الفصل الثاني — الهروب من الجحيم
كان المطر يهطل بغزارة فوق شينمورا…
لكن ذلك لم يكن كافيًا لإخماد النيران التي التهمت أجزاء القرية.
ركض تسوغوتو عبر الشارع الحجري وهو يلهث بعنف، بينما كانت دموعه تختلط بمياه المطر فوق وجهه المرتجف.
“هاه… هاه…”
كانت قدماه تؤلمانه بشدة، لكنّه لم يتوقف.
لم يستطع التوقف.
خلفه…
كانت أصوات الصرخات تتردد في كل مكان.
النيران تلتهم المنازل الخشبية، والدخان الأسود يرتفع نحو السماء المظلمة، بينما تتحرك ظلال ضخمة فوق الأسطح المحترقة.
“أمي…”
خرج صوته مكسورًا وهو يركض.
“أبي…”
ارتجفت يداه بقوة.
كلما أغلق عينيه للحظة…
رأى وجهيهما مجددًا.
“لا… لا…”
عضّ شفتيه بقوة وهو يحاول منع نفسه من البكاء، لكن الدموع لم تتوقف.
قفز فوق قطعة خشب محترقة سقطت وسط الطريق، ثم التفت بخوف عندما سمع صوتًا غريبًا فوقه.
“خخخخ…”
تجمّد للحظة.
كان أحد الشياطين يقف فوق سطح منزل مدمر، يحدق به بعينين حمراوين متوهجتين.
ابتسامة مخيفة ارتسمت على وجهه بينما كان المطر ينهمر فوق جسده الأسود.
اتسعت عينا تسوغوتو من الرعب.
ثم ركض بأقصى سرعة.
“ابتعد عني!!”
بدأت أنفاسه تصبح أثقل.
كتفه المصاب كان يحترق بألم غريب، وكأن النار تنتشر داخل جسده تدريجيًا.
“آغخ…”
أمسك كتفه وهو يركض بين الأزقة الضيقة.
فجأة—
سقط رجل أمامه مباشرة.
تراجع تسوغوتو بخوف، بينما كان الرجل يحاول النهوض بصعوبة.
“ا… اهرب…”
رفع الرجل نظره المرتجف نحوه.
“الشياطين… في كل مكان…”
ثم سُمعت صرخة مرعبة من آخر الشارع.
ارتجف جسد تسوغوتو بالكامل.
نظر نحو الاتجاه الآخر بسرعة…
ورأى عدة ظلال تتحرك وسط النيران.
لم يفكر حتى.
استدار وركض مباشرة نحو بوابة القرية.
“يجب… أن أهرب…”
كان صوت والده يتردد داخل رأسه بلا توقف.
“اهرب يا تسوغوتو…”
ركض بأقصى ما يملك بينما كانت الرياح العنيفة والمطر يضربان وجهه بقوة.
وبين ألسنة اللهب والدخان…
بدأت بوابة شينمورا الخشبية تظهر أخيرًا وسط الظلام.
استمر تسوغوتو بالركض دون توقف حتى تجاوز بوابة شينمورا أخيرًا.
كانت قدماه تغوصان في الوحل مع كل خطوة، بينما استمرت الأمطار الغزيرة بالهطول فوق الغابة المظلمة أمامه.
“هاه… هاه…”
كان يتنفس بصعوبة شديدة.
التفت خلفه للحظة…
ورأى ألسنة اللهب تبتلع قريته من بعيد.
شينمورا…
منزله…
والداه…
ارتجفت عيناه مجددًا، لكنه أجبر نفسه على الاستمرار.
ركض بين الأشجار الكثيفة بلا اتجاه واضح، بينما كانت أغصان الأشجار المبللة تضرب وجهه وملابسه.
لم يكن يعرف أين يذهب.
كل ما كان يعرفه…
هو أنه لا يريد الموت.
“أبي…”
خرج صوته ضعيفًا وسط صوت المطر.
بدأت خطواته تصبح أبطأ تدريجيًا.
كتفه المصاب كان يؤلمه أكثر فأكثر، وجسده كله أصبح ثقيلًا بشكل غريب.
ثم—
توقف فجأة.
“...”
ساد صمت مخيف داخل الغابة.
حتى صوت المطر بدا أهدأ.
شعر تسوغوتو بشيء غريب…
شعور بارد يسير خلف ظهره ببطء.
رفع رأسه المرتجف نحو الأمام.
وهناك…
كان يقف مخلوق طويل بين الأشجار.
شيطان بجلد رمادي داكن، وذراعين طويلتين بشكل غير طبيعي، بينما كانت عيناه الصفراء اللامعة تحدقان به بلا حركة.
ابتسامة واسعة ظهرت على وجهه.
“وجدتُك…”
تراجع تسوغوتو خطوة للخلف بخوف.
لكن قدميه انزلقتا فوق الوحل.
“هاه—!”
سقط أرضًا بقوة.
حاول الابتعاد بسرعة، لكن جسده كان يرتجف بشكل لا يمكن السيطرة عليه.
اقترب الشيطان ببطء.
خطوة…
ثم أخرى…
بينما كانت مخالبه الطويلة تجر فوق الأرض المبتلة.
“لا…”
اختنق صوت تسوغوتو من الرعب.
“ابتعد…”
لكن الشيطان اندفع نحوه فجأة بسرعة هائلة.
أغلق تسوغوتو عينيه مباشرة.
وفي اللحظة التالية—
شششخ!!
مرّ شيء لامع أمامه بسرعة البرق.
ساد الصمت.
فتح تسوغوتو عينيه ببطء…
ورأى جسد الشيطان متجمّدًا في مكانه.
ثم انفصل رأسه وسقط على الأرض الموحلة.
اتسعت عينا تسوغوتو بصدمة.
وقف رجل عجوز أمامه بهدوء، ممسكًا بكاتانا طويلة ذات نصل باهت اللون.
كان يرتدي معطفًا داكنًا وقبعة قش قديمة تخفي جزءًا من وجهه، بينما تتساقط قطرات المطر عن طرف سيفه بصمت.
نظر الرجل إلى الشيطان الساقط للحظة…
ثم أعاد سيفه إلى غمده ببطء.
“همف…”
رفع نظره أخيرًا نحو تسوغوتو المرتجف على الأرض.
“ما الذي يفعله طفل مثلك وسط هذه الغابة في ليلة كهذه؟”
لم يستطع تسوغوتو الإجابة.
كانت دموعه لا تزال تنهمر بصمت بينما ينظر إلى الرجل العجوز وكأنه لا يصدق أنه ما زال حيًا.
ظل تسوغوتو جالسًا فوق الأرض الموحلة دون أن ينطق بكلمة.
كانت أنفاسه متقطعة، وجسده يرتجف بشكل واضح بينما يحدق بعينين فارغتين نحو الأرض.
راقبه الرجل العجوز بصمت لثوانٍ.
ثم تنهد بهدوء.
“...أرى.”
اقترب خطوة واحدة فقط، لكن تسوغوتو تراجع مباشرة بخوف.
توقف العجوز فورًا.
“لا تقلق. لو كنت أريد إيذاءك… لما أنقذتك أساسًا.”
ارتجفت يدا تسوغوتو أكثر.
حاول فتح فمه للكلام…
لكن الكلمات لم تخرج.
كلما حاول التفكير…
ظهرت صور النيران وصرخات شينمورا داخل رأسه مجددًا.
خفض رأسه بقوة وهو يضغط على ملابسه المرتجفة.
لاحظ العجوز ذلك.
ثم نظر للحظة نحو اتجاه القرية البعيدة، حيث كان ضوء الحريق لا يزال يظهر بين الأشجار.
“إذًا… وصلت الشياطين إلى شينمورا أيضًا.”
اتسعت عينا تسوغوتو قليلًا.
لكنّه بقي صامتًا.
ساد صوت المطر بينهما للحظات طويلة.
ثم خلع الرجل العجوز معطفه الخارجي ووضعه فوق كتفي تسوغوتو بهدوء.
“ستمرض إن بقيت هنا.”
رفع تسوغوتو نظره ببطء.
“هيا.”
استدار العجوز وبدأ يمشي بين الأشجار.
“منزلي قريب.”
تردد تسوغوتو للحظة.
نظر خلفه نحو اتجاه شينمورا…
لكن لم يبقَ هناك سوى الدخان والنيران البعيدة.
قبض يده المرتجفة ببطء…
ثم نهض أخيرًا وتبع الرجل العجوز بصمت.
استمر الاثنان بالسير وسط الغابة الممطرة لعدة دقائق، حتى بدأت الأشجار تقل تدريجيًا.
وهناك…
ظهر منزل خشبي قديم قرب منحدر صغير، تتصاعد من مدخنته خيوط دخان دافئة.
فتح العجوز الباب ودخل أولًا.
“ادخل.”
وقف تسوغوتو عند الباب للحظة بتردد، ثم دخل ببطء.
كانت رائحة الخشب والشاي الدافئ تملأ المكان، بينما أضاءت مصابيح الزيت الغرفة الصغيرة بهدوء.
أغلق العجوز الباب خلفه ثم وضع سيفه قرب الجدار.
“اجلس.”
جلس تسوغوتو بصمت قرب المدفأة الصغيرة، بينما كان لا يزال يرتجف من البرد والخوف.
أشعل العجوز النار أكثر قليلًا، ثم جلس أمامه بهدوء.
“...”
نظر إليه للحظات بعينيه الحادتين، ثم قال:
“اسمي جوزو.”
رفع تسوغوتو رأسه ببطء.
“وأنت… ما اسمك أيها الفتى؟”
ظل تسوغوتو صامتًا.
كان ينظر إلى ألسنة النار الصغيرة داخل المدفأة بعينين شاردتين، بينما لا يزال جسده يرتجف بخفة.
انتظر جوزو للحظات…
لكن الفتى لم يجب.
تنهد العجوز بهدوء ثم نهض من مكانه.
“لا بأس… يبدو أنك مررت بليلة سيئة.”
اتجه نحو زاوية الغرفة وأحضر كوبًا خشبيًا قديمًا، ثم ملأه بالماء ووضعه أمام تسوغوتو.
“اشرب.”
حدق تسوغوتو بالكوب للحظة.
كانت يداه ترتجفان عندما أمسكه ببطء.
لاحظ جوزو ذلك مباشرة، لكنّه لم يقل شيئًا.
اكتفى بالجلوس قرب المدفأة بينما كان صوت المطر يُسمع بالخارج.
وفجأة—
“جوزو؟”
صدر صوت امرأة عجوز من داخل المنزل.
رفع تسوغوتو رأسه بتوتر فورًا.
ثم انفتح الباب الداخلي بهدوء.
دخلت امرأة مسنّة قصيرة القامة تحمل مصباحًا صغيرًا بين يديها.
كان شعرها الأبيض مربوطًا للخلف بعناية، بينما ارتدت كيمونو بسيطًا بلون رمادي داكن.
توقفت عندما رأت تسوغوتو.
“أوه…”
رمشت بدهشة خفيفة.
“ولد صغير؟”
أجاب جوزو بهدوء:
“وجدته وحده داخل الغابة.”
اقتربت العجوز ببطء وهي تنظر إلى تسوغوتو بعينين دافئتين.
“يا إلهي…”
لاحظت ملابسه المبللة والطين على قدميه ووجهه الشاحب المرتجف.
“هذا المسكين يرتجف بالكامل.”
وضعت المصباح جانبًا ثم جلست قربه ببطء حتى لا تخيفه.
“لا تخف يا صغيري.”
لكن تسوغوتو أمسك الكوب بقوة أكبر دون أن يتكلم.
كانت عيناه لا تزالان ممتلئتين بالخوف.
تبادل جوزو وزوجته النظرات بصمت للحظة.
ثم قالت العجوز بصوت هادئ جدًا:
“اسمي سايو.”
ابتسمت له بلطف.
“وأنت الآن بأمان هنا.”
ساد هدوء دافئ داخل المنزل الصغير، بينما استمر صوت المطر بالخارج بهدوء.
كان تسوغوتو لا يزال ممسكًا بالكوب بكلتا يديه، وعيناه مثبتتان على النار المشتعلة داخل المدفأة.
“وأنت الآن بأمان هنا.”
ترددت كلمات سايو داخل رأسه.
بأمان…
شعر بشيء غريب عند سماع تلك الكلمة.
منذ أن احترقت شينمورا…
ومنذ أن رأى والديه للمرة الأخيرة…
لم يشعر بالأمان ولو للحظة واحدة.
خفض نظره نحو الماء داخل الكوب.
كانت يداه لا تزالان ترتجفان بخفة.
لاحظت سايو ذلك، فاقتربت قليلًا ثم وضعت بطانية دافئة فوق كتفيه بهدوء.
“لا داعي للخوف.”
ارتجفت عينا تسوغوتو للحظة.
لم يفهم لماذا…
لكن دفء البطانية وصوت المرأة العجوز أعاد إليه شيئًا يشبه شعور المنزل.
شعور كان يظن أنه اختفى للأبد.
جلس جوزو بصمت قرب المدفأة، بينما يراقب الفتى بعينيه الحادتين دون أن يضغط عليه بالكلام.
مرّت عدة ثوانٍ طويلة…
ثم تحركت شفتا تسوغوتو أخيرًا.
“...تسوغوتو.”
كان صوته ضعيفًا ومترددًا.
لكن ذلك كان أول شيء يقوله منذ وصوله.
رفعت سايو رأسها مباشرة.
“همم؟”
ابتلع تسوغوتو ريقه بصعوبة.
“كا… كاريّا تسوغوتو…”
نظر إلى الأرض بعد أن قال اسمه، وكأنه خائف من الكلام نفسه.
لكن سايو ابتسمت بلطف.
“اسم جميل.”
أما جوزو…
فبقي صامتًا للحظة وهو يحدق بتسوغوتو باهتمام خفي.
“تسوغوتو، هاه…”
ثم نظر نحو الضمادة الملطخة بالدم على كتف الفتى.
وضاقت عيناه قليلًا.
وكأنه بدأ يلاحظ…
أن هناك شيئًا غير طبيعي في هذا الطفل.
ظل صوت المطر يتردد بهدوء خارج المنزل، بينما كانت ألسنة النار الصغيرة تتحرك داخل المدفأة.
جلس تسوغوتو بصمت للحظات بعد أن قال اسمه، بينما كان يضم البطانية حول جسده المرتجف.
ثم…
خفض جوزو نظره نحوه وسأل بصوت هادئ:
“ماذا حدث في شينمورا؟”
تجمّد تسوغوتو مباشرة.
ارتجفت أصابعه حول الكوب الخشبي.
وعادت تلك الصور إلى رأسه مجددًا…
النيران…
الصراخ…
والدته…
والده…
انخفض تنفسه فجأة.
لاحظت سايو ذلك بسرعة.
“جوزو…”
لكن العجوز لم يبعد نظره عن تسوغوتو.
ليس بقسوة…
بل وكأنه ينتظر منه أن يُخرج ما بداخله أخيرًا.
عضّ تسوغوتو شفتيه بقوة.
ثم خرج صوته المرتجف أخيرًا:
“الشياطين…”
ساد الصمت داخل الغرفة.
“ظهرت فجأة…”
بدأت دموعه تتجمع مجددًا داخل عينيه.
“كانت في كل مكان…”
انخفض رأسه أكثر.
“الناس كانوا يركضون… والنار…”
تقطعت كلماته مع أنفاسه المرتجفة.
“ثم دخلت إلى منزلنا…”
أغمض عينيه بقوة.
وكأنه يحاول الهروب من الذكريات.
لكنها لم تتوقف.
“أبي… حاول القتال…”
ارتجف صوته أكثر.
“وأمي…”
توقفت الكلمات داخل حلقه.
شعر وكأن شيئًا يخنقه من الداخل.
ثم فجأة—
“لم أستطع فعل أي شيء…!”
خرجت الكلمات منه بانهيار كامل.
بدأت دموعه تنهمر بلا توقف بينما كان يضغط ع
لى ملابسه بقوة.
“كنت خائفًا…!”
“لم أستطع إنقاذهما…!”
انحنى جسده بالكامل بينما بدأت شهقاته تملأ الغرفة الصغيرة.
ساد الصمت.
لم يقاطعه أحد.
لم يحاول أحد إيقاف بكائه.
اقتربت سايو ببطء ثم وضعت يدها بلطف فوق رأسه المرتجف.
“لقد فعلت ما استطعت يا صغيري…”
لكن تسوغوتو هز رأسه بقوة.
“لا…!”
“هربت فقط…”
أخفض جوزو نظره بصمت للحظات.
ثم قال بهدوء عميق:
“أحيانًا… النجاة أصعب من القتال.”
رفع تسوغوتو عينيه الدامعتين نحوه ببطء.
بينما كانت النار تنعكس داخل عيني جوزو العجوز…
وكأنّه شخص يعرف جيدًا معنى فقدان كل شيء.
[ نهاية الفصل الثاني ]