الفصل السادس: مُعامل التوافق مع المانا
اقترب المدير غراندار من نواه، وعلى وجهه ملامح الدهشة التي لم يتمكّن من إخفائها. لم يصدق ما سمعه للتو: أنّ نواه تمكّن من تشكيل حلقة دوران المانا خلال ساعة واحدة فقط.
قال بدهشة:
«لقد أنشأتَ حلقة دوران مانا؟»
«نعم.»
«حلقة دوران المانا ليست مجرّد الإحساس بالمانا المحيطة. يجب عليك تجميع المانا حول القلب، ثم تثبيتها في شكل حلقة دائرية تدور بثبات. وهذا يتطلّب مقدارًا معيّنًا من المانا… وسرعة دوران مناسبة…»
«نعم، هذا صحيح.»
عبس غراندار وقد ازدادت شكوكه.
فبالنسبة لطالب حصل على B+ في اختبار توافق المانا، فمن المفترض أن يكون ما زال عاجزًا عن الإحساس بالمانا أصلًا. وإن تمكن من استشعار المانا في الهواء وجذب جزء ضئيل منها، لكان ذلك وحده إنجازًا يستحق الثناء.
أما تكوين حلقة دوران مانا؟ فهذا ادعاءٌ لا يُصدَّق.
وضع غراندار يده على كتف نواه وقال:
«هل تسمح لي بأن أتأكد من صحة ما تقول؟»
«بالطبع. فأنا نفسي أريد التأكد إن كنت قد شكّلت الحلقة فعلًا أم لا.»
لم تبدُ على نواه أي علامة خداع أو تردد. بدا واثقًا تمامًا.
سأعرف بمجرد الفحص.
قالها المدير في نفسه.
ألقى غراندار تعويذة استشعار المانا، وهي تعويذة تسمح للمستخدم بالتحقق من وضع المانا داخل جسم شخص آخر.
وبما أنه سيدٌ من كبار السحرة، فقد كان قادرًا على التمييز بوضوح بين درجات الدوائر السحرية ومستوى مدّ المانا ودورانها.
وما رآه جعله يتجمّد حرفيًا.
ماذا…؟ ما هذا؟
لقد كانت هناك بالفعل حلقة دوران مانا صغيرة متكوّنة حول قلب نواه آشـبورن صاحب التوافق B+.
ولكن ما صدمه أكثر… كان حجمها.
«كيف… كيف يمكن أن تكون بهذا الحجم…؟»
تفلت الكلمات من فمه دون أن يشعر.
طوال أربعمئة عام من حياته، لم يرَ قَط دائرة أولى بهذا الصِغَر.
«هل يمكن لحلقة دائرة أولى أن تكون صغيرة إلى هذا الحد؟»
كانت حلقة المانا حول قلب نواه دقيقة كخيطٍ رفيع، بالكاد تشكّل دائرة متّصلة. كمية المانا كانت ضئيلة جدًا إلى درجة أنّ شخصًا أقل من مستوى غراندار ما كان ليلاحظ وجودها أصلًا.
قال نواه:
«هل هناك مشكلة؟»
همَّ غراندار أن ينفي، لكنه توقّف.
لم يكن هناك شيء "خاطئ" بالمعنى الحرفي.
حلقة دوران المانا كانت مكتملة شكلاً ودورانًا.
كل شيء فيها صحيح.
لكنها… كانت صغيرة بشكلٍ غير طبيعي.
وهذا بحد ذاته مشكلة.
هذا غير منطقي.
فلكي يشكل الساحر دائرة أولى، لا بدّ من وجود حد أدنى من كمية المانا اللازمة لتجميعها.
وعمومًا، كلما ارتفع مستوى الساحر، زادت قدرته على التحكم بكمية المانا—سواء الكبيرة أو الصغيرة. وأما التحكم في كميات ضئيلة للغاية، فهو أمر لا يمكن تحقيقه عادةً قبل الوصول إلى الدائرة الثالثة أو الرابعة.
فكيف تمكّن طالب في سنته الأولى، بالكاد دخل الدائرة الأولى… من جمع كمية متناهية في الصغر من المانا وتشكيل حلقة كاملة منها؟
سأل غراندار بصوت جاد:
«هل قمت بتقليل سماكة الحلقة عمداً؟»
«حلقة دوران المانا لديّ رفيعة؟»
«يمكنني رؤية قدرتك الدقيقة في التحكم بالمانا. فهل يمكنك الآن توسيع الحلقة إلى حجمها الطبيعي؟»
«أمم… هل هذا ليس حجمها الطبيعي؟ لقد جمعت كل ما استطعت من مانا.»
عندها فقط فهِم المدير سبب حصول نواه على تقييم B+.
اختبار تراكم تركيز المانا…! لهذا ظهر B+.
عادةً، عندما يتحدث الناس عن "توافق المانا"، فهم يقصدون نتيجة اختبار تراكم المانا، وهو اختبار يقيس مدى سهولة قدرتك على تجميع المانا في جسدك.
وهذا الاختبار ملائم في هذا العصر الذي يهتمّ بالسحر القوي والدوائر العليا.
لكن المعنى الأصلي لتوافق المانا هو:
قدرتك على التعامل مع المانا بدقة.
وفجأة، قرر غراندار:
لا. لا داعي لاستدعاء الأستاذة توينتايل الآن. هذا الفتى… يحتاج فحصًا أدق.
ابتسم المدير:
«نواه آشـبورن. تعال معي. أما بقية الطلاب فواصلوا تدريبكم الذاتي حتى الساعة الحادية عشرة!»
---
أخذني المدير إلى مكتبه دون شرح مسبق.
كان مكتب المدير غريبًا، وبدل أن يبدو واحة طبيعية كما توقعت من " إلف عالي"، كان مليئًا بالقطع والأدوات السحرية المخيفة.
قوارير مضيئة بنفسجيًا فيها محارات تتنفس.
يدٌ عظمية صغيرة.
كرة زجاجية تدور بداخلها ألوان مشؤومة.
و… تابوت رمادي اللون منصوب بزاوية في وسط الغرفة.
ما هذا؟ لماذا يوجد تابوت هنا؟
فتح غراندار التابوت فور وصوله.
قلت بحذر:
«أم… سيدي المدير، لماذا أحضرتني إلى هنا؟»
«ادخل.»
«ماذا؟»
«لا تقلق. هناك شيء أريد فحصه فقط.»
فحصٌ… داخل تابوت؟
ما الذي ينوي التأكد منه بالضبط؟
قال المدير:
«هذا التابوت، رغم شكله، هو أداة صنعتها بنفسي. أداة تقيس توافق المانا بدقة عالية.»
«آه…»
إذن يريد إعادة فحصي.
أما الاختبار الشائع فهو وضع اليد على كرة مانا، ويتغير لون الكرة حسب جودة التوافق. أحمر للدرجات العالية، أزرق للمنخفضة.
لكن لم أسمع أبدًا عن اختبارٍ يتمّ داخل تابوت!
قال:
«لا بأس. ادخل.»
رغم غرابة الأمر، فهو المدير. وباعتباره إلف عالي وذا سلطة، فمن المستبعد أن يحاول قتلي أو تحويلي لميت حي.
دخلت التابوت. وكان واسعًا من الداخل أكثر مما يبدو من الخارج.
«هكذا؟»
«نعم. لا تتحرك الآن.»
أغلق الغطاء.
كان هناك نافذة زجاجية عند الوجه. رأيت المدير يلمس أجزاء مختلفة من التابوت، فتضاءلت الخطوط السحرية المرسومة بداخله.
وووووم—
اشتعلت الدوائر السحرية البيضاء داخل التابوت، تضئ الجدران كلها.
أشعر كأنني في مشهد حقن "كابتن أمريكا"…
لكن لم يكن هناك ألم، بل مجرد إحساس خفيف مثير للحكة.
استمر الضوء مدة، ثم—
ووووش—
خرجت ورقة مطبوعة كأن التابوت آلة طابعة.
أخذها المدير، نظر إليها، واتسعت عيناه.
ثم فُتح غطاء التابوت.
قال بابتسامة واسعة:
«كما توقعت! كنت أعلم!»
نظر إليّ وإلى الورقة وقال:
«يبدو أن تقييم توافق المانا لديك… قد تم قياسه بشكل خاطئ.»
«خاطئ؟»
هل يعني أنني لست B+؟
حتى بعد أربع محاولات؟
شرح المدير:
«توافق المانا يُقاس بطريقتين: قدرة تراكم المانا، وقدرة الإحساس والتعامل مع المانا. وعادةً لا يكون بينهما اختلاف كبير. لكن جسدك… مميز للغاية.»
«مميز؟»
«قدرة الإحساس لديك أعلى من قدرة التراكم—إلى حدّ بعيد.»
«إلى أي حد؟»
«إلى درجة… لا يمكن قياسها.»
ماذا؟!
ابتسم وربت على كتفي بقوة جعلتني أترنّح.
«هه هه هه! لقد تبين أن توافق المانا الحقيقي لديك هو… S. لذا لا تيأس، وادرس بجد. خصوصًا! مادة "فهم وممارسة تشكيل حلقة دوران المانا". تعال يوميًا في الثامنة صباحًا لتدريب فردي.»
«الثامنة صباحًا؟»
هذه المادة تُدرَّس عند الساعة التاسعة عادة.
والآن عليّ أن أحضر قبل الجميع بساعة كاملة.
يالل…
أنا سعيد لأنني أصبحت S، لكن… الاستيقاظ مبكرًا؟
يا له من عقاب.
«هل يجب أن آتي فعلًا في الثامنة؟»
ابتسم:
«لماذا؟ هل تريد المجيء أبكر من ذلك؟»
«…لا.»
«هه هه هه، يبدو أن وقت حصتك التالية قد اقترب، فاذهب الآن.»
خرجت محبطًا من المكتب.
---
المادة التالية كانت: النظرية الأساسية لتطوير الصيغ السحرية.
ركضت إلى القاعة، وكانت تحتوي تقريبًا على مئتي طالب.
'يا لها من قاعة ضخمة.'
وصلت متأخرًا، فجميع المقاعد تقريبًا كانت مشغولة. لم يكن أمامي سوى الجلوس في الخلف.
لكن سمعت صوتًا يناديني:
«نواه! هنا!»
كان رودِي يلوّح لي بحماس. لقد حفظ المقعد بجانبه خصيصًا لي. وبسبب صوته المرتفع، التفتت الأنظار نحوي.
«أليس هذا المتفوّق في الاختبار الإقليمي؟»
«لماذا استدعاه المدير؟»
«يقولون إنه شكّل حلقة دوران خلال ساعة.»
«مستحيل!»
«بالتأكيد أكذوبة.»
«ومع ذلك… هو المتفوق…»
«متفوق أو لا، يظلّ طالب منحة.»
أنا أسمعكم أيها الحمقى…
جلست قرب رودِي فقال بهمس:
«ما الذي حدث؟ ماذا قال المدير؟ هل حقًا كوّنت الحلقة؟»
«نعم. لكن قال إن توافق المانا لديّ كان مقاسًا خطأ.»
«توافق المانا؟»
«ففحصني من جديد.»
«وظهرت النتيجة؟»
«S.»
«هاه؟ لكنني S أيضًا. إذن أنت طبيعي!»
آه…
في أستران، يبدو أنّ S هو "الطبيعي".
قال رودِي:
«انتظر… هل درجتك ارتفعت؟»
«نعم. كنت B+.»
«………»
بدا غير قادر على الفهم.
ثم جاء صوتٌ من المقعد المجاور:
«تافهون تضجون بالحديث… B أو S، ما أهمية ذلك لطلاب المنحة؟»
التفتُ فرأيت شابًا ذا شعر بني وعينين حادتين.
قال باستهزاء:
«ما المشكلة؟ هل قلتُ شيئًا خاطئًا؟»
وأجاب تلميذه الجالس بجانبه مطأطئ الرأس:
«أبدًا، سيدي.»
قال المتعجرف:
«حتى لو اجتهد طلاب المنحة، فلن يتجاوزوا من دخلوا بامتياز أكاديمي مثلي، وأنا صاحب تقييم S+.»
«صحيح.»
«فلا تلفتوا الأنظار بمهاراتكم الرخيصة.»
يا له من مغرور.
همس رودِي في أذني:
«هذا ميليو، ابن الكونت براينور. والذي معه خادمه، دخل بحصة التوازن.»
«حقًا؟»
لا يهمني.
ليس لدي أي رغبة في خلق صراع مع ابن كونت. هدفي هو التخرج بسلام والحصول على وظيفة جيدة.
لكن ميليو ظنّ أن صمتي ضعف فقال:
«هه. هل ستستطيعون مجاراة الدروس أصلًا؟»
ثم دخل الأستاذ وانتهت سخافاته.
دخل رجل ذو وجه حاد ونظارات
أحادية، يرتدي بذلة رسمية.
كتب على اللوح:
دريهوس.
«أنا دريهوس، أستاذ مادة "النظرية الأساسية لتطوير الصيغ السحرية". سنستخدم كتاب المنهج. مساعدتي، وزّعي الكتب.»
جاءت طالبة عليا بوجه مرهق ووزعت الكتب.
وبينما فتح الطلاب كتبهم، بدأت الهمهمات.
'ما الأمر؟'
استلمتُ الكتاب، فتحته—
وتجمّدت.
هذا… أهذا كتاب سحر؟ أم دفتر رياضيات؟
شكرا على التعليقات riri 🥳