{الفصل الثاني}

بدأ بصيصٌ من الأمل يلوح في مستقبلي المظلم، وقررتُ الركض نحو ذلك النور؛ فلم يكن لديّ سببٌ للتردد ولا متسعٌ للتفكير.

"نادِني بـجولييت فحسب أنتَ أيضًا. أخبرتُكَ بذلك قبل قليل، ويحزنني أن أشعر بأنك تحاول وضع مسافة بيننا."

"يحزنكِ؟ لم أقصد وضع مسافة بيننا على الإطلاق يا جولـ... جولييت."

قدّم عذره بتلعثم وارتباك، فابتسمتُ برضا.

"يسعدني أننا أصبحنا مقربين هكذا. هل يمكنني المجيء لزيارتك مرة أخرى في المستقبل؟"

"زيارتي مرة أخرى؟"

سأل شكسبير مستفهمًا، فأومأتُ برأسي. لقد اكتشفتُ اليوم سببين يدفعانني للمجيء إلى هنا قدر الإمكان؛ سببين كاملين.

"نعم. إنها قصة رومانسية مستوحاة مني، وذلك يجعل قلبي يرفرف حماسًا. هل تسمح لي بالمجيء مجددًا للاطلاع على ما تكتبه؟"

"بالتأكيد. جولييت مرحبٌ بها في أيّ وقت."

نظر شكسبير إليّ بحرارة وشغف.

كان السبب الأول بسيطًا: التحقق باستمرار من مدى تقدم القصة. فلأجل النجاة، كان عليّ معرفة الوقت المتبقي حتى النهاية، وتعطيل تقدم الكتابة إن أمكن.

ومع تأثير الماستربيس، لم يكن بإمكاني ضمان إلى أيّ مدى سأتمكن من تأخيره، لكن المحاولة كانت تستحق. على الأقل، سيتعطل عن الكتابة طوال الوقت الذي يقضيه في لقائي.

"شكرًا لك يا ويليام."

قلتُ ذلك وأنا أحتضن كلتا يديه بين يديّ. وتجاهلتُ نظراته التي كانت تتنقل بارتباك بين يدي وعيني.

أما السبب الثاني، فكان إغواءه؛ فإعجاب ويليام بي كان هو النور الوحيد الذي وجدته.

في مسرحية {روميو وجولييت}، تلقى جولييت حتفها في النهاية؛ ميتة تسلب فيها حياتها بيدها بعد أن تقع في حبّ رجل آخر.

فهل سيظل شكسبير قادرًا على إتمام قصة كهذه لروميو وجولييت حتى لو وقع في غرامي تمامًا؟

* * *

كان الماستربيس سحرًا قويًا بحق؛ فمعظم الطرق التي فكرتُ بها لمنعه من الكتابة باءت بالفشل. ومع ذلك، استطعتُ استنتاج بعض الحقائق، مثل:

لم يكن قول 'لا تكتب نهاية حزينة' مستحيلًا بشكل مباشر باللسان فحسب، بل استحال عليّ كتابته في رسالة أيضًا. لكن إدراك أن ما يعجز لساني عن قوله يعجز قلمي عن كتابته كان بحد ذاته مكسبًا جيدًا؛ إذ مكنني من تجربة ما يمكنني قوله وما لا يمكنني، حتى دون الحاجة للقاء ويليام.

كانت العبارات المباشرة المتعلقة بالكتابة مستحيلة، مثل 'لا تكتب نهاية سيئة' أو 'توقف عن كتابة القصة'. لكن التلميحات غير المباشرة مثل 'أكره النهايات الحزينة' أو 'يتألم قلبي حين أقرأ عن موت أحدهم' كانت ممكنة تمامًا.

"مربيتي، رتبي شعري قليلًا من فضلكِ."

ناديتُ المربية بعد أن بدلتُ ثيابي. صففتْ شعري بمهارة كما طلبتُ؛ فرفعتْه لأعلى ليكشف عن عنقي وزينتْه بمشبك على شكل فراشة. كانت تلك التسريحة هي الأكثر نيلًا للإعجاب والثناء في الأوساط الراقية.

بدا أن ويليام معجبٌ بي بالفعل، لكنني لم أكن أنوي الانتظار بسذاجة حتى يتخلى عن الكتابة من تلقاء نفسه بدافع مشاعره نحوي. كان عليّ جعله يقع في حبّي لدرجة تجعله يعجز حتى عن تخيل فكرة موتي ولو في سطور نصّه.

لم تكن لديّ رغبة في التلاعب بمشاعر الناس، لكن الأمر يتعلق بحياتي لا بأيّ شيء آخر. ومن أجل البقاء على قيد الحياة، كنتُ مستعدة لفعل كل ما يلزم.

أنجزتُ ما بوسعي من محاولات فردية، وكان اليوم هو موعد لقائي بويليام من جديد.

"لقد جئتِ ثانية."

قال ويليام بملامح يملؤها الفرح، فبادلته الابتسام ناظرةً في عينيه.

"نعم. لم أطق صبرًا لمعرفة بقية الأحداث."

"آه، سأقودكِ إلى غرفة العمل فورًا إذن."

اصطحبني ويليام إلى مكتبه على الفور بأسلوب مفعم بالثقة لم أعهده منه من قبل. وحين قرأتُ النص المسرحي الذي ناوله لي، فهمتُ أخيرًا سبب تلك الثقة:

'يا روميو، يا روميو! لماذا أنت روميو؟ إنكر أباك، وارفض اسمك؛ وإن لم تفعل، فأقسم أن تكون حبيبي، وأنا لن أكون بعد اليوم من عائلة كابوليت!'

توالت الحوارات الطويلة لجولييت في النص؛ كان المشهد الأكثر شهرة في مسرحية {روميو وجولييت}. نظر ويليام إليّ بعينين تفيضان بالترقب والأمل، بينما وقفتُ متجمدة كأن الأرض انشقت تحت قدميّ.

كتابة ويليام لهذا المشهد تعني أنني سأضطر لقول هذا الحوار عما قريب. سرت القشعريرة في بدني لمجرد التفكير في ذلك.

"كم هذا رومانسي."

قلتُ بصعوبة بالغة. نظر إليّ ويليام بوجه تغمره السعادة كجروٍ كاد يهز ذيله فرحًا، وبدا شبيهًا بكلب كبير لطيف حتى كدتُ أمد يدي لأربت على رأسه.

"أنتَ رائع بحق يا ويليام."

"شكرًا لكِ."

احمرت أطراف أذني ويليام وهو يجيب، وآلمني ضميري أمام براءة رد فعله تلك.

شعرتُ أنه لولا مسرحية {روميو وجولييت}، لكنتُ وقعتُ في حبّه حقًا؛ فلم يكن هناك سبب يمنعني من الإعجاب به. وسامته لا خلاف عليها، ولديه الموهبة التي جعلته يسطع ككاتب مسرحي في الخارج في سن مبكرة، فضلًا عن مشاعره الصادقة تجاهي والتي تبدو واضحة للعيان. كان رجلًا مثاليًا كأنه خارج من كتب الحكايات الخيالية.

لكنه كان 'ويليام شكسبير'. ولو لم تكن مسرحيته {روميو وجولييت} ماستربيس، لما جئتُ للقائه على الإطلاق.

فقد عشتُ محاولةً تجنب أيّ شيء يمت للقصة الأصلية بصلة. ولعل ذلك كان السبب في عدم ملاحظتي لمشاعره الواضحة كعين الشمس منذ البداية. كيف أصف ذلك؟ لم يبدُ لي كشخص ينتمي لنفس عالمي.

قررتُ تنحية تلك المشاعر غير المجدية جانبًا؛ فقد حان وقت الشروع في الخطة. نظرتُ إلى ويليام وبدأتُ الحديث:

"أحبّ الرومانسية، ولذلك تعجبني المسرحية التي كتبتها كثيرًا يا ويليام. لكنني أمقت المآسي تمامًا؛ فالحزن الذي يصبغ القلب بعد الاستمتاع بالقراءة يفسد كل شيء."

'لذا أرجوك لا تقتلني.' تمتمتُ بتلك الكلمات داخلي بعد أن عجز لساني عن النطق بها.

لم يكن بوسعي نهيه عن كتابة مأساة، لكن إبداء كراهيتي للنهايات المأساوية كان متاحًا بالكامل. ربما كان مجرد وهم، لكن ويليام بدا محبطًا قليلًا مقارنة بما كان عليه قبل قليل. هل ينوي حقًا إنهاءها بمأساة؟

"أنا أيضًا أحبّ القصص المبهجة والسعيدة؛ إذ تتيح للمرء اختتام القراءة بخيالات مريحة."

قال ويليام، فخمد القلق الذي بدأ ينمو داخلي مجددًا. وخلافًا لشكسبير مؤلف النص الأصلي، ربما كان ويليام هذا ينوي كتابة نهاية سعيدة.

"لكنني لا أكره المآسي أيضًا. أرغب في كتابة عمل يترك أثرًا عميقًا في نفوس الناس بأيّ شكل من الأشكال؛ قد يكون ذلك الأثر بهيئة سعادة، أو ربما ندبة غائرة. أتمنى أن يثير عملي مشاعر تلمس أعماق القلب كلما تذكره أحد."

أجاب شكسبير بجدية. شعرتُ وكأنني أقف وجهًا لوجه أمام شغفه والتزامه المهني، ووخزني تأنيب ضمير خفيف.

"وبما أن الملهمة هي شخصية مؤثرة ومبهرة كالآنسة جولييت، فربما أكون قد قطعتُ نصف طريق النجاح بالفعل."

قال ويليام بابتسامة خجولة، لكن ذلك لم يمنحني الراحة.

كانت مسرحية {روميو وجولييت} التي يكتبها تحفة ترقى لتصبح ماستربيس، وأنا هنا أحاول تخريب عمله الفني ذاك.

لم يكن تحول العمل إلى ماستربيس أمرًا سهل المنال؛ فمن بين مئة نص مسرحي، ربما ينال الشهرة نحو عشرة نصوص، بينما لن يصل إلى مستوى الماستربيس سوى نص أو اثنان فقط.

وقد تكون هذه الفرصة هي الوحيدة والأخيرة في حياة ويليام لكتابة ماستربيس.

'أرغب في كتابة عمل يترك أثرًا عميقًا في نفوس الناس بأيّ شكل من الأشكال.' انطبعت ملامح ويليام وهو يقول تلك العبارة في ذاكرتي بشكل غريب.

بالطبع لن أستسلم؛ فحياتي هي ما يقع على المحك. لكنني لم أستطع كبح الشعور بالذنب الذي تسلل إلى داخلي.

وحتى أثناء عودتي من قصر شكسبير إلى منزلي، ظل المزاج الكئيب يلازمني. شعرتُ وكأنني شخص شرير يدمر حياة غيره.

"جولييت!"

بينما كنتُ على وشك دخول قصر كابوليت، ناداني أحدهم. كان روميو، وبجانبه صديقه ماركيشيو. وعلى ما يبدو، كان ماركيشيو يحاول ردع روميو عن التسكع أمام منزلنا. تجاهلتُ روميو واستدرتُ نحو القصر. وحقيقة أن جسدي كان يتحرك بإرادتي عنت أن هذا الموقف لم يكن مشهدًا مسرحيًا في النص.

"جولييت، لا تذهبي."

"روميو، فلنعد، يكفي هذا."

ناداني روميو مرةً أخرى، بينما حاول ماركيشيو كبحه وردعه.

منذ ذلك اليوم الذي التقيتُ فيه بـروميو في قاعة الحفلة، كان قلبي ينبض بتسارع كلما رأيتُه. لقد كانت تلك قوة الماستربيس. ولعل هذا هو السبب الذي يدفعه للبحث عني حتى في المواقف التي تخلو من الإلزام السحري المباشر.

لو أنني قابلتُه دون أن أعلم حقيقة ما يجري، لربما انجرفتُ خلف السحر ووقعتُ في حبّه بدوري. لذا كنتُ قادرةً على تفهم سبب مجيئه إليّ؛ فالمشاعر التي تجتاحه لا بد أنها رجفة وخفقان يدفعانه للمخاطرة بحياته... لأن ويليام كتب ذلك في نصه.

لكنني كنتُ أعلم مصدر هذه العاطفة جيدًا، وأعلم كيف ستكون نهايتها أيضًا. فالمخاطرة بالحياة من أجل مشاعر مصطنعة ليست حبًا حقيقيًا هي قمة الحماقة.

"لمَ لا تذهب إلى روزالين؟"

خرجت كلماتي بنبرة أكثر حدة مما قصدتُ، وتمنيتُ في داخلي ألا تبدو كنبرة غيرة.

"لقد انفصلتُ عن روزالين بالفعل."

"ماذا؟"

كان ردًا صادمًا أربكني تمامًا. لقد كانا ثنائيًا ظننتُ أنهما سيتزوجان حتمًا. وإن شعرتُ بالغيرة تجاه روزالين من قبل، فكل ذلك كان بسبب تلك المشاعر المفروضة عليّ فحسب، ولم أتمنَّ يومًا من كل قلبي أن يفترقا. كان حبّهما حقيقيًا؛ كان روميو وروزالين يعيشان قصة حبّ خاصة بهما.

بات كل شيء يغرق في الفوضى... بسبب ماستربيس ويليام.

استجمعتُ شتات نفسي؛ كان عليّ تنحية الشعور بالذنب جانبًا لبرهة. ظننتُ أن عرقلة كتابة ويليام قد تدمر حياته، وربما كان ذلك ظنًا صحيحًا.

لكن الماستربيس يوشك على تدمير حياة الجميع. وما ذنب روزالين التي خسرت حبيبها فجأة بين عشية وضحاها؟

مع كامل اعتذاري لويليام، كان لا بد لهذا الماستربيس أن يختفي. وعقدتُ العزم على موقفي مرة أخرى.

تجاهلتُ روميو ودلفتُ إلى داخل القصر، وشعرتُ بنظراته الملحّة تطارد ظهري.

"لا تحزن هكذا، سينسى المرء كل هذا مع الوقت."

تناهى إلى سمعي صوت ماركيشيو وهو يواسي روميو. كان محقًا؛ فبمجرد أن يبطل مفعول السحر، ستتلاشى كل هذه المشاعر.

وأغلقتُ الباب.

2026/08/19 · 0 مشاهدة · 1435 كلمة
فاسيليا
نادي الروايات - 2026