جلس عشرون جنديًّا من قوات النخبة داخل طائرة نقلٍ عسكريةٍ ضخمة. عشراً يقابلون عشراً آخرين، وساد الصمت بداخل الطائرة، فلم يُسمع إلا صوت الانفاس العالية الخارجة من خوذة الجنود السوداء، المصممة لتطابق زيهم الأسود. وكان آرثر جالسا بهدوء، مشابه لهدوء بقية زملائه بالمهمة. لكنه لم يكن هادئا من الداخل، فكان يذم بداخله أمر استدعائه لهذه المهمة، الذي قاطع عطلته مع عائلته على شواطئ البلد الساحرة. وكانت زوجته أزيل قد غضبت، وتعكر مزاجها حين اخبرها عن أمر الاستدعاء، وراحت ترغي وتزبد عن ضرورة تركه لهذا العمل، الذي جعله يبتعد عنها وعن ابنتهما لوقت طويل.

فتح آرثر مضلته ليهبط بعدها على الأرض مقابلا لمنزلٍ حجري بسيط. شكّلَ الجنود فور نزولهم تشكيلةً منضمة، وسارعوا بكسر باب المنزلي الحديدي الصدئ، ودخلوه. وكان آثر حين اقتحموا النفق الذي وجدوه أسفل الحمام، في المقدمة بحكم اختصاصه بهذا النوع من الاقتحامات. وفي اللحظة التي لمحت نظارات آرثر الحرارية شخصين واقفين عند قاعدة الدرج الذي انزل الجنود لانفاق التنظيم، تحركت يده تلقائيا وضغطت الزناد لتطيح بالاول، ويلحقه الثاني بنيران الجندي المجاور لآرثر.

كان النفق ضيقا، لا يسع إلا لرجل واحد عرضه، ذكره النفق بزحليقة كان قد علق بها عند محاولته إخافة ابنته قبل عام من اليوم، حينما تذكر الموقف وابتسامة ابنته، التي كانت من أسرار سعادته، تغيرت مؤشراته الحيوية، ليسمع على الفور من خلال السماعة المدموجة بخوذته صوتاً بارداً صارماً يقول:

- آرثر، لا تفقد التركيز.

فعاد بسرعة لجو المهمة كأنه رجل آلي.

سار الجنود عبر الانفاق تبعا للخريطة، وكانوا يقتلون أي شخص يقابلهم، حتى أن اغلب من قتلوهم، لم يلحقوا على ابصار الجنود بسبب الظلام. آرثر وحده قتل خمسة رجال، والواقع أنه لم يشعر يوما بتأنيب الضمير من قتل كل هولاء الناس. ولم يفكر أبدا بمشاعرهم وافكارهم، إذ أنه تعلم من أحد الجنرالات الذين دربوه: أن يعامل أعدائه كما يعامل دمى التدريب، مجرد أهداف تريد القيادة منك تفريغ مخزن سلاحك بأجسادهم. وبفضل هذه النصيحة استطاع آرثر أن يعيش حياته الشخصية بدون أي من الامراض النفسية التي أطاحت ببعض أصحابه.

بعد دقائق قليلة، بدأ اشتباك عنيف، عند باب فولاذي محصن، كان اطلاق النار من الجانبين كثيفاً، كان آرثر يرمي بكثافة ودقة، كرسام أعاد رسم ذات المشهد مئة مرة على الأقل، واستمر هكذا، حتى أبصر رجلا ملثما كان بيده آر بي جي، فصرخ آرثر بأعلى صوته:

- تراجعوااا

لم يكن آرثر يعي ما حوله، كان يشعر بشيءٍ يتسرب هارباً من جسمه، لكنه لا يدرك ماهو، لاحت امامه مشاهد عديدة، لدرجة أنه أحس أنه يجلس أمام شاشة عرض كبيرة، رأى ابتسامة زوجته أزيل حين يستغل موقفا غريبا ليرمي نكتةً جلس يحضر لها أياما، ورأى غضبها السريع الذي ولاول مرة لم يشعر بكره له بل رآه كصفة مميزة بها، ورأى ابنته وهي تصرخ:

- بابا بابا…

لأي سبب كان، ورأى كيف كان هذا الصراخ يشعره بفرح عارم في أيامه الاولى، ورأى ورأى ورأى ورأى، حتى غدت المشاهد أقل وضوحا شيئا فشيئا، إلى أن غدا كل شيء أسود، وراحت الاصوات تتحول إلى ضوضاء، وساد الصمت والظلام……

بعد ساعات، خرج الرئيس معلناً عن استعادة الذهب المسروق بعملية ناجحة قامت بها قوات النخبة بجيش البلاد العظيم. وقال أن العملية أسفرت عن نجاح كبير، فلم تخسر البلاد سوى جندي واحد، ضحى بحياته لأجل شرف البلاد، وأن الدولة ستحرص على تخليد اسمه ومعاونة عائلته…… غير أنه لم يذكر أن آخر نا نطق به هذا الجندي كان:

- تبا

لكم ولجيشكم

2026/01/20 · 6 مشاهدة · 524 كلمة
نادي الروايات - 2026