الفصل الثاني: الصندوق الذي لا يجيب
لم يكن الصباح في ميرال بداية يوم جديد.
بل استمرارًا ليوم قديم رفض أن ينتهي.
خرج آزر من غرفته بلا هدف واضح. البقاء داخل الجدران صار أقل منطقية من السير بينها.
في الممر الضيق، مرّ بجانب عمود خشبي.
تأخر ظله عنه نصف ثانية.
ليس اختفاءً.
تأخرًا فقط.
كأن الظل لم يقرر بعد إن كان عليه أن يتبعه.
توقف آزر. لم يلتفت مباشرة. بقي ساكنًا لحظة أطول من الطبيعي، ثم أكمل طريقه.
في السوق السفلي، كان الناس يتحركون بعجلة جائعة. أصوات البيع أعلى من أصوات البشر. العيون تقيس كل شيء: الطعام، الماء، الضعف.
لكن شيئًا جذب انتباهه.
صندوق خشبي صغير على طاولة مهترئة.
لم يكن جميلًا.
ولم يكن نادرًا.
ومع ذلك، بدا كأنه في المكان الخطأ.
جلس خلف الطاولة رجل أصلع لا يرفع رأسه.
قال بصوت خافت:
"لا تلمسه إذا كنت ستندم."
سأل آزر:
"كم؟"
ذكر الرجل ثمنًا بسيطًا.
ثمنًا يكفي لوجبتين… أو ليوم نجاة آخر.
مد آزر يده إلى جيبه.
ثم توقف.
في الزقاق المجاور، كانت امرأة عجوز نائمة قرب الحائط، وقد انزلق كيس نقود صغير من تحت رأسها.
نظر إليها.
نظر إلى الصندوق.
ثم مشى نحوها.
رفع الكيس ببطء.
عادت المرأة للشخير.
عاد إلى الطاولة، ووضع المال دون كلمة.
رفع الرجل رأسه لأول مرة.
كانت إحدى عينيه بيضاء تمامًا.
"ستندم."
أخذ آزر الصندوق وغادر.
لم يفتحه في الطريق.
لكنه شعر أن المسافة إلى غرفته أقصر مما يجب. وكأن الأزقة اختصرت نفسها له ثم تراجعت.
دخل غرفته، وأغلق الباب.
جلس أمام الصندوق.
في الخارج، دخل رافن من النافذة كأنها باب يخصه.
"أخبرني أنك لم تبع كليتك."
لم يرد آزر.
نظر رافن إلى الصندوق، ثم إلى وجهه.
"آه… إذن فعلت شيئًا أغبى."
فتح آزر الغطاء.
لم يصدر الخشب صوتًا.
في الداخل، استقر حجر أسود بحجم الكف، يتوسطه شق رفيع.
لم يكن يلمع.
بل بدا كأن الضوء يبتعد عنه.
مد آزر يده.
في اللحظة التي لامسته أصابعه…
اختفى الطعم من فمه.
اختفى تمامًا.
كأن حاسة التذوق لم تُخلق بعد.
ثم جاءت رائحة غريبة.
ليست ترابًا ولا دخانًا.
كانت كرائحة مطر يغلي ببطء… ومعدن يحاول أن يصرخ.
تراجع رافن خطوة.
ابتسامته لم تختفِ… لكنها لم تكتمل.
"لا يعجبني هذا."
تحرك الشق في الحجر.
لا… لم يتحرك.
بل صار أعمق.
همس شيء داخل الغرفة.
أو داخل رأسه.
أخيرًا.
اهتز الصندوق وسقط عن الطاولة.
لكن بلا صوت.
حدّق آزر فيه وهو يسقط.
ليس لأنه لم يفهم.
بل لأن السقوط نفس
ه بدا وكأنه نسي كيف يحدث.
عاد طعم المعدن إلى فمه.
أقوى من السابق.
وأقرب