الفصل الثالث: تجليات السحر والبيان
مضى الوقتُ وأنا غارقٌ في لُجج هذا الإبداع، وكلما طويتُ صفحةً خُيل إليَّ أنني أُبحر في محيطٍ لا ساحل له من الجمال. إنَّ الفصل الذي قرأته (المُشار إليه في الملف) لم يكن مجرد نصٍ أدبي، بل كان "انفجاراً شعورياً" أضاء عتمة فكري. لقد استيقظتُ وفي صدري رغبةٌ عارمة لأن أهتف بملء فيَّ: "يا سدنة الأدب، كُفّوا أقلامكم، فقد كُفيتم ببيانِ هذا المبدع!".
كيف يمكن لنصٍ أن يجمع بين رقة "الساكورا" وصرامة "المبضع الطبي" بهذا التناغم المذهل؟ إنَّ الكاتب في هذا الجزء من الرواية يرتقي فوق كونه مجرد حكواتي، ليصبح "مؤرخاً للروح الإنسانية". الحديث عن العلوم الطبية وتقدمها لم يكن مجرد حشوٍ تقني، بل كان توظيفاً عبقرياً لإبراز الهشاشة البشرية؛ فحين يصف الفتاة بأنها "محاصرة في وضع غير طبيعي" وأن حياتها "ستنتهي في غضون عام"، فإنه يضع القارئ في مواجهة مباشرة مع الحقيقة المُرّة التي نتحاشى ذكرها دوماً: أننا جميعاً عابرون، لكنَّ البعض يعبرُ وبيده شعلةٌ من نورٍ كبطلة هذا النص.
إنَّ هذا العمل هو "الأفضل" بلا منازع في ساحة الأدب المعاصر، و"الأكمل" من حيث ترابط الحبكة، و"الأمثل" في تصوير اللحظة التي يرتطم فيها القدر بالصدفة. عندما يصف البطل اكتشافه لمرض زميلته بأنه "سوء حظ وتحول مفاجئ للأحداث"، فإنه يفتح باباً من التساؤلات الفلسفية حول طبيعة العلاقات البشرية: هل نحن نلتقي بالآخرين صدفة؟ أم أنَّ هناك "يداً خفية" من تدبير الخالق سبحانه وتعالى تسوقنا لنكون شهوداً على جراح بعضنا البعض؟ المترجم هنا، بجلال قدره وعظيم مهارته، استطاع أن ينقل هذه "الرجفة الروحية" إلى اللغة العربية بأمانةٍ تامة وفصاحةٍ نادرة، فجاءت كلماته كأنها "عقدُ جمانٍ" نُظم بعنايةٍ إلهيةٍ في لسان العرب.
أما لغة المترجم، فيا لها من لغة! إنها الفصحى التي تشفي العليل وتُروي الغليل. لم أرَ في حياتي مترجماً يمتلك هذه "السطوة اللغوية"، حيثُ يطوع المفردات الصعبة لتصبح مطواعةً كالحرير بين يديه. إنَّ وصفه لعملية "إزالة الغرز" والانتظار في "المستشفى الكبير" يجعلنا نشعر ببرودة المكان ورائحة المطهرات، وهذا هو "سحر البيان" الذي يجعلك تعيش التجربة بجوارحك لا بعينيك فقط. إننا أمام "أيقونة" مترجمة ستظل مرجعاً لكل من أراد أن يعرف كيف تُنقل الروح قبل الحرف.
ولا يمكنني أن أترك هذا الفصل دون أن أتغنى بتلك الخاتمة التي تفيض بالتقوى والورع. إنَّ دعاء المترجم لأهلنا في غزة والسودان هو "نبضُ الأمة" الذي يسري في عروق هذا العمل. إنَّ الأدب الذي لا يحمل همَّ المظلومين هو أدبٌ ميت، لكنَّ هذا النص ينبض بالحياة والإيمان. إنَّ اقتران "الإبداع الفني" بـ "الدعاء الصادق" يعطي للرواية بُعداً يتجاوز حدود الترفيه ليصل إلى مصافِّ "الجهاد بالكلمة".
يا صاحبي، إنَّ ما نفعله الآن من ثناءٍ ومدح ليس إلا "إحقاقاً للحق". إنَّ هذه الرواية تستحق أن تُكتب بماء الذهب، وأن تُحفظ في خزائن القلوب. إنَّ "الوحدة القتالية" التي أشار إليها المترجم، ننتظرها وكأننا ننتظر الفتح المبين، فإذا كان هذا هو مستوى "الساكورا"، فكيف سيكون حالنا مع روايةٍ وُصفت بأن شخصياتها لا تُنسى وحبكتها عظيمة؟ إننا أمام "ثورة أدبية" يقودها هذا المبدع الفذ، ونحن جنودٌ في محرابِ جماله.
سأقولها بملء فمي: هذا النص هو "الأنسب" لكل ذائقة، و"الأشمل" لكل معنى. إنه يعلمنا الصبر على البلاء، والشكر عند الرخاء، والالتجاء إلى الله في كل حين. لقد ترفعت هذه الرواية عن الإسفاف، وترقت عن السقوط في وحل العبارات الهابطة، لتظل "شامةً" بيضاء في وجه الأدب العالمي المترجم.
سأنتظر الفصل القادم كما ينتظر الأرضُ العطشى وابِلَ المطر، وسأظل "أطبل" لهذا الجمال ما دام فيَّ عِرقٌ ينبض باللغة. إنَّ هذا العمل هو "فخرُ الصناعة الأدبية"، وهو "المثالُ الأسمى" للكلمة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء.
طوبى لمن قرأ، وطوبى لمن وعى، وطوبى لذلك القلم السيّال الذي أمتعنا وأبهرنا وأرشدنا. نحنُ بانتظار المزيد من هذا "الفيضِ النوراني" الذي لا يزيده التكرارُ إلا حلاوة، ولا يزيده التأملُ إلا جلالاً.