كان اللقاء الأول الذي جمعني بخطيبتي وأنا ذو السنوات العشر، "سيسيل جلو ألفوستار"، ولي عهد مملكة "ألفوستار" وسيدها المرتقب.

"بيرتيا إيفل نوتشيس" (نعم، إن "إيفل" [الشر] هو اسمها الأوسط، ويا له من نعت!).

شعرٌ قاني الحمرة كدم الغزال، وعينان بلون اللازورد، وجسدٌ ناعمٌ ممتلئ... بل لنكن صرحاء؛ كانت ذات قوام مستدير ككرة الثلج، يلفها ثوبٌ فضفاض زادها ضخامة، حتى بدت كأنها "خنزيرة" الوزير... عذراً، فلأسحب قولي، بل هي ابنة الوزير.

بعد أن مَثلتْ بين يدي والدي الملك، وهي التي تصغرني بعامين، انطلقنا إلى البستان، وما إن استقر بنا المكان حتى أشارت بإصبعها نحو وجهي وصاحت:

"أيها الأمير سيسيل! أنا في الحقيقة 'شريرة' هذه الرواية! دوري هو إفساد ذات البين بينك وبين 'البطلة' التي ستلقاها بعد نُزولك بأكاديمية 'هالم'، وفي نهاية المطاف سأُضرب ضرباً مبرحاً ويُفسخ خطابي!"

حقاً.. ما هذا الهراء؟

امتقعت ألوان وصيفاتها ذعراً.. لا، بل سأعيد صياغة المشهد: لقد علت وجوههن نظرة تقول: [آه، لقد فعلتْها مجدداً كما توقعنا].

"لكن، حتى وإن كان ذلك لتعميق الود بينك وبين البطلة، فإن كبريائي كابنة ماركيز لا تسمح لي بالظهور بهذا القوام المزري. لذا، عزمتُ أن أكون 'زهرة شر' من الطراز الأول. وعليه، يجب أن تصبح أيها الأمير شخصاً مهيباً حتى لا يضيق صدري حين أُهزم شر هزيمة في النهاية!"

ماذا عساي أن أفعل؟ لست أفقه من قولها شيئاً.

أيكون ذلك لنقصٍ في رجاحة عقلي؟.. لا، لا يبدو الأمر كذلك.

حتى حاشيتي وقفوا واجمين، تملأ أفواههم الحيرة.

آه، لكن علي أولاً أن...

"يا سيدة بيرتيا، بدلاً من الوقوف هكذا، هلا جلسنا لارتشاف بعض الشاي؟"

ابتسمتُ ماداً يدي نحو المائدة المعدة، أدعوها للجلوس.

فأنا وإن كنت صبياً، فإني أحمل مُلك هذا البلد على عاتقي مستقبلاً.

فلأهدأ ولأرتب أوراقي.

لقد قال أبي: حين تشتد الحيرة، فإن آكْد الأمور هو أخذ نفسٍ عميق وتنظيم الموقف بهدوء.

{م.م: آكد: أوكد وأوجب}

"قد يكون ذلك صواباً"

قبلت بيرتيا عرضي بهدوء وهي مبهوتة، وكأنها ذُهلت من رصانتي.

"أليس الأمير سيسيل رزيناً جداً مقارنة بسنه؟ هل أنت 'متقمص' آخر مثلي؟"

وبنظرة فاحصة، تجرعت الشاي العبق والتهمت كعكة القشدة من حانوت ذائع الصيت، دون أن تنتبه لبعض القشدة العالقة بوجنتيها.

.. كونها خطيبتي، أتراها نسيت أني من آل الملك؟

إنه لقاؤنا الأول، أليست متبسطة في حديثها زيادة عن اللزوم؟

لكن علي الاعتراف، هذا الموقف أكثر إثارة من رؤيتها ترتجف خجلاً.

"لا علم لي بهذا 'المتقمص' وما شاكله، لكن رزانتي مردّها إلى نبعي الملكي. أليس من الطبيعي أن يكون الأمير رزيناً وقد هُذب على ذلك منذ نعومة أظفاره؟"

أجبتها والابتسامة لا تفارق ثغري. فنظرت إليّ بوجهها المستدير وكأنها تقول: [أهكذا الأمر إذاً؟].

.. خلف ظهري، كان "زينو" — خادمي الخاص الذي لا ينفك يتمتم بـ: [أليس سموكم فيلسوفاً أكثر من اللازم رغم ملككم؟] [ألا نلعب شيئاً يناسب الأطفال؟] [أرى أن الصبيانية مهمة في سنك!] — كان يهز رأسه، لكني بالطبع تجاهلته.

"بناءً على ذلك، هل يتكرم فضلكِ بشرح ما تعنينه بـ 'الشريرة'، و'البطلة'، و'فسخ الخطبة'، و'الضرب المبرح' بطريقة يستوعبها عقلي؟"

طلبتُ منها التوضيح بينما كانت تمد يدها للصحيفة الثانية من الكعك.

حسناً، لا أمانع، ولكن رغم علاقة السيد بتابعه، أليست وصيفتها لينة معها أكثر من اللازم؟

"بالطبع، يجب أن تفهم وضعي تماماً وتصبح رجلاً فذاً كي ترفضني!"

أعلنت ذلك وهي تقبض على شوكتها وتنظر إلي بجدية تامة.

ورغم جديتها، إلا أن القشدة المحيطة بفمها جعلت المشهد يفتقر لأدنى درجات الإقناع.

{م.م: فذاً: منقطع النظير في التميز}

ــــــــــــــــــــــــــــ

يبدو أني كنت أبالغ في تقدير نفسي طوال هذا الوقت.

ظننتُ أني أذكى أترابي أجمعين.

حتى نيتي في ارتياد أكاديمية "هالم" كانت لبناء الروابط مع الأقران لا للدراسة، فإني قد استوعبتُ كل ما يُدرس هناك سلفاً.

أحسب نفسي ذكياً، فذو سنين عشر يدرك علوم من هم في الثامنة عشرة.

ولكن ما الذي يحدث الآن؟ لا أفهم حرفاً مما تقوله هذه الفتاة ذات الثماني سنين الجالسة أمامي.

هذا الموقف يتجاوز مجرد سوء التفسير.

"ما أقوله هو أن سموكم سيلتقي بالبطلة ويُفتن بسذاجتها ويقع في حبها. وحينها سأتحول أنا إلى تجسيد للحقد وأشرع في اضطهادها، وبمجرد انكشاف أمري، ستفسخ خطبتنا غضباً، مما يؤدي في النهاية إلى هلاك عائلتي"

إذاً، ما تقوله يتعلق بـ [ما سيحدث مستقبلاً].

بذكريات حياتها الغابرة؟؟ يبدو أنها تستقي هذه المعلومات من "رواية" قرأتها في تلك الحياة السابقة.

ثمة تفاصيل كثيرة، لكني سأكتفي بهذا القدر اليوم.

صدقاً، لا أظن أن الحب سيعمي بصيرتي لأفسخ خطبة ذات وزن سياسي ثقيل. وعلاوة على ذلك، لا أستطيع تصديق أن هذه الفتاة أمامي ستصبح كتلة من الحقد.

في الواقع، هناك الكثير من الترهات التي أود دحضها، لكن رأسي بدأ يؤلمني.

حسناً، كان مخطط اليوم هو [لقاء خطيبتي]، ولم يتبقَ الكثير من الوقت. حتى لو أخبرتني بكل التفاصيل، لا أظن عقلي سيستوعبها الآن.

أوه، لكن هناك شيء واحد عليّ سؤاله.

"سيدة بيرتيا، هل لي بسؤال واحد؟"

"بالطبع، فمنذ استرجعتُ ذكرياتي، تقتُ للحديث عن كل هذا مع سموكم"

بينما مالت بجسدها للأمام، ارتسمت على وجهي ابتسامة فاترة.

في الحقيقة، لا يهمني إن كان هذا خيالاً أم تنبؤاً.

المشكلة كانت...

"ماذا تعنين بأن تصبحي زهرة شر من الطراز الأول؟"

هذا هو الأهم.

مهما قيل، فقد أصبحت اليوم خطيبتي.

وكونها خطيبتي يعني أنها ستصبح ملكة هذا البلد مستقبلاً.

لا أدري كنه هذه "البطلة"، ولكن كونها "زهرة شر" لا يبدو ملائماً لملكة المستقبل. يجب ترويضها... أقصد إرشادها للطريق القويم، وإن استحال ذلك، وجب نقاش الأمر مع والدي فوراً.

فأنا في النهاية ملك المستقبل.

"هذا يعني بالطبع أن أكون فاتنة الجمال على نحوٍ مهيب. وألا أبالي بما يقوله الآخرون، وأمضي في طريقي الخاص. زهرة شر لا تهتز ولو كان الطريق يؤدي للهلاك. هذا ما أصبو إليه!"

"فاتنة الجمال.. هاه"

اسمحوا لي بتقديم عذر.

في تلك اللحظة، اختلستُ النظر إلى بطنها بعفوية.

تساءلتُ كيف تنظر لنفسها، ألا تدرك..؟

لا أريد إحباطها وهي في قمة جديتها.

حقاً، شعرتُ أن النظر لبطنها عند سماع هذا الكلام فعلٌ فظ، فنظرتُ لوجهها بسرعة وابتسمت.

ولكن يبدو أن الأوان قد فات.

لقد لاحظت أين كنت أنظر.

استحال وجهها أحمر كالجمر خجلاً.

"ليس الأمر كما يبدو! في الأصل، 'بيرتيا إيفل نوتشيس' هي شخصية ثانوية بائسة ذات وجه عادي جداً!"

"بائسة؟؟ هذا.. محزن. هل أنتِ راضية بذلك؟"

"بالطبع لستُ راضية. في النهاية تلك هي 'بيرتيا'. أما أنا.. فمختلفة عنها، أنا نفسي. سأطمح لأكون زهرة شر أنقى وأبهى!"

أفقدت صوابها؟

أشعر أن كونها "زهرة شر أنقى وأبهى" كلام متناقض، لكنها لم تلحظ ذلك.

وقفت بحدة وهي تتصبب خجلاً محدثة صوتاً عالياً.

"لذا يا سمو الأمير، سأبدأ بداية جديدة وأعيد تدريب نفسي. استميحك عذراً، وأستودعك الله"

انحنت بارتباك وولت هاربة قبل أن أتمكن من استيقافها.

تبعتها وصيفتها بعد أن انحنت على عجل.

بقيتُ أنظر إليهما بذهول حتى غابتا عن ناظري.

"... ما هذا بحق الخالق؟"

"سمو الأمير، هل هنالك خطب ما؟"

سأل زينو رداً على تمتماتي.

إن سُئلت عما رابني، فالجواب هو [خطبتي لها].

بما أن المصاهرة الملكية لها ثقل سياسي، فلو أخبرتُ والدي أنها [لا تملك خصال الملكة]، فإن الحديث عن فسخ الخطبة سيبدأ عاجلاً أم آجلاً.

ولكن...

"تلك الفتاة مثيرة للاهتمام. رغم أصلها النبيل، ليست ملتوية الطباع، ووضوحها يجعل التلاعب بها يسيراً. لنراقبها لفترة"

لم أستمتع هكذا منذ أمد بعيد.

ليس الأمر أني أحببتها كرجل، ولكن كيف أصيغها..؟ أهي حمقاء لطيفة أم أني وجدتُ دمية جديدة..؟ لا أدري حقاً، لكني لم أشعر بهذا الحماس من قبل.

بالنسبة لي، وأنا من يتقن كل شيء من المحاولة الأولى، يبدو هذا العالم مكاناً مملاً.

لا أشعر بلذة الإنجاز التي يشعر بها الآخرون، ويبدو العالم في عيني مكاناً باهتاً بلا لون.

ولكن بلقائي بها اليوم، بدأ عالمي يكتسي بالألوان.

هذا الشعور بـ [عدم معرفة ما سيحدث]، الذي لم أجربه قط، جعلني في غاية الحماس.

"بفتتت"

دون أن أشعر، انطلقت ضحكتي.

[الضحك بعفوية] أمر نادراً ما أفعله.

"سمو الأمير، تبدو مستمتعاً"

"أجل، أظن أن هذا الشعور بعدم التوقع ليس سيئاً، إنه يثير كوامن نفسي."

"الاستمتاع جميل.. ولكن ماذا عن استمتاع يناسب سنك كطفل؟"

"أنا أستمتع كأي طفل عادي، أليس كذلك؟"

"آه صحيح.. نسيتُ أنك تركت طفولتك في أحشاء الملكة. عذراً لطلبي المستحيل"

"كعادتك، لا تنطق إلا وقاحة. حسناً، أنا في مزاج رائق اليوم لذا سأسامحك"

"شكراً جزيلاً لك."

بعد أن رمقتُ زينو المنحني بضيق بنظرة خاطفة، نقلت بصري إلى حيث ذهبت هي.

أتساءل كم من المتعة ستجلبها لي بصفتها خطيبتي؟

"لا تخيبي ظني، اتفقنا؟"

بعد أن همستُ بذلك، رفعت رأسي وأغمضت عيني.

2026/05/03 · 15 مشاهدة · 1286 كلمة
نادي الروايات - 2026