كالشبح في الأزقة الضيقة لحي غوانغجين، يمر بجانب المشردين الذين لم يشعروا سوى بنسمة هواء قارسة جعلتهم يرتجفون في نومهم.
كل خطوة كانت صراعاً ضد الجاذبية.
"القليل.. القليل فقط.." كان يحفز نفسه، بينما بدأت مهارة **كفن العدم** تومض وتخبو. المانا السوداء في داخله كانت قد نضبت تقريباً، وبدأ الكفن يتلاشى عن أطرافه، كاشفاً عن جروح متقيحة وأطراف مرتجفة.
بحلول الوقت الذي وصل فيه إلى بنايته المتهالكة، كانت المهارة قد انطفأت تماماً نتيجة الإرهاق المطلق. لم يعد يغطيه سوى ظلام الليل الطبيعي.
صعد السلالم ببطء قاتل، يجر قدمه اليمنى التي تيبست بفعل كسر في العظم لم يُشفَ تماماً بعد. كان صوت أنفاسه الممزقة يملأ ممر الطابق الصامت.
وصل إلى باب شقته. يده التي كانت ترتجف بشدة استغرقت وقتاً طويلاً لتجد المفتاح وتضعه في القفل. تكات الثواني في الساعة المعلقة في الرواق كانت تبدو كمطارق تضرب رأسه.
أخيراً، دار القفل.
بمجرد أن دفع الباب ودخل، انغلق العالم في وجهه. لم يعد هناك وحوش، ولا بوابات، ولا مانا.. فقط الفراغ.
انهار جسد **مين-هو** كبرج من الورق. سقط على وجهه في منتصف الصالة، وارتطم جسده بالأرضية الخشبية بقوة أحدثت صدىً مكتوماً. بدأ نزيف جروحه يتجدد بفعل السقوط، لترتسم بقعة قرمزيّة داكنة حوله.
تمدد هناك، محطماً، مدمراً، وفاقداً للوعي.. لكن حتى في تلك اللحظة، كانت هناك ابتسامة ضئيلة وباهتة مرسومة على شفتيه الملطختين بالدم.
لم تكن ابتسامة نصر فقط بل كانت ابتسامة شخص أدرك أخيراً أن الجحيم الذي دخله، هو المكان الذي ينتمي إليه حقاً.
غرق في ظلام غيبوبته، بينما بدأ النظام بصمت مرعب في معالجة بياناته الجديدة:
**[تحذير: الوعاء تعرض لضغط يتجاوز الاحتمال بنسبة 200%..]**
**[جاري ترميم الوعاء الجسدي للمضيف..]**
**(منطقة غوانغجين – بعد اختفاء البوابة)**
لم يعد هناك أثر للغشاء القرمزي أو الضغط الخانق؛ عاد نفق الصيانة ليصبح مجرد ممر مظلم تفوح منه رائحة الرطوبة. لكن الهدوء لم يدم طويلًا.
اقتحمت عشرات الكشافات القوية ظلام النفق، تتبعها خطوات ثقيلة لفرق التدخل السريع التابعة لجمعية الصيادين.
توقف المحقق **"هان دونغ غو"** أمام النقطة التي كانت تشغلها البوابة. كانت الأرضية الإسمنتية هناك متفحمة بشكل غريب، وكأن نيرانًا سوداء قد أكلت الطبقة السطحية للأرض.
"أعطني القراءات، فوراً،" قال هان بنبرة حادة تخفي قلقاً عميقاً.
تقدم فني الرصد وهو يحرك جهازه في الهواء. "سيدي.. البوابة اختفت بالكامل منذ 20 دقيقة. السجلات تقول إنها كانت من الرتبة **C**، ولكن..."
صمت الفني لوهلة وهو ينظر لشاشته بذهول. "بقايا المانا المترسبة في الهواء لا تشبه أي شيء سجلناه من قبل. إنها مانا 'سالبة'.. كأنها تمتص الطاقة من حولها بدلاً من إشعاعها."
جثا هان على ركبتيه، ووجه كشافه نحو الجدار القريب من موقع البوابة. لم يكن هناك دماء وحوش، لكن كانت هناك **آثار تآكل مريبة** على القضبان الحديدية القريبة،
تآكل لم يسبق له مثيل؛ الحديد لم يكن مكسوراً، بل كان "مذوّباً" من الأطراف بطريقة توحي بأن شيئاً ما مرّ من هنا ومحا المادة بلمسة واحدة.
" سيد هان!" نادى أحد المحققين من الخارج. "لقد فحصنا سجلات الدخول لجميع النقابات الكبرى والمتوسطة في سيول. لا يوجد فريق واحد مسجل في هذه المنطقة الليلة. حتى صيادي الرتبة **B** الذين يعملون بشكل حر لم يقتربوا من هنا."
وقف هان ببطء، وعلامات الصدمة بدأت ترتسم على ملامحه الصارمة. "أنت تقول لي إن بوابة من الرتبة **C**، والتي تتطلب عادةً فريقاً من 10 صيادين على الأقل،"
" قد طُهرت في أقل من ساعة.. دون أن يترك الفاعل أثراً واحداً؟"
أطبق هان قبضته بقوة، ثم التفت نحو مساعده وقال بصوت منخفض وصارم:
"أريد مراجعة كاملة لكل كاميرات المراقبة في منطقة غوانغجين والمناطق المحيطة بها في دائرة قطرها 5 كيلومترات. لا تكتفوا بالساعة الماضية.. أريد تسجيلات **اليوم الكامل**، ثانية بثانية."
أضاف وهو يضغط على كلماته: "ابحثوا عن أي شخص، صياداً كان أو مدنياً، ظهر في محيط المحطة قبل فتح البوابة أو بعدها. ابحثوا عن 'فراغات' في التسجيل،"
" أو أي تشويش رقمي غير مفسر. إذا كان هذا الشخص يمتلك مهارة إخفاء، فلابد أن جسده قد أزاح الهواء أو ترك ظلاً ولو لثانية واحدة."
"سيدي، هل تعتقد أنه صياد رتبة **B** يتحرك بشكل سري؟" سأل المساعد بحذر.
نظر هان إلى المكان الذي كانت فيه البوابة، وهمس بصوت متهدج: "رتبة **B**؟ حتى صيادي الرتبة **A** يتركون توقيع مانا هائل يشبه الانفجار. هذا الشخص.. "
"إنه مختلف. لقد دخل وخرج كأنه 'عدم' يمشي على الأرض. إذا كان هذه الشخص وحش جديد يتجول في سيول بهيئة بشر، فعلينا العثور عليه قبل أن تعثر عليه النقابات."
ساد التوتر بين أفراد الجمعية؛ كانت فكرة وجود شخص بهذه القوة وبهذا النوع من المانا "المتآكلة" مرعبة. لم تكن هذه مجرد زنزانة طُهرت،
بل كانت إعلاناً عن وجود قوى لا تخضع لقوانين الجمعية، شخص يمتلك القدرة ليصبح من أقوى الأشخاص في المستقبل