الفصل 18: ذكريات هيناتا (2)
"أوه، مرحباً بكِ مجدداً سيدتي الصغيرة!"
في أحد المطاعم الصغيرة والدافئة بقرية كونوهاغاكوري، رحبت المالكة الشابة بهيناتا بابتسامة واسعة.
بصفتها وريثة عشيرة هيوغا النبيلة، كانت هيناتا تمتلك مصروف جيب سخي، مما يجعل أي مالك مطعم يسعد برؤيتها.
لكن هذه المالكة لم تكن سعيدة بأموال هيناتا أو شراهتها فحسب، بل كانت معجبة حقاً بلطافة هذه الأميرة الصغيرة وتواضعها.
"أرجو المعذرة." انحنت هيناتا بأدب يناسب وريثة هيوغا، ودخلت المطعم بخطوات هادئة.
جلست مع ابن عمها نيجي على طاولتهما المعتادة. وما هي إلا لحظات حتى أحضرت المالكة ثلاثة أطباق عملاقة تفوح منها رائحة شهية.
"شكراً على الطعام!" قال الاثنان بتزامن، قبل أن يبدأ الهجوم.
تراوحت الأطباق بين الحساء الساخن، وشرائح اللحم المشوي، والأرز الناعم اللذيذ.
"من الرائع دائماً مشاهدة السيدة الصغيرة تتناول الطعام بشهية، هذا يجعلني فخورة جداً بمهاراتي في الطبخ!" قالت المرأة وهي تضع يديها على خديها وتتراجع للخلف بابتسامة راضية.
تناول نيجي طعامه بهدوء وبطء متبعاً آداب العشيرة الصارمة، ثم توقف ليرتشف بعض الشاي الساخن ونظر بفضول من النافذة.
"من حسن الحظ أنني أحضرت مظلة في لفافة الختم خاصتي... وإلا لاضطررنا لانتظار توقف هذا المطر."
التفتت هيناتا لترى قطرات المطر تبدأ بالهطول ببطء، مبللة الطريق الترابي أمام المطعم.
بعد أن أنهى نيجي طعامه، وقف بجانب باب المطعم يراقب السماء الملبدة بالغيوم بشرود.
في هذه الأثناء، كانت هيناتا لا تزال تأكل بتركيز تام!
لقد التهمت بالفعل ضعف كمية نيجي، بل وقامت بربط شعرها الطويل للخلف على شكل ذيل حصان كي لا يعيقها عن التهام المزيد. كانت معدتها مذهلة حقاً.
"أوه... أليس ذلك مينما؟" قال نيجي فجأة وهو يضيق عينيه.
لاحظ طفلاً بنفس عمرهم تقريباً يقف في منتصف الطريق الطيني، يحدق في السماء الممطرة بوجه خالٍ من التعابير.
هيناتا التي كانت تبتلع قطعة لحم كادت تختنق!
شربت كوب الشاي دفعة واحدة، ثم قفزت من مكانها كأرنب مذعور وركضت لتقف بجوار نيجي وتسترق النظر.
راقب الاثنان مينما الصامت تحت زخات المطر الباردة.
تنهد نيجي بضيق خفيف وقال: "لا أعرف لماذا، ولكن رؤيته يقف هكذا تجعله يبدو مثيراً للشفقة... وكأنه يبكي."
لم يكن نيجي مقرباً من مينما قط. فقد حذره والده من التقرب من مينما بسبب هويته، كي لا يظن شيوخ القرية أنها خطة من العائلة الفرعية. كونه من الفرع جعله مكشوفاً بلا حماية، عكس هيناتا أو بقية ورثة العشائر.
"هل تظن ذلك أيضاً؟" همست هيناتا بحزن، وهي تنظر لمينما الذي أنزل رأسه أخيراً وبدأ يكمل سيره.
ولكن فجأة، ظهرت فتاة شابة بشعر أرجواني طويل من خلفه، وضربته بخفة على مؤخرة رأسه فكاد يتعثر!
"ماذا تفعل أيها الأبله؟ أخبرتك أن تركض معي، لماذا تتوقف في منتصف الطريق لتتأمل السماء مجدداً؟!"
برؤية هذا المشهد، رمش نيجي بحيرة.
من هذه الآنسة الجميلة والعنيفة في نفس الوقت؟ رغم ضربها له، إلا أن نظراتها كانت مليئة بالقلق والتوبيخ المألوف، وليس الحقد الذي يظهره بقية أهل القرية.
فتحت يوغاوا المظلة بسرعة، بينما وقف مينما يحك رأسه بإحراج، وقد غطى شعره الأسود المبلل عينيه تماماً.
"لقد تدربنا بما يكفي لليوم... هيا إلى المنزل، فوراً!" أمرته يوغاوا بنظرات حادة.
تنهد مينما باستسلام تام، ومشى بجوارها تحت المظلة مطيعاً.
أثناء مرورهم من أمام المطعم، التقت عينا مينما بنيجي وهيناتا.
رفع يده ولوح لهما ببساطة. أومأ نيجي برأسه بهدوء، بينما اختبأت هيناتا خلف ظهر نيجي كلياً بوجه محمر.
عضت هيناتا شفتها بعبوس. لم تفهم لماذا تتبخر شجاعتها وتعود شخصيتها الضعيفة بمجرد رؤيته؟ لقد أرادت أن تكون فخورة وقوية مثله، لكنها تتصرف بضعف أمامه دائماً.
بعد مغادرة مينما ويوغاوا، فقدت هيناتا شهيتها ولم تعد ترغب بإكمال الطعام.
غادرا المطعم معاً، يمشيان تحت مظلة نيجي.
"هيناتا-ساما، لا تحزني كثيراً... أنا واثق بأن مينما لن يكرهكِ بسبب تصرفاتك الخجولة." قال نيجي محاولاً مواساتها.
"ولكنه لن يتقرب مني أيضاً، سيظن أنني أتعمد تجنبه..." تمتمت هيناتا، وأدخلت يديها في جيوب سترتها، راكلة حصاة صغيرة على الطريق بإحباط.
رفعت رأسها لتنظر نحو صخرة الهوكاجي البعيدة، وتنهدت: "بالتفكير بالأمر... جو اليوم مشابه جداً لذلك اليوم..."
...
كان يوماً شتوياً بارداً، تتساقط فيه الثلوج... ويوم حزين جداً بالنسبة لهيناتا.
في ذلك اليوم، وقفت عاجزة والدموع تملأ عينيها، وهي ترى ابن عمها نيجي يصرخ بألم مبرح بينما يتم كي جبهته بختم "القفص" الملعون.
لقد بكت وتوسلت لوالدها ولعمها كثيراً. طلبت من نيجي أن يرفض ويقاوم واعدة إياه بأنها ستحميه، لكن صرخاتها لم تغير شيئاً.
تمنت بصدق لو تم وضع الختم عليها بدلاً منه. فهي مجرد فتاة ضعيفة وتبكي دائماً، وكانت أقل أهمية من ابن عمها العبقري في نظر العشيرة.
خرجت هيناتا من المجمع بحزن وغضب، تتخبط في شوارع القرية.
ربما سمح لها والدها بالخروج، لأنه عرف أن منعها سيزيد من حزنها فقط.
بينما كانت تركض وعيناها مغشيتان بالدموع، اصطدمت فجأة بطفل آخر في الشارع بقوة.
توقعت هيناتا أن تسقط على الأرض المتجمدة، فقد كانت ضعيفة كالورقة. لكنها تفاجأت بأنها ما زالت واقفة، بينما تراجع الصبي للخلف.
عندما فتحت عينيها للاعتذار، رأت طفلاً بشعر أسود تتخلله خصلات قرمزية، يفرك جبهته التي اصطدمت بها بألم.
فتح الطفل عينيه بحذر لتقييم الموقف، وكأنه يقرر ما إذا كان عليه الهرب فوراً، أو تسديد لكمة استباقية قبل الهرب!
لكن بمجرد أن تقاطعت نظراتهما، تجمد الاثنان وصرخا في نفس اللحظة:
"أنت!"
"أنتِ هي!"
عم الصمت بعد ذلك. انحنت هيناتا فوراً وبدأت تتلعثم بكلمات اعتذار غير مفهومة، وشعرت برغبة قوية في البكاء مجدداً.
لكن مينما تدارك الأمر، جعلها تقف وابتسم بلطف قائلاً: "اهدئي، لا بأس."
بعد ذلك، وجدت نفسها تمشي بجانبه في شوارع القرية.
كان يتحدث معها بمرح، بينما كانت تكتفي بالتمتمة ببعض الكلمات الخجولة.
ولكن الهدوء لم يدم طويلاً. اعترض طريقهم فجأة صبيان أكبر سناً.
بصق أحدهما عود الحلوى من فمه، وتقدم بخطوات متعجرفة.
"ما هذا؟ هل الوحش ذو العيون البيضاء يرافق الثعلب الشيطاني؟! يالكم من وحوش قبيحة!" قال الصبي بابتسامة ساخرة.
تراجعت هيناتا خلف ظهر مينما فوراً وهي ترتجف من الخوف.
زمجر الصبي الآخر، الذي كان أطول: "أوي، لماذا تنظر إلي هكذا... هل تريد أن أبرحك ضرباً مجدداً؟!"
عادةً، كان مينما سيفضل الهرب وتجنب المشاكل في مواقف كهذه. لكن بوجود هيناتا خلفه، تنهد بعمق.
"لا تقلقي، ابقي هنا فقط..." قالها بصوت مطمئن.
ثم ربت على رأسها بلطف، وخلع وشاحه الأحمر الدافئ من عنقه ليلفه عليها، فقد خرجت بدون وشاح في هذا البرد وكانت ترتجف بشدة.
"ماذا تفعل أيها الـ..."
لم يكمل المتنمر كلامه، قبل أن يتعرض لركلة مفاجئة وقوية... بين ساقيه!
"إنها تلك الحركة مجدداً... الركلة القاضية!" فكرت هيناتا بإعجاب خفي.
لقد رأته يستخدمها من قبل للتشاجر مع الأطفال الآخرين، وكان يبدأ بها دائماً. بل إن والدها أخبرها أن مينما أطاح بنينجا جونين بنفس هذا الهجوم الماكر!
وقبل أن يتفاعل المتنمر مع الألم، قفز مينما في الهواء وركله في وجهه بقوة جعلته يطير ليصطدم بالجدار.
استشاط الصبي الآخر غضباً واندفع لمهاجمته، ويبدو أنه كان طالباً في الأكاديمية.
لكن مينما اختفى بمرونة وظهر خلفه في لمح البصر.
أمسك مينما بحزام سرواله الداخلي... ورفعه بقوة مرعبة للأعلى!
صرخ الصبي بصوت حاد يكاد يبكي، وسُمع صوت تمزق السروال بوضوح.
رمى مينما السروال، وعندما استدار الصبي لمهاجمته مجدداً، قفز مينما في الهواء ودار بسرعة، مسدداً ركلة جانبية بكعبه مباشرة في وجهه!
سقط الصبي في كومة من القمامة.
دون إضاعة ثانية، أمسك مينما بيد هيناتا وهرب بسرعة معها.
لقد سمح لهؤلاء الأطفال بضربه في الماضي فتضخم غرورهم، لانه اكتشف أنه يمتلك حيوية كبيرة ويشفى بسرعة، ولكن لن يسمح لهم بلمس فتاة صغيرة امامه.
سمح لهم بضربة في الماضي لتجنب المشاكل.
ضحك مينما بسعادة وهو يشتمهم أثناء الركض مع هيناتا المذهولة، ولكن عندما رأت ابتسامته المشرقة تحت الثلج... ابتسمت هي أيضاً.
رافقها مينما في الطريق إلى أراضي العشيرة كالمرة السابقة.
ولكن هناك، وجدهم نيجي الذي كان يضع ضمادات حول رأسه.
اقترب منهم بسرعة وأمسك بكتفي هيناتا بقلق بالغ. "أين ذهبتِ بالضبط هيناتا-ساما؟! لقد كنت قلقاً جداً عليكِ.."
برؤية قلق نيجي، الذي خرج للبحث عنها رغم معاناته من ألم الختم الجديد، لم تستطع هيناتا منع نفسها من البكاء واحتضانه.
راقب مينما المشهد بصمت لفترة. اختفت ابتسامته المرحة، وأومأ لنيجي المذهول، ثم لوح لهما وغادر بصمت.
عندما نظر نيجي وهيناتا لظهره المبتعد... شعرا بأنه وحيد... وحيد جداً.
. . .
"ها أنتِ ذا تسرحين في أفكارك مجدداً، هيناتا-ساما!"
قاطع صوت نيجي ذكرياتها، وضرب رأسها بلطف.
أمسكت هيناتا برأسها بإحراج: "هل فعلتها مجدداً؟ أعتذر... يالي من حمقاء، هيا لنسرع ما يزال يجب أن نتدرب!"
"كيف استعدتِ حماسك مجدداً؟ وأيضاً لا تدريب إضافي اليوم! إذا لم تفكري بنفسكِ، فكري بمشاعري أنا." قال نيجي بعجز وهو يهز رأسه.
دفعته هيناتا بمرح: "أوه هيا... أعدك بأنني سأتدرب بجد!"
رفع نيجي حاجبيه بصرامة: "لا، يعني لا... يمكنكِ التدرب على تقنية تشكيل التشاكرا في الغرفة بهدوء."
"تششش... ملل!" تنهدت هيناتا بعبوس لطيف وهي تكمل طريقها.
---
استمتعت اثناء مراجعة هذا الفصل بصراحة...
شكرا على القراءة!