الفصل 36: مرحلة الطفولة (1)

حلّ فصل الشتاء أخيرًا في قرية كونوهاغاكوري، كاسياً إياها برداء أبيض ناصع يخفي تحته الكثير من الندوب والظلام.

وحلت مع هذا البرد القارس... العطلة الشتوية للأكاديمية.

أمام مبنى سكني متهالك يقع في أطراف أحد الشوارع المعزولة والفقيرة في القرية، توقف أوزوماكي مينما.

خرج من الباب الخشبي المتشقق، ووقف بصمت على الدرج المغطى بطبقة رقيقة من الجليد.

رفع رأسه لينظر إلى السماء الرمادية الملبدة بالغيوم الثقيلة، وأطلق تنهيدة طويلة تكثفت في الهواء البارد لتشكل سحابة بيضاء صغيرة تلاشت بسرعة، تماماً كما تتلاشى لحظات السعادة في حياته.

"يمر الوقت بسرعة..." فكر في نفسه بعيون نصف مغلقة.

في أيام الدراسة، كان ضجيج الأكاديمية، يخلق وهماً بوجود حياة طبيعية. لكن الآن، ومع بدء العطلة، تلاشت تلك الأوهام. لقد عادت العزلة لتلتف حول عنقه كأفعى سامة.

لم يكن يرتدي ملابس شتوية ثقيلة كباقي الأطفال؛ مجرد قميص قطني داكن طويل الأكمام، وبنطال عادي لا يقيه برد الشتاء.

لم يكن يمتلك المال لشراء معطف، وحتى لو امتلك، لم يكن هناك من يذكره بضرورة ارتدائه.

كانت الاموال التي حصل عليها من بعض مهام النظام في بداية الاكاديمية قد نفذت بالفعل، وفي الفترة الاخيرة ومع عدم وجود احداث جديدة. لم يعد النظام ينشأ مهام جديدة.

اضافة لذلك، كانت المهام ذات المكافأت المالية نادرة اساساً، ومنخفضة المستوى.

أمسك بالوشاح الممزق قليلاً حول عنقه، وشده بقوة ليغطي نصف وجهه، مستمداً منه دفئاً وهمياً.

دس يديه المرتجفتين في جيوب بنطاله، وبدأ السير في الشوارع المغطاة بالثلوج، تاركاً خلفه آثار أقدام وحيدة.

...

سار مينما بلا وجهة محددة، يتجنب الشوارع الرئيسية حيث تتجمع العائلات وتتعالى ضحكات الأطفال وهم يلهون بالثلج. كل ضحكة كانت تذكره بما يفتقده، وكل نظرة احتقار من القرويين البالغين كانت تزيد من حزنه.

توقفت قدماه تلقائياً أمام كشك صغير يتصاعد منه بخار دافئ يحمل رائحة شهية؛ مطعم "إيتشيراكو رامن".

وقف مينما خارج الكشك بصمت لعدة دقائق. انكمش كتفاه وهو ينظر إلى المقاعد الخشبية الخالية. لم يستطع منع نفسه من التقدم والدخول، مدفوعاً بحنين غريب...

ولكن، بمجرد أن رفع الستارة القماشية، اصطدمت عيناه بالمقعد الفارغ في الزاوية. لم يكن ناروتو هناك. ذلك الفتى الصاخب الذي كان يملأ المكان بالحياة لم يأتِ اليوم.

"مرحباً... أيها العم تيوتشي~ أحضر لي طبقاً صغيراً من الرامن من فضلك..." قال مينما بعد برهة من التحديق الصامت في الفراغ، وصوته كان خافتاً ومبحوحاً.

تذكر في بداية العام عندما قابل ناروتو هنا لأول مرة.

"أوه! مينما-كون!" التفت تيوتشي، صاحب المطعم، وهو يمسح يديه بمئزره، وبرؤية مينما، اتسعت ابتسامته الدافئة التي تملأ تجاعيد وجهه.

"لقد مرت فترة طويلة جداً منذ آخر مرة زرتنا فيها! هل وجدت مطعماً آخر يقدم طعاماً أفضل أيها الشقي الصغير؟"

"بالطبع لا يا عجوز..." قال مينما، وهز رأسه ببطء بينما يجلس على الكرسي. ابتسم بمرارة وأضاف بصوت منخفض: "لقد نفذت أموالي فقط..."

توقفت حركة تيوتشي للحظة، ونظر إلى الفتى النحيل بملابسه الخفيفة في هذا البرد القارس، وشعر بغصة في حلقه.

"وما الخطب في ذلك؟!" صرخ تيوتشي فجأة بنبرة غاضبة.

"فلتأتِ لتناول الطعام فحسب! هذا المطعم مفتوح لك دائماً. يمكنك أن ترد لي المال في المستقبل... عندما تصبح نينجا غنياً!" ثم التفت وصرخ: "أيامي! أحضري أكبر طبق رامن باللحم لمينما-كون فوراً!"

"هههه... حسناً إذن. آسف على الإزعاج." ابتسم مينما ابتسامة خافتة بالكاد وصلت إلى عينيه.

أخذ أعواد الطعام الخشبية، فصلها عن بعضها، وبدأ بتناول الطعام ببطء شديد. رغم أن مرق الرامن كان دافئاً ولذيذاً، إلا أن مينما كان يواجه صعوبة في ابتلاع الطعام، وكأن هناك كتلة من الجليد تسد حلقه.

...

بعد أقل من نصف ساعة، وضع مينما الأعواد جانباً. كان الطبق لا يزال نصف ممتلئ.

ودّع مينما تيوتشي وأيامي بانحناءة خفيفة ومؤدبة، وغادر الكشك، لتبتلعه شوارع كونوها البيضاء والصامتة مجدداً.

"أوتو-سان (أبي)... لماذا يبدو مينما-كون مكتئباً؟" سألت أيامي بقلق بالغ، وهي تنظر من خلف الستارة إلى طيف الصبي الذي يبتعد ببطء وسط الثلج المتساقط. "إنه لا يرتدي حتى معطفاً!"

"وشهيته سيئة جداً أيضاً..." قال تيوتشي بصوت حزين، وهو يحدق في طبق الرامن الذي بالكاد أنهاه مينما.

...

...

في شارع آخر، أكثر رقياً وحيوية في القرية.

"سااااكورا! ساكوووورا!"

كانت هناك فتاة صغيرة ذات شعر أشقر فاتح، ترتدي سترة شتوية بيضاء أنيقة وسميكة مزينة بفرو ناعم، تقف أمام مبنى وتصرخ منادية صديقتها.

"آه، إينو... أنا قادمة! توقفي عن الصراخ!"

ظهرت فتاة ذات شعر وردي فاقع من نافذة الطابق الثاني. وبرؤية إينو، اتسعت ابتسامتها بسعادة. أغلقت النافذة بسرعة، ارتدت سترة شتوية حمراء دافئة تتناسب مع لون حذائها، وخرجت مسرعة لتعانق صديقتها.

"أنتِ لئيمة حقاً يا إينو..." تذمرت ساكورا بعبوس لطيف وهي تسير بجانب صديقتها في الشارع. "ألم تقولي بأننا سنلعب معاً طوال العطلة الشتوية؟ لقد مر أسبوعان بالفعل ولم تقومي بزيارتي مرة واحدة!"

"أنا أعتذر حقاً يا ساكورا..." تنهدت إينو بتعب، ونفخت خديها. "لكن أبي قرر فجأة أن يقوم بتدريبي على تقنيات عشيرة ياماناكا السرية بنفسه في هذه العطلة. كنت أعود كل يوم مرهقة، لم أستطع حتى رفع ذراعي للعب."

"حقاً؟" اتسعت عينا ساكورا، ثم تنهدت بتعاطف حقيقي مع صديقتها. "حسناً، أسامحك هذه المرة... لكن يجب أن تأتي للعب معي كل يوم من الآن فصاعداً!"

"بالتأكيد سأفعل! سيكون أبي مشغولاً بمهام في الأيام القادمة، وطالما أنني أتدرب لساعة أو ساعتين بمفردي في الحديقة، فلن يوبخني." قالت إينو بابتسامة واسعة.

"من الصعب حقاً أن تكوني وريثة لعشيرة نينجا نبيلة..." قالت ساكورا بشفقة بريئة، وهي تربت على ظهر إينو، جاهلة تماماً بالمعنى الحقيقي لمعاناة النينجا.

"أوي، مهلاً... أليس ذلك مينما-كون؟"

توقفت إينو فجأة وأشارت بإصبعها المغطى بقفاز صوفي نحو نهاية الشارع.

لاحظت ساكورا ذلك أيضاً. كان هناك فتى ذو شعر أسود شائك بخصلات حمراء، يسير بمفرده وبخطوات بطيئة.

المثير للاستغراب، أنه باستثناء الوشاح الأحمر الملتف حول عنقه، كان يرتدي ملابساً صيفية تقريباً، وكتفاه مغطيان بطبقة خفيفة من الثلج المتساقط.

"ألا يشعر بالبرد؟ سيمرض هكذا!" قالت ساكورا بحيرة وقلق طفولي. "أيضاً، ألا يقضي وقته في العادة مع ناروتو وساسكي-كون؟ لماذا هو وحيد هكذا في العطلة؟"

"ساسكي-كون؟ بالتأكيد سيكون لديه تدريبات قاسية في عشيرة الأوتشيها، ربما أشد من تدريباتي بكثير..." قالت إينو وهي تتخيل ساسكي الرائع يتدرب بجد.

"وبشخصيته، ربما سيقضي كل وقته في إتقان تقنيات جديدة. أما بالنسبة لناروتو... لقد قيل إنه سيقضي العطلة خارج القرية!"

"ماذا؟! حقاً؟!" صرخت ساكورا بغيرة شديدة. "أن يقضي عطلة الشتاء في رحلة خارج القرية... لا بد وأنه يستمتع بوقته في الينابيع الساخنة أو في مهرجانات القرى الأخرى! يا له من محظوظ غبي!"

بينما كانت ساكورا تتذمر من حظ ناروتو، ظلت إينو تحدق بصمت في ظهر مينما الذي تلاشى تدريجياً في الضباب الأبيض.

لسبب ما، شعرت بانقباض غريب في قلبها؛ لم يكن مينما يبدو كطفل يستمتع بوقته.

...

...

في ساحة التدريب الثانية، الواقعة في التلال الخلفية بعيداً عن صخب القرية.

"كنت أعرف بأنك ستكون هنا، مينما-شونين (أيها الفتى مينما)!"

تردد صدى صوت جهوري وحماسي كسر صمت الطبيعة المتجمدة.

في منتصف الساحة المغطاة بطبقة سميكة من الثلج، كان مينما يجلس متربعاً على الأرض الباردة.

كان يقوم بتشكيل الثلج بيديه الصغيرتين العاريتين. لم يكن يرتدي قفازات، وكانت أطراف أصابعه محمرة ومجروحة قليلاً بسبب الصقيع، لكنه كان يتجاهل الألم، مغلفاً يديه بطبقة رقيقة جداً من التشاكرا.

"قاي-سينسي؟"

رمش مينما بتفاجؤ، ورفع رأسه ليرى الوحش الأخضر لكونوها. ابتسم مينما ابتسامة حقيقية هذه المرة، ونهض ببطء، نافضاً الثلج عن بنطاله. "ظننت أنك في مهمة طويلة خارج القرية..."

"لقد عدت للتو! لقد حدثت بعض الأشياء المعقدة واشتباكات غير متوقعة مما جعل صعوبة المهمة ترتفع للرتبة A، ولكن..." ابتسم بسعادة.

"أدى ذلك إلى تسريع إنجاز المهمة!" قال مايت قاي بابتسامة لامعة ورفع إبهامه.

"هل أنت بخير يا سينسي؟" سأل مينما بقلق حقيقي، واختفت ابتسامته وهو يضيق عينيه، يتفحص جروح قاي بتمعن وحذر.

"... مينما..." اهتزت عينا قاي للحظة برؤية قلق الصبي الصادق. شعر بتأثر عميق يلامس قلبه، وبدون سابق إنذار، انقض وعانق مينما بقوة شديدة. "لا تقلق أبداً يا فتاي! أنا في أتم عافيتي!"

"غاه! سـ... سينسي! أضلاعي! أنت تسحقني! أريد حريتي!" صرخ مينما وهو يضرب ظهر قاي، محاولاً التملص من العناق الخانق.

"هاهاها! أسف، أسف!" أفلت قاي مينما، ثم جلس بجانبه على الثلج غير مبالٍ بالبرودة.

"هل قمت بتدريبك البدني اليومي بعد؟" سأل قاي، وهو ينظر إلى الصبي الذي عاد للجلوس والتصرف كطفل عادي، يجمع الثلج ويصنع أشكالاً دائرية.

"هممم... أجل، قمت بألف ضغطة، وركضت حول الساحة مئة مرة قبل أن أبدأ باللعب..." أومأ مينما بابتسامة صغيرة، وعيناه مركزتان على عمله الفني الثلجي.

كانت التشاكرا الخفيفة تتوهج حول أصابعه لتساعده في نحت التفاصيل الدقيقة دون أن يذوب الثلج.

"هل تحب الثلج كثيراً يا مينما-شونين؟" سأل قاي فجأة، وصوته أصبح هادئاً، ملاحظاً انسجام مينما التام في عزلته، وكأنه يخلق عالمه الخاص.

"ليس حقاً..." أجاب مينما بصوت خافت، وتوقفت يداه للحظة. "إنه بارد... ولكنه يبدو جميلاً، ونقياً."

نهض مينما، وتراجع خطوة للوراء ليكشف عن عمله. اقترب قاي ووقف بجانبه، ونظر كلاهما للأسفل.

تحت ظل شجرة صنوبر، كان هناك ثلاثة رجال ثلج صغار متجاورين، تم نحتهم بدقة مبهرة.

واحد يحمل ملامح غاضبة وعبوساً مألوفاً، والآخر يمتلك شعراً شائكاً وابتسامة واسعة، والثالث بلا تعبير.

"يبدو هذا وكأنه... أنت، وساسكي، وناروتو. ألست محقاً؟" قال قاي بابتسامة حزينة، وهو يربت على رأس مينما بحنان.

"هيهي~ أجل..." ضحك مينما بخفوت، محاولاً إخفاء عزلته. "سيكون ساسكي غاضباً جداً إذا رأى هذا..."

"لا أعتقد ذلك يا بني. لقد صنعته بشكل رائع... هل استخدمت التشاكرا؟" قال قاي بإعجاب.

"اممم.. سأصنع واحداً كبيراً لقاي-سينسي الآن!" أومأ مينما بحماس طفولي نادر، واقترب مجدداً من كومة الثلج. أحاطت التشاكرا الزرقاء بيده وأصابعه المحمرة، وبدأ يعمل بجد لصنع تمثال لمعلمه.

"..."

وقف مايت قاي صامتاً، يراقب ظهر مينما الصغير.

كان هذا الصبي يمتلك موهبة مرعبة، ذكاءً حاداً، وقوة تتجاوز عمره بكثير... ولكنه في النهاية، كان مجرد طفل، وحيد، يتوق للانتماء ولعائلة لم يمتلكها يوماً.

تمنى قاي في تلك اللحظة، بالنظر لابتسامة مينما البريئة التي ظهرت وهو ينحت الثلج، أن لا تختفي تلك الابتسامة أبداً تحت وطأة قسوة عالم النينجا... وتمنى، لو أن هذه اللحظة الهادئة والبريئة يمكن أن تدوم للأبد.

---

شكراً على القراءة 🫰

سنقوم بقفز زمنية قريبا الى مرحلة التخرج...

هل لديك اي افكار يجب ان تظهر في مرحلة الطفولة؟

2026/07/13 · 36 مشاهدة · 1553 كلمة
ᎡᎽᎾᏁ
نادي الروايات - 2026