بمجرد أن استقرت أقدام الفريق داخل جوف الزنزانة من الرتبة C، انغلق العالم الخارجي خلفهم تماماً. الرطوبة كانت تتسلل إلى العظام، وصوت تقطر المياه من سقف الكهف العالي كان يتردد كدقات قلبٍ عملاق ومحتضر.

توقف الجميع في الردهة الواسعة الأولى، حيث كان الضوء المنبعث من أحجار المانا الزرقاء يلقي بظلالٍ مشوهة على الجدران الخشنة.

تقدم المفتش كانغ تاي-شيك بخطواتٍ واثقة، وأخرج مفتاحاً معدنياً صغيراً من جيبه. وببرودٍ يثير الريبة، بدأ بفك القيود الحديدية من أيدي السجناء الثلاثة. ما إن سقطت الأغلال على الأرض مُحدثةً رنيناً معدنياً حاداً،

حتى بدأت ملامح السجناء تتغير؛ اختفى الانكسار الزائف وحلّ مكانه مزيجٌ من السخرية والوحشية. بدأوا يحركون معاصمهم بحركاتٍ دائرية،

وتبادلوا نظراتٍ مليئة بالخبث وهم يضحكون بصوتٍ خافت ومستفز، وكأنهم لم يدخلوا زنزانة للموت، بل حلبةً لاستعراض قوتهم المكبوتة.

"أخيراً.. بعض الحرية،" تمتم أحدهم وهو يمسك بمقبض سيفه الصدئ، وعيناه تلمعان ببريقٍ إجرامي.

لم يدم هدوء الاستعداد طويلاً. من الشقوق المظلمة والممرات الجانبية، بدأت تظهر أعين صفراء متوهجة. كانت مجموعة ضخمة من الغيلان

صرخاتهم الحادة ملأت الردهة، وبدأوا بالاندفاع نحو الفريق كأمواجٍ من القذارة والموت.

"هجووووم!" صرخ السجين الأكبر سناً وهو يندفع بجنون.

انفجرت المعركة فوراً. بدأ السجناء الثلاثة بتمزيق الغيلان بوحشية مفرطة، مستخدمين مهاراتهم القتالية التي صُقلت في عالم الإجرام.

كانت الدماء الخضراء تتطاير في كل مكان، وصوت تمزق اللحم يطغى على كل شيء.

وفي وسط هذه المعمعة، كان هناك تباينٌ غريب في الأداء:

سونغ جين-وو كان يتحرك بخفةٍ وسرعة مذهلة. كان يلوح بخنجره بحركاتٍ دقيقة، يقتل الغيلان بضربة واحدة في الأعضاء الحيوية،

دون أن يهدر قطرة واحدة من طاقته أو نَفَسٍ زائد. كان يقاتل ببرودٍ آلي، وعيناه تراقب المحيط بذكاء، وكأنه يحسب كل خطوة يقوم بها.

أما مين-هو، فقد كان المشهد الأكثر غرابة ورهبة. كان واقفاً في قلب الفوضى، يداه في جيوب سترته السوداء، وياقته العالية تغطي ملامحه. لم يسحب سلاحه، ولم يشن هجوماً واحداً. كان يتحرك بمليمترات بسيطة؛

يميل برأسه ليتجنب سهماً طائشاً، ويزيح جسده خطوة للجانب ليمر نصل غولٍ بجانبه دون أن يلمسه. كان يتجنب الهجمات ببرودٍ شيطاني، وكأن العالم يمر أمامه بالتصوير البطيء بفضل الشارينغان (ذات التوموي الثنائية) التي كانت تتوهج خلف جفونه، محولةً القتال إلى مجرد رقصةٍ مملة بالنسبة له.

توقف القتال أخيراً بعد أن تكومت جثث الغيلان فوق بعضها البعض. ساد صمتٌ ثقيل، قطعه صوت أنفاس السجناء المجهدين وصوت جو-هي (المعالجة) وهي تحاول استجماع شتات نفسها بجانب السيد سونغ (الصياد ذو الذراع الواحدة).

تقدم الفريق لعدة أمتار أخرى حتى وصلوا إلى نقطةٍ حاسمة: ثلاثة مخارج ضخمة تتفرع في ثلاثة اتجاهات مختلفة.

وقف المفتش كانغ تاي-شيك في المنتصف، وعيناه الصقريتان تمسحان الممرات بابتسامة غامضة. "يبدو أن الزنزانة تريد منا أن نفترق،" قال بصوتٍ يقطر دهاءً.

"سآخذ هؤلاء الحثالة معي لتطهير الطريق الأيمن.. لا أريدهم أن يهربوا من تحت عيني." أشار للسجناء الثلاثة الذين تبعوه وهم يضحكون بسخرية من بقية الفريق.

نظرت المجموعة الباقية إلى بعضها البعض. قال السيد سونغ بوقارٍ وقلق: "يجب أن نتحرك بحذر. جين-وو، ابقَ معي ومع جو-هي، سنسلك الطريق الأيسر، "

أومأ جين-وو بالموافقة، رغم أنه ألقى نظرة أخيرة طويلة نحو مين-هو، نظرةً تحمل الكثير من التساؤلات والحذر.

أما الممر الأوسط، فقد بقي من نصيب كيم وسانغ-غو، اللذان كانا ، يحاولان الابتعاد عن جين-وو بسبب شعورهما بالذنب.

اتجه مين-هو نحو الممر الأوسط بخطواتٍ واثقة. مشى خلف كيم وسانغ-غو اللذين كانا يسيران بتوتر. قبل أن يختفي في ظلام الممر، التفت قليلاً،

وارتسمت على وجهه ابتسامة برودٍ جليدية لم يراها أحد سواه. كانت عيناه الحمراوان تلمعان بوضوح في العتمة، وكأنه يرى خيوط القدر وهي تتشابك في هذه المتاهة.

"إلى الوسط إذن.." تمتم مين-هو لنفسه بصوتٍ رخيم."

تفرقت الممرات، وانقسمت المصائر. كان الممر الأوسط غارقاً في صمتٍ ثقيل، لا يقطعه إلا وقع أقدام كيم وسانغ-غو المرتبكة.

خلفهما بمسافة قصيرة، كان مين-هو يسير كالشبح، ياقته العالية تخفي نصف وجهه، وعيناه الحمراوان ترصدان كل ارتعاشة في أجسادهم.

توقف سانغ-غو فجأة، والتفت نحو كيم بصوتٍ مخنوق بالدموع والندم: "كيم.. أنا لا أستطيع الاحتمال أكثر. كلما نظرتُ إلى وجه جين-وو، أتذكر كيف تركناه. "

"أنا نادم حقاً.. بمجرد أن تنتهي هذه الغارة ونخرج من هنا، سوف أنحني أمامه وأعتذر بكل صدق. سأطلب منه الصفح، حتى لو لم يغفر لي."

أومأ كيم برأسه والأسى يملأ ملامحه، ولم يلحظا الابتسامة الباردة التي ارتسمت على وجه مين-هو خلفهما؛ ابتسامة من يعرف أن الموت لا يمنح دائماً فرصة للاعتذار.

تقدم الجميع لعدة دقائق أخرى في الممر، حتى انفتحت أمامهم ردهة واسعة، ليكشف الظلام عن مشهدٍ لم يتخيله عقل. هناك، وسط بركة من الدماء،

وقف المفتش كانغ تاي-شيك وهو يحمل أحد السجناء من رقبته، يخنقه ببرود مرعب، بينما جثتا السجينين الآخرين ملقاتان بجانبه كالحطام.

التفت تاي-شيك نحوهم بابتسامة شيطانية، ونطق بصوتٍ هادئ: "إذن.. كانت الطرق مرتبطة ببعضها البعض في النهاية. صدفة جميلة."

في الجانب الآخر من الزنزانة، توقف سونغ جين-وو فجأة. انقبضت عضلاته والتفت بسرعة غريزية؛ لقد شعر بشيءٍ يخترق الأجواء.. تعطش للدماء لا يخطئه صياد.

نظر السيد سانغ (ذو الذراع الواحدة) والمعالجة جو-هي نحوه بتعجب، لكن السيد سونغ سرعان ما شعر بنفس تلك الهالة القاتلة. "هذا.. هذا ليس مانا وحوش!"

صرخ السيد سونغ و ركض الثلاثة عائدين نحو مصدر الرائحة، ليجدوا أنفسهم أمام المذبحة.

الجثث كانت في كل مكان. وسط الردهة، كان مين-هو والمفتش تاي-شيك يقفان في مواجهة بعضهما البعض، يتبادلان نظراتٍ حادة وكأن العالم من حولهما قد اختفى.

على الجانب، كان سانغ-غو جالساً على الأرض، جسده مغطى بالدماء وجرحه غائر. عندما رأى جين-وو يقترب، ارتسمت على وجهه ابتسامة مريرة ممزوجة بالألم.

"أنا آسف.. سونغ جين-وو.." قالها بصوتٍ متقطع، "أردتُ أن أنحني وأعتذر لك عما فعلته في ذلك الوقت.. لكن يبدو أنني لن أستطيع القيام بذلك الآن."

اندفعت جو-هي نحوه، يداها ترتجفان وهي تحاول تفعيل مهارة العلاج، لكن النور الأخضر كان يبهت؛ لقد فات الأوان، فجراحه كانت أعمق من أن تُشفى.

نظر مين-هو إلى المشهد ببرود تام وغير اهتمام، وكأن موت سانغ-غو ليس سوى مشهد عابر

فجأة، اختفى المفتش تاي-شيك من أمام مين-هو بلمحة بصر، متوجهاً بنصله نحو المعالجة جو-هي ليقضي عليها.

لكن، وقبل أن يصل نصله، ظهرت يد سونغ جين-وو وأمسكت بذراع المفتش بقوة حديدية. تفاجأ تاي-شيك، واتسعت عيناه من سرعة جين-وو التي لم يتوقعها من صياد رتبة E. تراجع المفتش عدة خطوات وهو يحلل الموقف بعينين صقريتين.

"لماذا فعلت ذلك؟" سأل جين-وو بصوتٍ يرتجف من الغضب المكبوت.

ضحك تاي-شيك بصوتٍ عالٍ، وابتسامة مجنونة تعلو وجهه: "لماذا؟ لأن هذا ممتع هل تعلم ان السبب في أنني أصبحت صياداً ليس من أجل قتل تلك الوحوش القبيحة.. بل من أجل لذة قتل البشر! ها ها ها!"

استشاط السيد سونغ غضباً، والتقط سيفاً من الأرض بيد واحدة، وهمّ بالهجوم على المفتش، لكن جين-وو تقدم أمامه بخطوة قاطعة وهو يسحب خنجره، مانعاً إياه من الانتحار في مواجهة هذا القاتل المحترف.

في تلك اللحظة، نطق مين-هو بصوته الرخيم، وعيناه الحمراوان تتوهجان ببريقٍ شيطاني وهو يراقب اصطدام الإرادات:

"الآن.. سوف تبدأ المتعة الحقيقية."

2026/04/03 · 44 مشاهدة · 1062 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026