1 - الليلة التي احترقت فيها شينمورا

الفصل الاول — الليلة التي احترقت فيها شينمورا

أشرقت شمس الصباح بهدوء فوق قرية شينمورا الصغيرة، بينما غطّى الضباب الخفيف الحقول الخضراء المحيطة بالمنازل الخشبية القديمة.

كان صوت الطيور يمتزج مع أصوات القرويين الذين بدأوا أعمالهم منذ ساعات الفجر الأولى، لتعود الحياة مجددًا إلى القرية الهادئة.

“تسوغوتو! أسرع وإلا سننتهي قبل الغروب!”

صرخ رجل في منتصف الثلاثينات وهو يحمل حزمة من الحطب فوق كتفه.

“أنا قادم!”

ركض الفتى الصغير “كاريّا تسوغوتو” عبر الطريق الترابي مبتسمًا، بينما كان يحمل بعض الأدوات الخشبية بين يديه.

كان في العاشرة من عمره تقريبًا، بشعر أسود فوضوي وعينين مليئتين بالحيوية.

وصل إلى والده وهو يلهث قليلًا.

“أنت بطيء كالعجائز يا أبي.”

ضحك والده بصوت مرتفع ثم ضربه بخفة على رأسه.

“ومن السبب؟ لقد كنت نائمًا كالقتيل.”

ابتسم تسوغوتو بخبث.

“لأن أمي أعدّت طعامًا كثيرًا ليلة أمس.”

“إذًا تلوم الطعام الآن؟”

قبل أن يجيب، سُمعت ضحكة دافئة من خلفهما.

“كفاكما شجارًا منذ الصباح.”

اقتربت والدته وهي تحمل صندوقًا صغيرًا من الطعام، ثم جلست بجانبهما تحت ظل شجرة قريبة.

جلس تسوغوتو بسرعة وبدأ بالأكل بحماس.

“تمهّل قليلًا! لن يسرق أحد طعامك.”

قالت والدته ذلك وهي تضحك بخفة.

نظر تسوغوتو نحو السماء الصافية بينما كانت الرياح الباردة تمر عبر الحقول.

في تلك اللحظة… بدت شينمورا وكأنها أكثر مكان هادئ في العالم.

ولم يكن يعلم…

أن تلك ستكون آخر مرة يعيش فيها هذا السلام.

كانت أصوات الطرق المعدني تتردد داخل المستودع الخشبي الصغير خلف المنزل.

"تانغ... تانغ... تانغ..."

وقف تسوغوتو عند الباب وهو يراقب الشرارات البرتقالية المتطايرة في الهواء بعينين مليئتين بالإعجاب.

كان والده يجلس أمام سندان حديدي قديم، بينما يمسك نصل كاتانا طويل بيدٍ ثابتة، ويبدأ بتمرير حجر الحدّ على حافة السيف ببطء ودقة.

“واو...”

اقترب تسوغوتو أكثر وهو يحدق بالسيف اللامع.

“هل انتهيت منه يا أبي؟”

ابتسم والده دون أن يرفع نظره.

“ليس بعد. السيف الجيد يحتاج صبرًا.”

جلس تسوغوتو بجانبه فوق الأرضية الخشبية.

“لكنك لست حدادًا حقيقيًا، صحيح؟”

ضحك والده بخفة.

“صحيح. إنها مجرد هواية قديمة.”

رفع السيف أمام ضوء الشمس المتسلل من النافذة، ثم قال:

“لكن السيوف تحمل روح أصحابها… لهذا أحبها.”

ظل تسوغوتو يحدق بالنصل بانبهار.

كان السيف يلمع بشكل جميل، وكأنه قطعة فضية حيّة.

“هل استخدمت سيفًا من قبل يا أبي؟”

ساد الصمت لثوانٍ قصيرة.

ابتسامة والده خفت قليلًا.

“منذ زمن بعيد.”

لاحظ تسوغوتو ذلك مباشرة.

“هل قاتلت أحدًا؟”

أعاد والده السيف إلى جانبه ثم وضع يده فوق رأس ابنه.

“هناك أشياء لا تناسب الأطفال بعد.”

نفخ تسوغوتو خديه بانزعاج.

“أنت تقول هذا دائمًا.”

ضحك والده مجددًا، ثم أمسك سيفًا خشبيًا صغيرًا وأعطاه له.

“إذًا أرني… هل تدربت كما أخبرتك؟”

قفز تسوغوتو بحماس وأمسك السيف الخشبي بكلتا يديه.

“بالطبع!”

بدأ يلوّح بالسيف بعشوائية بينما يصرخ بحماس طفولي، مما جعل والده يضحك بصوت مرتفع.

خرج تسوغوتو من المستودع الخشبي وهو لا يزال يلوّح بالسيف الخشبي بحماس، قبل أن يسمع صوت والدته من داخل المنزل.

“تسوغوتو!”

“نعم؟”

أطلّ برأسه من الباب بينما كانت والدته ترتب بعض الأغراض داخل المطبخ الصغير.

“أريد منك الذهاب إلى السوق.”

تجمّد للحظة ثم تنهد بتعب مصطنع.

“هاه؟ لكنني كنت سأتدرب مع أبي!”

نظرت إليه والدته بابتسامة هادئة.

“وكنت ستتدرب طوال اليوم أيضًا، صحيح؟”

“...ربما.”

ضحكت بخفة ثم أعطته كيسًا قماشيًا صغيرًا وبعض العملات المعدنية.

“اشترِ كيس أرز، وبعض الأعشاب الطبية من متجر العجوز هايامي، ولا تنسَ صلصة الصويا.”

“هذا كثير!”

“وأيضًا…”

توقف تسوغوتو فجأة.

“هناك المزيد؟!”

أخرجت والدته ورقة صغيرة.

“بعض الفحم لمنزلكم أيها السيافون العظماء.”

من داخل المستودع، سُمعت ضحكة والده العالية.

“أحضِر نوعًا جيدًا هذه المرة!”

صرخ تسوغوتو بانزعاج:

“أنا لست خادمًا لكم!”

ثم أخذ الأغراض وغادر المنزل متذمرًا بينما كانت والدته تضحك خلفه.

“وعدني ألا تتشاجر في السوق!”

رفع يده دون أن يلتفت.

“لا أعد بشيء!”

بدأ يمشي عبر طرقات شينمورا المزدحمة بالحياة، بينما كان القرويون يحيّونه بابتسامات دافئة.

سار تسوغوتو عبر الطريق الحجري الضيق المؤدي إلى وسط شينمورا، بينما كان يحمل الكيس القماشي فوق كتفه بتكاسل واضح.

“كيس أرز… أعشاب… فحم…”

تنهد بضيق.

“أنا متأكد أن أمي تستمتع بإعطائي الأعمال المزعجة.”

كانت البلدة مليئة بالحياة كعادتها.

أصوات الباعة تعلو من كل اتجاه، ورائحة الطعام الساخن تنتشر في الهواء، بينما يركض الأطفال بين الأزقة الضيقة وهم يضحكون بلا توقف.

“سمك طازج! سمك طازج!”

“تفاح أحمر من الحقول الشمالية!”

“أفضل شاي في شينمورا!”

مرّ تسوغوتو بين الناس وهو ينظر حوله بملل، قبل أن تتوقف عيناه عند متجر يعرض سيوفًا قديمة خلف نافذة خشبية.

اقترب قليلًا وانعكس بريق النصال داخل عينيه.

“واو…”

كانت هناك كاتانات بأغمدة سوداء وحمراء، بعضها مزخرف بشكل جميل.

“لو كان معي مال أكثر…”

فجأة ضُرب رأسه بخفة من الخلف.

“توقف عن التحديق أيها الفتى.”

التفت بسرعة ليجد صاحب المتجر العجوز ينظر إليه بابتسامة ساخرة.

“أنت تشبه والدك تمامًا… مدمن سيوف.”

ابتسم تسوغوتو بخجل.

“ليست إدمانًا…”

“بل مرض.”

ضحك الرجل بصوت مرتفع بينما تابع تسوغوتو طريقه أخيرًا.

وبعد دقائق، وصل إلى السوق الرئيسي.

كان المكان مزدحمًا بشكل أكبر، والمظلات القماشية الملونة تغطي المتاجر من الجانبين، بينما تتداخل أصوات الناس مع صوت الرياح الخفيفة.

وقف تسوغوتو عند المدخل للحظة وهو ينظر إلى السوق الواسع.

“حسنًا… لننتهِ من هذا بسرعة.”

خرج تسوغوتو من السوق وهو يحمل الأكياس القماشية الممتلئة فوق كتفيه، بينما كان يتمتم بانزعاج.

“الأرز ثقيل جدًا…”

تنهد ثم نظر نحو السماء.

بدأت الغيوم الرمادية تتجمع ببطء فوق شينمورا، بينما أصبحت الرياح أبرد قليلًا.

“يبدو أن المطر سيهطل الليلة…”

وفجأة—

“أعيده إليّ!”

توقف تسوغوتو فورًا.

كان الصوت قادمًا من أحد الأزقة القريبة.

التفت بسرعة ليرى رجلًا نحيفًا يركض حاملًا كيسًا صغيرًا، وخلفه فتاة في مثل عمر تسوغوتو تقريبًا تحاول اللحاق به ودموعها في عينيها.

“لص!”

صرخت الفتاة بصوت مرتجف.

تجمّد الناس للحظة، لكن لم يتحرك أحد.

“تبا…”

رمى تسوغوتو أكياسه بسرعة على الأرض.

“أيها الوغد!”

ركض مباشرة نحو السارق بأقصى سرعة.

التفت الرجل نحوه بانزعاج.

“ابتعد أيها الطفل!”

لكن تسوغوتو لم يتوقف.

تذكر تدريبات والده بالسيف الخشبي… وحركات القدمين التي كان يكررها يوميًا.

في اللحظة التي اقترب فيها السارق—

اندفع تسوغوتو بجسده كاملًا وضربه بكتفه بقوة.

“هاه؟!”

اختل توازن الرجل وسقط أرضًا بقوة، بينما انزلق الكيس من يده.

أمسك تسوغوتو بالكيس بسرعة ووقف أمام الفتاة.

“هل أنتِ بخير؟”

نهض السارق غاضبًا.

“أيها الوغد الصغير—!”

لكن قبل أن يتحرك…

ظهر اثنان من رجال القرية في طرف الزقاق.

“ماذا يحدث هنا؟!”

شتم السارق بغضب ثم هرب بسرعة بين الأزقة.

ساد الصمت للحظة.

ثم اقتربت الفتاة ببطء وهي تمسك الكيس بيديها المرتجفتين.

“ش… شكرًا لك…”

كانت تملك شعرًا أسود قصيرًا وعينين بنيتين واسعتين، بينما بدا الخوف واضحًا على وجهها.

حكّ تسوغوتو رأسه بخجل.

“لا بأس… كان ذلك سهلًا.”

وفي الحقيقة…

كان قلبه ينبض بجنون من الخوف.

انحنى تسوغوتو قليلًا ومد يده نحو الفتاة.

“هل تستطيعين الوقوف؟”

ترددت للحظة، ثم أمسكت يده بخجل.

ساعدها على النهوض بينما كانت تنظف الغبار عن ملابسها ببطء.

“شكرًا…”

“قلت لكِ لا بأس.”

التقط تسوغوتو الأكياس التي أسقطها سابقًا، ثم نظر إليها مجددًا.

“هل سُرقت نقودكِ فقط؟”

هزّت رأسها بسرعة وهي تضم الكيس إلى صدرها.

“لا… كان دواء جدتي بالداخل.”

توقف تسوغوتو للحظة.

“إذًا كان مهمًا.”

“نعم…”

ساد صمت قصير بينهما، قبل أن يبدأ تسوغوتو بالمشي عبر الطريق الحجري.

“إلى أين تعيشين؟”

“الجهة الشرقية من البلدة.”

“حسنًا، سأوصلكِ.”

رفعت الفتاة رأسها بدهشة.

“هاه؟ لا داعي لذلك.”

“وماذا لو عاد ذلك اللص مجددًا؟”

ثم أضاف وهو يبتسم بثقة طفولية:

“أنا قوي جدًا كما رأيتِ.”

حدقت به للحظة… ثم ضحكت بخفة لأول مرة.

“أنت مغرور قليلًا.”

“قليلًا فقط.”

بدأ الاثنان بالسير معًا عبر شوارع شينمورا الهادئة، بينما كانت ألوان الغروب البرتقالية تغطي السماء تدريجيًا.

مرّا بجانب المتاجر التي بدأت تُغلق أبوابها، بينما كان القرويون يعودون إلى منازلهم استعدادًا لليلة الممطرة القادمة.

“ما اسمكِ؟”

سأل تسوغوتو وهو ينظر أمامه.

“هينا.”

“هينا… اسم جميل.”

احمرّ وجهها قليلًا ثم أشاحت بنظرها بعيدًا.

“وأنت؟”

“كاريّا تسوغوتو.”

“اسم طويل.”

“هذا ليس خطئي.”

ضحكت مجددًا بخفة.

وللمرة الأولى منذ الصباح…

شعر تسوغوتو أن هذا اليوم أصبح ممتعًا أكثر مما توقع.

توقف تسوغوتو أمام منزل خشبي صغير يقع في الجهة الشرقية من شينمورا.

كانت أضواء المصابيح الورقية تتمايل بهدوء مع الرياح المسائية، بينما بدأ صوت المطر الخفيف يُسمع من بعيد.

“إذًا… هذا منزلكِ؟”

هزّت هينا رأسها بابتسامة صغيرة.

“نعم.”

وقفت للحظة وهي تضم الكيس إلى صدرها، ثم نظرت إليه بتردد.

“شكرًا لأنك ساعدتني اليوم.”

لوّح تسوغوتو بيده بلا اهتمام مصطنع.

“قلت لكِ، كان الأمر سهلًا.”

“لكنك ركضت خلف اللص وحدك.”

“لأن الجميع كانوا بطيئين.”

ضحكت هينا بخفة، ثم ساد صمت قصير بينهما.

“أمم…”

رفعت نظرها نحوه بخجل واضح.

“هل… تريد أن نلعب غدًا؟”

رمش تسوغوتو بدهشة للحظة.

“غدًا؟”

“نعم… إذا لم تكن مشغولًا.”

ابتسم مباشرة.

“بالطبع! لكن لا تبكي إذا خسرتِ.”

نفخت خدّيها بانزعاج.

“ومن قال إنني سأخسر؟”

“أنا.”

“أنت مغرور فعلًا.”

ضحك تسوغوتو ثم بدأ بالتراجع للخلف.

“غدًا إذًا!”

“غدًا.”

لوّحت له هينا قبل أن تدخل المنزل أخيرًا.

ظل تسوغوتو واقفًا للحظة وهو يبتسم دون سبب واضح، ثم وضع يديه خلف رأسه وبدأ يمشي عبر الطريق المؤدي إلى منزله.

بدأ المطر الخفيف يهطل فوق شينمورا، بينما كانت أضواء المنازل تلمع وسط الظلام التدريجي.

“يبدو أن الغد سيكون ممتعًا…”

قالها بابتسامة بسيطة

فتح تسوغوتو باب المنزل الخشبي بسرعة بينما كان المطر يهطل بالخارج.

“لقد عدت!”

“تأخرت كثيرًا.”

قالتها والدته وهي تأخذ بعض الأكياس منه، بينما كانت رائحة الطعام الساخن تملأ المكان.

“السوق كان مزدحمًا.”

دخل والده من الغرفة المجاورة وهو يحمل قطعة قماش مغطاة ببقع الزيت.

“هل أحضرت الفحم الجيد هذه المرة؟”

تنهد تسوغوتو بتعب.

“نعم نعم… لقد تأكدت منه ثلاث مرات حتى لا تشتكي.”

ضحك والده بصوت مرتفع.

“أحسنت أيها التلميذ.”

جلس تسوغوتو قرب النافذة بينما كانت والدته تبدأ بتحضير العشاء، وصوت المطر الخفيف يضرب سقف المنزل بهدوء.

بدأ يفكر فيما حدث في السوق…

الفتاة…

ضحكتها…

وطريقتها عندما قالت “غدًا”.

ابتسم دون أن يشعر.

“لقد كانت لطيفة…”

ساد الصمت لثانية.

ثم—

“أوووه؟”

رفع تسوغوتو رأسه بسرعة ليجد والده ينظر إليه بابتسامة واسعة وخبيثة.

“ومن هذه اللطيفة؟”

تجمد تسوغوتو مباشرة.

“ه… هاه؟!”

اقترب والده منه وجلس بجانبه.

“إذًا ابني أصبح يهتم بالفتيات الآن؟”

“لـ-لا! ليس هكذا!”

ضحكت والدته من المطبخ بينما تحاول إخفاء ابتسامتها.

“هذا لطيف جدًا.”

احمرّ وجه تسوغوتو فورًا.

“توقفا عن الضحك!”

بدأ والده يقلد صوته بسخرية:

“لقد كانت لطيفة…”

“أبي!!”

انفجر والده ضاحكًا بينما كان تسوغوتو يغطي وجهه بانزعاج شديد.

“ما اسمها إذًا؟”

“لن أخبرك!”

“إذًا يوجد اسم فعلًا!”

“قلت توقف!”

امتلأ المنزل بالضحكات الدافئة وصوت المطر بالخارج…

وكأن تلك اللحظة أرادت أن تبقى للأبد.

“العشاء جاهز.”

وضعت والدة تسوغوتو الأطباق فوق الطاولة الخشبية الصغيرة، بينما تصاعد بخار الطعام الدافئ داخل الغرفة.

جلس الثلاثة حول الطاولة، وبدأ المطر بالخارج يزداد قوة تدريجيًا.

“إيتاداكيماسو.”

قالوها معًا قبل أن يبدأوا بالأكل.

كان تسوغوتو يحاول التركيز على الطعام وتجاهل نظرات والده المستفزة.

لكن ذلك لم يدم طويلًا.

“إذًا…”

قال والده وهو يضع كوب الشاي على الطاولة.

“من هي الفتاة اللطيفة؟”

كاد تسوغوتو يختنق بالطعام.

“كح—! أبي!”

ضحكت والدته بخفة وهي تغطي فمها.

“دعه يأكل أولًا.”

“لكنني مهتم جدًا بالقصة.”

نظر تسوغوتو إليهما بانزعاج شديد.

“أنتم مزعجون…”

ابتسم والده بمكر.

“إذًا أخبرنا فقط.”

تنهد تسوغوتو باستسلام.

“حسنًا…”

بدأ يحكي ما حدث في السوق، وكيف رأى اللص يسرق حقيبة الفتاة، وكيف ركض خلفه وأسقطه أرضًا.

“هاه؟ إذًا ابني أصبح بطل شينمورا الآن؟”

“لم أقل هذا!”

“لكنك أنقذت فتاة جميلة تحت المطر… تبدو كقصة رومانسية.”

“أبي!!”

ازداد احمرار وجه تسوغوتو بينما كانت والدته تضحك بصوت أوضح هذه المرة.

“وما اسمها؟”

“…هينا.”

“هينا، هاه…”

اقترب والده منه قليلًا وهمس بصوت ساخر:

“هل ستتزوجها مستقبلًا؟”

“مستحييييل!!”

ضرب تسوغوتو الطاولة بانفعال بينما كان وجهه أحمر بالكامل.

انفجر والداه بالضحك مجددًا.

“أنتما الأسوأ…”

قالها وهو يخفض رأسه بخجل ويحاول إخفاء ابتسامته الصغيرة.

في تلك الليلة…

كان المنزل ممتلئًا بالدفء والضحكات.

استمرت ضحكات العائلة الصغيرة بينما كانت أصوات المطر تضرب سقف المنزل بقوة أكبر.

“ما زلت أقول إنك وقعت في الحب.”

قال والده ذلك وهو يشرب الشاي بابتسامة ساخرة.

“لم أقع في الحب!”

“إذًا لماذا احمرّ وجهك؟”

“لأنك مزعج!”

ضحكت والدته وهي تضع المزيد من الطعام في طبق تسوغوتو.

“كفاك مضايقة له.”

وقبل أن يرد والده—

توقفت الضحكات فجأة.

“...”

ساد صمت غريب داخل المنزل.

خفض والده كوب الشاي ببطء.

“هل سمعتم ذلك؟”

تسوغوتو رمش باستغراب.

“ماذا؟”

ثم—

دووووم!!

اهتز المنزل بعنف.

سقط أحد الأطباق على الأرض وتحطم مباشرة، بينما ارتجفت النوافذ الخشبية بقوة.

“هاه؟!”

وقف تسوغوتو بسرعة.

وفي الخارج…

ارتفعت صرخات مرعبة في أنحاء شينمورا.

“آآآآغخ!!”

“اهربوا!!”

“إنها الشياطين!!”

تجمّد جسد تسوغوتو بالكامل.

فتح والده الباب بسرعة—

وفي اللحظة التالية انعكست ألسنة اللهب داخل عينيه.

كانت أجزاء من القرية تحترق بالفعل.

والأشخاص يركضون وسط المطر والدماء.

ثم…

رأى شيئًا يقف فوق أحد الأسطح.

مخلوق طويل أسود الجسد…

بعينين حمراوين متوهجتين.

كان يبتسم.

ابتلع والده ريقه ببطء.

“لا يمكن…”

ظهر مخلوق آخر خلفه مباشرة.

ثم آخر.

ثم آخر.

بدأت أصوات الصراخ تزداد بشكل مرعب.

“أبي…”

تراجع تسوغوتو بخوف لأول مرة في حياته.

أغلق والده الباب بعنف ثم أمسك كتفيه مباشرة.

اختفت ابتسامته بالكامل.

“تسوغوتو… استمع إلي جيدًا.”

كانت تلك أول مرة يرى فيها والده بهذا الخوف.

“خلفي! الآن!”

صرخ والد تسوغوتو وهو يسحب سيفه بسرعة من الجدار الخشبي.

ارتجفت يدا تسوغوتو بينما كان يتراجع إلى الخلف.

“أبي… ماذا يحدث…؟”

لم يجب.

كان تركيزه بالكامل على الباب الذي بدأ يهتز بعنف.

بووم!

ظهرت خدوش طويلة على الخشب.

بووم!!

ثم—

تحطم الباب أخيرًا.

اندفع هواء بارد ممزوج برائحة الدم والدخان إلى داخل المنزل، ومعه ظهر مخلوق ضخم بعينين حمراوين وأنياب طويلة.

تجمّد تسوغوتو من الرعب.

“شيطان…”

في لحظة واحدة، اندفع المخلوق نحوهم.

“ابتعدوا!!”

اندفع والد تسوغوتو للأمام وقطع ذراع الشيطان بضربة سريعة، بينما تناثرت الشرارات مع صوت المعدن.

لكن…

ظهر شيطان آخر من النافذة المحطمة.

“هاه—؟!”

التفتت والدة تسوغوتو نحوه للحظة متأخرة.

اندفع المخلوق بسرعة هائلة—

“أمّي!!”

ثم سقط جسدها على الأرض قرب الطاولة.

توقف الزمن بالنسبة لتسوغوتو.

اتسعت عيناه بصدمة بينما بدأ جسده يرتجف بالكامل.

“لا…”

ركض نحوها وهو يسقط على ركبتيه.

“أمي…؟”

كانت عيناها نصف مفتوحتين، وأنفاسها ضعيفة جدًا.

رفعت يدها المرتجفة ولمست وجهه بلطف.

“تسوغوتو…”

بدأت دموعه تنهمر مباشرة.

“لا… لا… أرجوكِ…”

ابتسمت والدته ابتسامة صغيرة ودافئة رغم الألم.

“اهرب…”

ثم سقطت يدها ببطء.

“...”

توقف عقل تسوغوتو بالكامل.

“أمي…؟”

“أمّي؟!”

صرخ بصوت محطم بينما بدأ يبكي بقوة، غير قادر حتى على التنفس بشكل طبيعي.

وفي الخلف—

كان صوت السيوف يملأ المنزل.

“ابتعد عنه أيها الوحش!”

اندفع والده نحو الشياطين بجنون، يقطع أحدهم ثم يصد مخالب الآخر.

رغم أنه لم يكن محاربًا حقيقيًا…

إلا أن حركاته كانت سريعة بشكل غريب.

“تانغ!!”

اصطدم سيفه بمخالب أحد الشياطين، ثم دار بسرعة وقطع وجهه بضربة قوية.

لكن عددهم كان يزداد.

واحد…

اثنان…

ثلاثة…

وكانت عيناه ترتجفان كلما نظر نحو ابنه الباكي قرب جسد والدته.

“تسوغوتو!!”

صرخ بأعلى صوته وهو يصد هجومًا آخر.

“اهرب من هنا!!”

لكن تسوغوتو لم يستطع الحركة.

كان جالسًا على الأرض…

يبكي…

وينظر إلى والدته فقط.

بينما كانت شينمورا تحترق بالخارج.

كان تسوغوتو لا يزال جالسًا قرب والدته، ودموعه تنهمر بلا توقف، بينما أصبحت أصوات القتال حوله بعيدة وكأنها تختفي تدريجيًا.

“تسوغوتو!! اهرب!!”

صرخة والده أعادته للحظة إلى الواقع.

رفع رأسه ببطء…

ثم تجمّد.

كان أحد الشياطين يقف فوق السقف المحطم مباشرة، يحدق به بعينين حمراوين متوهجتين.

ابتسامة مرعبة ظهرت على وجهه المشوّه.

“وجدتك…”

ارتجف جسد تسوغوتو بالكامل.

حاول التراجع للخلف…

لكن قدميه لم تتحركا.

في اللحظة التالية—

اندفع الشيطان نحوه بسرعة هائلة.

“هاه—؟!”

أمسك بذراعه بعنف ثم غرز أنيابه في كتفه.

“آآآآآآآغخ!!”

صرخ تسوغوتو من الألم بينما شعر بحرارة غريبة تنتشر داخل جسده.

بدأت رؤيته تهتز، وكأن شيئًا أسو

د يتحرك داخل عروقه.

“ابتعد عنه!!”

ظهر والده فجأة واندفع بسيفه بكل قوته.

شششخ!!

مرت الضربة عبر رقبة الشيطان مباشرة.

توقف المخلوق للحظة…

ثم سقط رأسه أرضًا.

سحب والد تسوغوتو ابنه بسرعة إلى الخلف.

“تسوغوتو! هل أنت بخير؟!”

كان تسوغوتو يرتجف بقوة وهو يمسك كتفه النازف.

“أبي… يؤلمني…”

اتسعت عينا والده عندما رأى آثار العضة.

“لا…”

وكأنّه فهم شيئًا مرعبًا.

ثم—

ظهر ظل ضخم خلفه بصمت.

“أبي… خلفك…”

استدار والده بسرعة—

لكن بعد فوات الأوان.

اندفع شيطان ضخم بمخالب طويلة واخترقت صدره مباشرة.

“...!!”

تجمّد تسوغوتو بالكامل.

توقف العالم مرة أخرى.

سقط السيف من يد والده بينما بدأت الدماء تتساقط ببطء على الأرض الخشبية.

“أ… أبي…؟”

نظر والده إليه بصعوبة، بينما كان الشيطان يبتسم خلفه.

ورغم الألم…

ابتسم والده لابنه للمرة الأخيرة.

“اهرب… يا تسوغوتو…”

ثم دفعه بقوته الأخيرة بعيدًا.

وفي اللحظة التالية—

ابتلع الظلام كل شيء.

[ نهاية الفصل الاول ]

2026/05/26 · 6 مشاهدة · 2540 كلمة
رينو
نادي الروايات - 2026