~﷽▓على حافة الكون▓﷽~

.

.

꧁★الفصل رقم (002) ★꧂

.

.

.

꧁*كوكب ازار*꧂

.

.

.

.

꧁☆الجزء 1☆꧂

.

.

.

.

.

.

﷽▓﷽

زائر

مرت الأيام. أو الأسابيع. أو الشهور. توقفت عن العد منذ زمن، بعد أن أدركت أن تتبع الأرقام يزرع في نفسي أثرًا سيئًا، كأنني أسجن نفسي في قفص من الأيام الفارغة. هنا، تعلمت أن أعيش اللحظة، أن أتنفس الهواء دون أن أعد شهيقي، أن أنظر إلى الغابة دون أن أسأل متى سأغادرها.

ابتعدت عن ضجيج المدينة، عن رنين الهواتف، عن وجوه لا تعني لي شيئًا، عن ضوضاء البشر التي كانت تملأ رأسي بفراغ لا يطاق. هنا، لا مصاريف كراء، لا فواتير ماء وكهرباء، لا التزامات تثقل ظهري. هنا، أنا حرّ، مرتاح البال، كأن الحياة أخرجتني من سباقها الطويل لتضعني على مقعد خشبي في منتصف غابة لا تعرف الضجيج.

الطوافات أصبحت جزءًا من يومي. أعرف أماكن نومها تحت الأشجار، أعرف أي الثمار تفضلها، أعرف أنها تحب الشمس عند الظهيرة وتنام في الظل بعد العصر. لم أحاول أن أفهمها، ولم تحاول أن تفهمني. لكن بيننا شيئًا يشبه الصداقة، أو ربما مجرد تعايش، وهو ما يكفيني تمامًا.

في ذلك الصباح، بينما كنت جالسًا على الصخرة المعتادة، أشرب الماء وأتأمل الغابة، قفزت الطوافة البيضاء فجأة إلى حضني. لم أتوقعها، لكن جسدها الناعم استقر على فخذيّ، وضغطت نفسها برفق كأنها تبحث عن دفء أو أمان. رفعت يدي ببطء، وبدأت أمسح على زغبها الناعم بأطراف أصابعي.

كان وبرها كالقطن، ناعمًا لدرجة أنني كدت لا أشعر به، كأن يدي تلامس سحابة صغيرة. تنفست بعمق، وابتسمت. هي لا تعرف أن هذه اللحظة البسيطة هي كل ما أحتاج إليه. لا كلمات، لا تفسيرات، لا ماضٍ ولا مستقبل. مجرد كرة بيضاء ناعمة ترتجف بخفة بين يديّ، وشمس دافئة على وجهي، وشلال يخرخر في الخلفية.

حدقت في عينيها السوداوين الصغيرتين، ورأيت فيها انعكاسي أنا، رأيت فيها لحظتي أنا، لم تسأل عن شيء، لم تطلب شيئًا، فقط كانت هنا، وهذا يكفي.

همستُ لها:

... أنتِ لا تعلمين كم أنا سعيد هنا...

لم تفهم، لكنها أغمضت عينيها للحظات، وضغطت جسدها الصغير أكثر في حضني. وفي تلك اللحظة، أيقنت أن هذا المكان هو أكثر مما حلمت به. ليس جنة، لكنه قريب.

كيف أتيت؟

سحب ثقب أسود مركبتي وألقى بي هنا. لم أرَ الثقب، لم أشعر به حتى فات الأوان. لحظة من اهتزاز عنيف، ضوء أبيض يعمي البصر، ثم سكون تام. عندما فتحت عينيّ، كنت هنا، على هذا الكوكب الهادئ، مع غاباته ونهره وهذه المخلوقات الكروية التي سميتها الطوافات.

لم أكلف نفسي عناء التفكير في العودة. فلِمَ أعود أصلًا؟ إلى أي شيء؟ إلى شقة ضيقة، إلى ضجيج لا ينتهي، إلى حياة كنت أركض فيها دون أن أعرف لماذا. هنا، لا شيء ينتظرني، ولا شيء ينتظر مني شيئًا. هذا هو السلام الذي لم أعرفه قط.

مسحت بيدي على الطوافة البيضاء، كانت لا تزال في حضني، دافئة، ناعمة، ترتجف بخفة مع كل نفس.

ثم هناك أمر آخر غريب لاحظته هنا. لا أعلم إن كان الأمر يتعلق بي أنا، أم بهذا الكوكب نفسه، لكن وزني هنا خفيف جدًا. خفيف لدرجة أنني أطير لمسافة بعيدة لمجرد قفزة عادية. في الأيام الأولى، كنت أخاف أن أقفز كثيرًا، خشية أن أضيع في السماء ولا أعود. لكنني اعتدت بعد ذلك، وصارت القفزات العالية جزءًا من يومي، كالمشي تقريبًا.

نزلت برأسي، نظرت إلى الطوافة في حضني، ثم سألتها ممازحًا:

... ما رأيك بجولة في السماء؟ ...

لا أدري إن كنت قد جننت أم أنني لا أزال عاقلاً. لكنني شعرت أنها متحمسة. حركت رأسها الصغير بخفة، وقفزت قفزة صغيرة في مكانها كأنها تقول "نعم". ربما أتوهم، لكنني اخترت أن أصدق ذلك.

قمت من مكاني، حملتها بين ذراعيّ، ثم قفزت عالياً بكل ما لديّ من قوة. كانت هذه أول مرة أحاول فيها القفز بأقصى طاقتي. تجاوزت قمم الأشجار بسهولة، وارتفعت عن سطح الغابة بأمتار عدة. الهواء كان باردًا ونقيًا، والمنظر من الأعلى كان مختلفًا تمامًا. رأيت الغابة كسجادة خضراء لا نهاية لها، والنهر كشريط فضي يتلوى بين الأشجار.

نزلت برفق لظيف قفزة اخرى

قفزت عاليًا، أعلى مما توقعت بكثير، والهواء البارد يلامس وجهي، والطوافة البيضاء متمسكة بصدري، وبرها يرفرف كعلم صغير في مهب الريح. شعرت للحظة وكأنني طائر، وكأن الجاذبية هنا مجرد اقتراح، وكأن هذا الكوكب يهمس لي: "اطِر، أنا لا أحبسك."

كانت اللحظة خفيفة، بريئة، طفولية. ضحكت وأنا أرى الغابة من فوق، أرى النهر كشريط فضي يتلوى بين الأشجار، أرى الكهف الجبلي الصغير الذي أصبح بيتي. وفجأة، وأنا في قمة القفز، وأنا أتذوق طعم الحرية التي لم أشعر بها منذ سنوات...

لمحت شيئًا.

في الأفق البعيد، في طرف السماء حيث يلتقي الأزرق بالذهبي، كان هناك جسم صغير يخترق الغلاف الجوي. مركبة فضائية. صغيرة، سريعة، تاركة خلفها أثرًا ناريًا خفيفًا يكاد يختفي في ثوانٍ.

توقفت عن الضحك.

نزلت برفق إلى الأرض، والطوافة البيضاء في حضني لا تزال مرتاحة، لا تدري ما رأيت، لا تدري أن شيئًا تغير في تلك اللحظة. وقفت على العشب، وعيناي لا تزالان مثبتتان على الأفق حيث اختفت المركبة. كان قلبي ينبض بشكل مختلف. ليس خوفًا، ولا فرحًا، بل شيئًا بينهما. كأن بابًا أغلق فجأة، أو كأن بابًا آخر فُتح.

لم أصدق ما رأيته. منذ وصولي إلى هنا، لم أرَ أي شيء يشير إلى وجود آخرين. ولا حتى أثر لسفينة أخرى. كنت مقتنعًا أنني وحيد، وأن هذا المكان لي وحدي.

لكن المركبة كانت حقيقية. كانت تهبط ببطء، بعيدًا، ربما على الجانب الآخر من الغابة.

وقفت على الأرض، والطوافة البيضاء لا تزال بين ذراعيّ. نظرت إليها، نظرت إلى الأفق حيث اختفت المركبة

___________________________________

رأيك في الفصل يهمني 🎩

كان هنا Yaya ،

#عبقري_العقول

#المؤلف_العضيم

┓━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━┏

┫جميع حقوق النشر محفوظة لدا®© ┣

┛━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━┗

____________________________________

2026/08/11 · 1 مشاهدة · 877 كلمة
نادي الروايات - 2026