في تلك الليلة، زار روميو قصر كابوليت. واضطررتُ إلى تلاوة ذلك الحوار الأكثر شهرة في مسرحية {روميو وجولييت} سطرًا بسطر دون أن أفوّت كلمة واحدة. لقد كانت أوقاتًا عصيبة حقًا.

لم يُجْدِ نفعًا محاولة إقناعه بأنني أكره المآسي؛ لذا كنتُ بحاجة إلى خطة جديدة. ولحسن الحظ، خطرتْ ببالي فكرة، وكان الفضل في ذلك يعود بالكامل إلى ظهور ماركيشيو بالأمس.

فرغم أن النص الذي يكتبه ويليام خيالي، إلا أن الشخصيات كانت مستوحاة من أشخاص حقيقيين على أرض الواقع. ولم تكن طباع تلك الشخصيات أو علاقاتهم بمنأى عن واقعهم الفعلي.

صحيح أنهما لم يكونا عدوين لدودين، لكن سوء العلاقة بين عائلة كابوليت وعائلة مونتاغيو كان حقيقة، وتيبالت في الواقع كان حاد الطباع وسريع الانفعال للغاية. أي أنه رغم وجود بعض المبالغة، إلا أن ويليام لم يبتكر قصة منفصلة تمامًا عن الواقع.

إذن، ماذا لو أظهرتُ له علاقات بين الشخصيات تختلف كليًا عما ورد في مسرحية {روميو وجولييت}؟

كان من الأفضل بالطبع أن أُظهر له عداءً بيني وبين روميو، لكن ذلك كان مستحيلًا؛ فـروميو بات خاضعًا بالكامل لتأثير الماستربيس.

فحتى لو افتعلتُ شجارًا معه دون سبب، فسيتوسل إليّ طلبًا للمغفرة ويتشبث بي. وحينها سيصيغ ويليام على الفور حبكة تتمحور حول جولييت التي تحاول التخلي عن روميو من أجل عائلتها، وروميو الذي يرجوها ألا تفعل. ولم يكن ذلك ما أريده على الإطلاق.

لكن، ماذا عن شخصية لم تظهر في النص بعد؟

لقد كان ظهور ماركيشيو بالأمس ضربة حظ حقيقية؛ فبفضله استطعتُ التوصل إلى هذه الخطة.

كانت نقطة التحول الحاسمة التي قادت روميو وجولييت إلى المأساة هي ماركيشيو. فمنذ اللحظة التي قتل فيها أخي تيبالت* ماركيشيو، بدأت عجلة المأساة بالدوران نحو الهلاك.

(جولييت تنادي تيبالت أخي لأنه ابن عمها وهو بمثابة أخيها)

لو لم يقتل أخي تيبالت ماركيشيو، لعاش روميو وجولييت بسلام. كان ذلك في حد ذاته أمرًا مريعًا، لكن أهون الشرين يظل أفضل من أسوأهما على أية حال. وإن تعذر كل شيء، فهناك دائمًا خيار الطلاق بعد أن ينهي ويليام كتابة النص؛ طالما لم يختم ويليام مسرحيته بعبارة مثل: 'وعاش الاثنان في سعادة وهناء معًا إلى الأبد دون فراق'.

فضلًا عن ذلك، لم يظهر ماركيشيو في قصة ويليام بعد، وهذا يعني أنه لا يزال حرًا طليقًا من سطوة الماستربيس.

المشاعر المنبثقة عن الماستربيس كانت مزيفة كلها، لكنها بدت أكثر حيوية وواقعية من المشاعر الحقيقية نفسها. وما لم يكن الشخص على دراية بالقصة الأصلية مثلي، فلن يساوره أدنى شك في تلك العواطف المفاجئة. بالنظر إلى ذلك، كانت فكرة الاستعانة بشخصية لم تظهر بعد ميزة عظيمة للغاية.

ورغم أن أخي تيبالت قد ظهر في النص بالفعل، إلا أن عداءه اقتصر على أفراد عائلة مونتاغيو فقط. ولحسن الحظ، كان ماركيشيو ابن حاكم الإقليم؛ وباستثناء صداقته لروميو، لم تكن تجمعه بعائلة مونتاغيو أيّ صلة قرابة.

توطيد العلاقة بين ماركيشيو وأخي تيبالت سيكون أمرًا شاقًا للغاية، لكنه ليس مستحيلًا ما دام خاليًا من تأثير السحر. وبعدها، سأُري ويليام مدى تقاربهما وصداقتهما، حتى لا يخطر بباله مطلقًا حبكة يقوم فيها تيبالت بقتل ماركيشيو. وفي أثناء ذلك، سأستمر في لقاء ويليام وجذبه نحوي أكثر. لقد كانت خطة محكمة بحق.

وهكذا بدأت الخطة تحت مسمى: 'أرجو أن يصبح تيبالت وماركيشيو صديقين مقربين'.

* * *

لو كنتُ أقوى من أخي تيبالت ولو قليلًا، لأمسكتُ بتلابيب قميصه وسحبته جرًا أمام ماركيشيو بلا تردد.

"أخي تيبالت، يبدو لي ماركيشيو شخصًا رائعًا حقًا. إخلاصه ووفاؤه لأصدقائه مذهلان، وأعتقد أنه يستحق أن تبني معه صداقة."

"أليس ماركيشيو هو صديق روميو ذاك؟ يُعرف المرء بقرينه؛ فإن كان يفي بوعده لوغدٍ كـروميو، فمعدنه واضح ولا يحتاج إلى تفكير."

"أخي تيبالت، يبدو ماركيشيو شخصًا متسامحًا ولطيفًا جدًا؛ فقد تقبل خطئي بصدر رحب حين أسأتُ التصرف. سيكون رائعًا لو صرتما صديقين."

"إن كان ساذجًا لدرجة تقبل شخص كـروميو، فهذه مشكلة بحد ذاتها؛ فالمرء يحتاج إلى أن يكون حازمًا حين يتطلب الأمر ذلك."

تكرر هذا الجدال العقيم مرات ومرات حتى سئمتُ تمامًا. بدا واضحًا أن أخي تيبالت إما يفتقر إلى أذنين تسمعان أو عقل يستوعب الكلام؛ فبالنسبة له، لم يكن ماركيشيو هو ماركيشيو، بل كان 'صديق ذلك الوغد من عائلة مونتاغيو'. ولم تكن لديه أدنى نية لسماع أيّ توضيح إضافي أو تقبله. يا له من إنسان ضيق الأفق!

صعدتُ إلى غرفتي وسحبتُ ورقة رسائل. وددتُ لو يدرك أخي تيبالت ما دفعني عناده إلى فعله، وتمنيتُ من كل قلبي أن يندم على ذلك. وخططتُ السطر الأول من الرسالة:

[إلى روميو]

* * *

"صرحٌ مهيب."

تمتم أخي تيبالت بملامح يكسوها الضجر.

"وهذا هو وجه جماله."

قلتُ بلهجة مهادنة وملاطفة.

كنا متواجدين في المتحف الوطني للفنون. وبدا الضجر على وجه أخي تيبالت منذ اللحظة الأولى لدخولنا من البوابة؛ فرغم أنه رافقني استجابةً لإلحاحي، إلا أن عدم رغبته في التواجد هنا كانت واضحة تمامًا. حسنًا، حتى في نظري، لم يكن هناك أيّ انسجام بين أخي تيبالت والفن؛ فهو محاربٌ بالمعنى الحرفي للكلمة مهما تأملتَه.

"لمَ تتلفتين حولكِ هكذا؟"

"لا شيء على الإطلاق."

أمام تعابير وجهي البريئة والواثقة، أومأ أخي تيبالت برأسه دون أن يساوره شك، فتنفستُ الصعداء سرًا.

كان اصطحاب أخي تيبالت إلى متحف لا يلائمه يخدم غاية محددة. أخذتُ أسترق النظر في كل الاتجاهات دون تحريك رأسي، وتسلل إليّ التوتر تدريجيًا حين لم ألمح الشخص الذي واعدتُه.

لقد طلبتُ من روميو الحضور إلى المتحف الوطني للفنون... برفقة ماركيشيو.

وبالطبع، لم أكن أتوقع أن يلتقيا وتنشأ بينهما صداقة عفوية؛ فبالنظر إلى تعنت أخي تيبالت، كان ذلك مستحيلًا. وإن كان ماركيشيو برفقة روميو تحديدًا، فستكون النتيجة محسومة وسيئة دون أدنى شك.

ولمواجهة السحر، كنتُ بحاجة إلى قوة السحر ذاته. كان مجيئي إلى المتحف بهدف رؤية الماستربيس المسماة {الصداقة}؛ أو بتعبير أدق، لجعلهم يشاهدون تلك اللوحة.

يكمن السحر في كل ماستربيس، والسحر الكامن في لوحة {الصداقة} كان تمامًا كما يوحي اسمها؛ إذ تنبت رابطة رفقة سلاح متينة بين كل شخصين يتأملانها معًا. خططتُ لعرض تلك اللوحة على أخي تيبالت وماركيشيو. ورغم أن لقاء روميو كان مجازفة محفوفة بالمخاطر بالنسبة لي، إلا أن نجاح الخطة كان سيجلب ثمارًا تفوق تلك المخاطرة بكثير.

بطبيعة الحال، لم أظن أن مجرد مصادفة ماركيشيو في المتحف ستجعلهما يقفان ويتأملان اللوحة معًا بود؛ فالحياة ليست بهذه السهولة أبدًا. لذا تطلب الأمر مناورة أكثر دقة وإحكامًا:

أولًا: أن أحدد أنا وروميو موقع كل منا في المتحف.

ثانيًا: استدراج أخي تيبالت وماركيشيو إلى أمام لوحة {الصداقة} دون لفت الانتباه.

ثالثًا: جعلهما ينظران إلى لوحة {الصداقة} في التوقيت ذاته.

كانت خطة بسيطة في جوهرها، لكن تنفيذها على أرض الواقع لم يكن بالسهولة المتوقعة؛ إذ تعثرتُ منذ البداية في مجرد العثور على روميو.

"هناك حشرة هنا."

تمتم أخي تيبالت بصوت يقطر عداءً؛ نبرة دموية وقاسية لدرجة يستحيل معها أن يكون قد رأى حشرة حقيقية. 'هل يُعقل...؟' ساورني شعور مشؤوم فتبعتُ نظراته، وكان روميو وماركيشيو يقفان هناك تمامًا كما لو كان الأمر مقدرًا.

"متحفٌ تطؤه الحشرات... هذا مثير للاشمئزاز. فلنعد."

استدار أخي تيبالت ليرحل، ولم يكن بوسعي ترك الأمر ينتهي هكذا، فتحدثتُ على عجل:

"أنا أريد تأمل معروضات المتحف."

"ليس بالضرورة أن تشاهدي المتحف الآن. مجرد التواجد في المكان نفسه مع ذلك الوغد من عائلة مونتاغيو يثير غثياني. فلنؤجل تأمل الفنون إلى وقت آخر."

لم يكن لدى تيبالت أيّ نية للتراجع عن عناده هذه المرة أيضًا، فقررتُ اللجوء إلى خيار متشدد:

"إن أردتَ العودة فعد بمفردك. أنا سأشاهد الأعمال الفنية هنا اليوم."

نظر إليّ دون أن يخفي استياءه، فبادلته النظرة بثبات وتحدٍ. أطلق تنهيدة خفيفة؛ هل نجحت الخطة؟

"شاهديها بمفردكِ إذن. أما أنا فسأعود."

استدار أخي تيبالت ومضى مبتعدًا. كان أخًا رحب الصدر وعطوفًا بما يكفي لمرافقة ابنة عمه إلى متحف لا يطيقه، لكن عطفه ذاك عجز عن التغلب على كراهيته لعائلة مونتاغيو.

فشلت الخطة. خطوتُ باتجاه روميو؛ فرغم عدم رغبتي في مواجهته، إلا أنني أنا من استدعاه من أجل الخطة، وكان من واجبي إخباره بالفشل وصرفه.

"روميو."

"أن تنادينني بنفسكِ أولًا..."

رد روميو بوجه تغمره البهجة والتأثر لمجرد ندائي له. بذلتُ جهدًا مضاعفًا حتى لا تتجمد ملامحي أمامه؛ فقد بدا روميو بحالته هذه مثيرًا للاشمئزاز إلى حد بعيد. وخاب أملي في نفسي بشدة لأن قلبي خفق رغم كل ذلك.

كل ذلك كان بسبب السحر. استجمعتُ رباطة جأشي؛ فالتجاهل بعد توجيه الدعوة لم يكن من اللباقة. ولو كان روميو بمفرده لما أكترثتُ بأيّ ذوق أو لباقة، لكن ماركيشيو كان يقف بجانبه الآن.

فمن أجل نجاح خطة 'أرجو أن يصبح تيبالت وماركيشيو صديقين مقربين'، لم أكن أعلم متى قد أحتاج إلى مساعدة ماركيشيو. ولن يضرني بالتأكيد ترك انطباع جيد لديه. رسمتُ ابتسامةً متكلفة على وجهي وبادلتُ روميو الابتسام بصعوبة.

"لقد ارتاب أخي تيبالت في الأمر. سأعود إلى المنزل اليوم."

"الأمر أصعب مما توقعتُ. ولكن يا جولييت، إن كانت عقبة عليّ تجاوزها من أجلكِ، فأنا مستعد لتخطي أيّ شيء مهما كلف الأمر."

'اهدأ أيها القلب ولا تتصرف بحماقة!' شعرتُ بالخزي والأسف الشديد تجاه قلبي؛ فلماذا يخفق متأثرًا بعبارات مبتذلة ورخيصة كهذه؟! بدا أن روميو يظن هذه الخطة بمثابة اختبار وتحدٍ في سبيل حبّنا، بينما هي في الواقع خطة لسحق ذلك الحبّ وتدميره. أطلقتُ تنهيدةً خافتة.

"ما خطبكما؟"

اقترب منا ماركيشيو ونحن نتهامس. فرسمتُ على وجهي ابتسامةً أنيقة وكأنني لم أطلق تلك التنهيدة قبل قليل.

"مرحبًا يا سيد ماركيشيو."

أومأ ماركيشيو برأسه ردًا على تحيتي بملامح يكسوها الفتور وعدم الارتياح. حسنًا، لقد رأى ماركيشيو بنفسه في المرة الماضية كيف تجاهلتُ روميو ودخلتُ القصر، فمن الطبيعي أن أبدو غريبة الأطوار في عينيه وأنا أظهر فجأة لأتحدث إلى روميو هكذا. ولعدم وجود عذر مناسب يمكنني تقديمه، اكتفيتُ بالابتسام ولزمتُ الصمت.

"ماركيشيو، بما أننا التقينا، فلنشاهد المعروضات برفقة جولييت."

استغل روميو صمتي وتحدث مبادرًا، رغم أنني أخبرته للتو أنني سأعود!

"لا داعي لذلك. كنتُ على وشك المغادرة على أية حال، لذا تفضلا بمشاهدتها معًا بمفردكما."

وجهتُ حديثي إلى ماركيشيو دون أن ألقي حتى بنظرة واحدة نحو روميو. ضيّق ماركيشيو ما بين حاجبيه بحرج وهو يجد نفسه عالقًا بيننا.

"جولييت، لا تكوني هكذا..."

"جولييت؟"

وبينما همّ روميو بالإمساك بي، نادى أحدهم باسمي.

"ويليام؟"

كان ويليام. وعلت وجهه ملامح الفرح والبهجة كجروٍ يستقبل صاحبه. مع كل لقاء بيننا، كانت نظراته نحوي تزداد حرارة وشغفًا، حتى خُيّل إليّ أنني أرى أذنين وذيلًا غير موجودين يرفرفان فرحًا.

"ما الذي أتى بكَ إلى هنا؟"

"استعصت عليّ الكتابة قليلًا فجئتُ بحثًا عن الإلهام؛ ظننتُ أن رؤية بعض الأعمال الفنية البديعة قد تلهمني وتحفزني. وماذا عنكِ يا جولييت؟ ما الذي جاء بكِ؟"

"جاءت لمقابلتي."

قاطعنا روميو متدخلًا في الحديث.

2026/08/19 · 0 مشاهدة · 1599 كلمة
فاسيليا
نادي الروايات - 2026