الفصل الأول: طعم الضوء الميت

استيقظ آزر وهو يلعق الدم عن شفته السفلى.

تشقق الجلد عند زاوية فمه مرة أخرى أثناء النوم. لم يعد يتذكر متى كانت آخر مرة استيقظ فيها دون ألم صغير في جسده. مدّ يده نحو جرّة الماء بجانب الفراش، قلبها، فلم تسقط منها إلا قطرتان دافئتان بطعم الغبار. ابتلعهما رغم اشمئزازه.

فوقه، تسلل الضوء من شقوق السقف.

ضوء ثابت.

باهت.

لا يحمل دفئًا ولا رحمة.

في ميرال، لم يكن أحد بحاجة إلى رفع رأسه ليتأكد أن الشمس الكاذبة ما زالت معلقة في السماء. كانوا يشعرون بها في أفواههم اليابسة، وفي الجلد المتشقق على أصابعهم، وفي الأيام الطويلة التي لا تتغير.

نهض من فراشه الخشبي، ونزل إلى الزقاق أسفل المبنى.

الحجارة ساخنة بلا حرارة.

والهواء خفيف، لا يملأ الرئتين مهما حاولت.

جلس قرب الجدار، وأخرج قطعة معدنية صدئة من جيبه. بدأ يفركها بحجر صغير. مرة… ثم أخرى… ثم بعنف أشد، حتى احمرّت أصابعه وانشق الجلد عند مفاصلها. سال خط رفيع من الدم على رسغه دون أن ينتبه.

لم يكن ينظف القطعة من أجل بيعها فقط.

كان يحتاج إلى شيء يقاومه بيديه. شيء لا ينكسر بمجرد النظر إليه.

في آخر الزقاق، كان رجل هزيل يساوم بائعًا على كتاب ممزق.

"صفحتان ناقصتان!" صاح البائع.

"وأسنان ناقصة أيضًا." رد الرجل، ثم خلع خاتمًا نحاسيًا من إصبعه. "خذ هذا… وأعطني العظم."

لم يأخذ الكتاب.

أخذ قطعة عظم يابسة ملفوفة بخرقة، وانصرف يعضها كما لو كانت وليمة.

خفض آزر عينيه إلى القطعة في يده، وتابع الفرك.

هبط شيء من فوق الجدار.

اصطدم بالأرض، تدحرج، ثم استقر في حضنه: رغيف خبز.

بعده بلحظة، هبط صاحبه بخفة قط شوارع.

اعتدل رافن وهو يبتسم.

"كاد يسبقني."

نظر آزر إلى الرغيف.

"من أين؟"

مسح رافن الغبار عن كتفه.

"القطاع الثالث."

تصلبت عينا آزر وهو يشم الرائحة.

"مخبز العجوز ناحم."

اتسعت ابتسامة رافن.

"كنت أراهن أنك ستعرف."

"لديه كلبان عند الباب."

"الآن لديه كلبان غاضبان."

رفع آزر بصره إليه.

"وماذا أيضًا؟"

هز رافن كتفيه.

"عين أقل، حزن أكثر، وخبز أخف."

ساد صمت قصير.

ثم قسم الرغيف نصفين ووضع أحدهما فوق ركبة آزر النازفة.

"كُل قبل أن يبرد."

"إنه بارد أصلًا."

"إذن قبل أن يشيخ."

أكلا بصمت.

ثم عبس آزر فجأة.

في الشارع المقابل، مرّت امرأة. رأى ظلها يسبقها بخطوتين… بينما جسدها ما زال خلفه.

رمش.

عاد الظل إلى مكانه.

توقف المضغ في فم رافن.

"رأيتها؟"

سأله آزر دون أن يلتفت:

"رأيت ماذا؟"

تأخر جواب رافن لحظة.

"رأيتك تتجمد."

خفض آزر يده.

القطعة المعدنية بين أصابعه أصبحت ناعمة كالرمل. تفتتت وسقطت فوق قدميه.

في السماء، مرّ طائر أسود.

ثم انثنى جناحه في الهواء دون أن يتحرك جسده، كأن الرسم نفسه اختل للحظة.

شعر آزر بطعم معدن بارد يملأ فمه.

ليس دمًا.

شيئًا أقدم.

وقف ببطء.

ضجيج السوق عاد. طفل يبكي. رجل يضحك. امرأة تساوم.

لكن كل الأصوات بدت بعيدة… كأنها تحدث

خلف جدار زجاجي.

وفي وسط ذلك البعد، شعر بشيء داخل صدره…

يفتح عينه

2026/04/20 · 6 مشاهدة · 456 كلمة
نادي الروايات - 2026