بليلة ظلماء موحشة ، تحت أنظار قمر دموي زادها شؤما .
روت الليلة قصة كفاح ، قصة نجاة لمجموعة من البشر .
بشر رفضوا الاستسلام لجبروت الليل ، و قاتلوا من اجل حياتهم حتى الرمق الأخير .
مقاتلوا الهارت ركضوا بشكل محموم ، مون تقودهم حاملةً سيفا من نار ، كان بمثابة منارة الضوء الوحيدة بهذا الجحيم المظلم .
من كل حدب و صوب ، خرجت الوحوش .
مخلوقات بشعة قذرة ، متحورة انبعثت من اسوء اعماق الجحيم .
محاربتهم لم تكن خيارا ، و الهرب هو كل ما استطاعوا القيام به .
من بينهم ، سقط إيثان فاقد الوعي بأعين مفتوحة لم يبرز منها شيء سوى البياض .
راقدا فوق ظهر رايدن .. نزف وسم اللعنة خاصته بغزارة ، ما جعل إيثان يدرك بالطريقة الصعبة ، أن لكل قوة عظيمة .. ثمن .
كفاح الهارت هذا حدث تحت اعين القمر ..
فوق تل عالي اطل على معظم اراضي اللعنة .. ظهر مخلوق . وحش من وحوش الليل العميق .
إمتطى حصانا شديد البأس ، أشبه بوحش يمشي على اربع .
حصان اخفى ملامحه تحت عباءة سوداء زادته رعبا و غموضا .
ممتطيا اياه ، أطل ذلك الوحش بحضوره و جبروته .
فارس أسود ، ارتدى درعا كاملا غطى جسده الطاغي .
خوذة الدرع تشكلت على هيأة فم وحش ملتوي بدا و كأنه تجسيد حي لكل ما هو مرعب.
من خلال الخوذة الوحشية ، انبثق وهج احمر قاتم اتضح لاحقا انه صادر من اعينه .
اعين .. ركزت على جهة معينة من أرض اللعنة ، حيث ركض محاربوا الهارت يائسين من أجل حياتهم .
لكن اعينه تجاهلتهم جميعا ، و ركزت على ذلك الشاب الفاقد للوعي .. الشاب الذي نزف من هول اللعنة .
ممتطيا حصانه بالقمة ، و القمر الاحمر القرمزي الكامل ينعكس من خلفه .
تحدث الفارس الاسود لاول مرة .
"أنا أرى .. إذا هذا هو حامل لعنة التوازن ." خرج صوته من جوفه ، صوت عميق غامض يعلق بذهن كل من يسمعه .
من الصوت وحده ، كان من الواضح أن صاحبه ليس بعادي .
ببطء ، رفع الفارس الأسود رأسه محدقا نحو القمر .
"قريبا ، سيبدأ الصيد الجامح . و الليل سيختار أهدافه ."
قال الفارس بنبرة عميقة ، متسببا بظاهرة عجيبة .
فالارض من خلفه اظلمت بشدة ، و ظله توسع و تمدد الى أن غطى مساحةً شاسعة جدا .
من داخل ذلك الظل المظلم المشؤوم ، انبثقت ايادي .
ايادي لم تكن لبشر ، بل شيء آخر تماما .
مخلوقات من عظام .. هياكل عظمية ترتدي دروعا سوداء اللون مماثلة لذلك الفارس الأسود .
"أمطار من الدم ، و رياح من رماد .. أهوال لا يستطيع بشر تخيلها ."
"يا حامل التوازن ، فالتصلي .. قدم دعواتك ." قال الفارس الأسود مستديرا ناحية إيثان مرة بعد .
"فالتدعوا .. ان لا تكون الهدف القادم . فالصيد الجامح لا يرحم أحدا ، و حامل الوسم لا يملك سوى خيارين ."
توهجت اعين الفارس الاسود ، بينما بدأ الجنود من خلفه يصرخون بانسجام .
"الموت ، أو الخضوع للعنة الليل الطويل ."
سحب الفارس الاسود سيفا عظيما مظلما رافعا اياه نحو السماء ، بينما قفز حصانه العظيم من على الجرف .
لكن الحصان لم يسقط قط .. بل ركض .
ركض بالفراغ ، فوق الهواء .. و كأنه حصان من رياح .
اتباعه جميعا أنطلقوا للامام بالوقت نفسه متبعين خطاه .. جميعهم يمتطون أحصنةً من عظام و لحم فاسد أسود اللون .
جميعهم قد طاروا وراءه ، يركضون مع الرياح .
فيلق الموت هذا غطى السماء ، و تألق امام القمر القرمزي .
فيلق بقيادة أحد سادة الليل .. وحش حقيقي عاش داخل ساحات المعارك .
لحسن الحظ ، سيف بطل الليل لم يكن موجها لإيثان .. ما انجاه من الصيد الجامح .
لكن حظه قد بدأ ينفذ بالفعل ، فقد بدأت أشرس وحوش العالم تدرك وجوده بالفعل. .
وسط كل هذه الاهوال ، و كفاح الهارت .
إيثان لم يدرك ايا من ذلك ، غارقا بالظلام بعدما فقد وعيه غير قادر على تحمل أهوال الظلام .
...
...
...
"آه .. أنا أغرق .." همس إيثان بصوت خافت ، بينما هوى جسده ، يغرق ببطء داخل هاوية مظلمة لا قاع لها .
جسده بدا أشبه بجمرة من نار ، تحاول النجاة بلهيبها رافضةً الانطفاء .
هو شعر بالخدر يعم كامل جسده ، فلم يشعر بأطرافه اطلاقا .
اعينه القرمزية تدحرجت يمينا و يسارا ، يحدق بكل تلك .. الاشياء.
اشباح ، أطياف .. مخلوقات هربت من الموت .
جميعها مدت اياديها نحوه ، تصرخ محاولةً بلوغه .
برؤيتهم ، تشكلت نصف ابتسامة على وجه ايثان .
"بسببكم ، كدت اجن .. فها أنتم تلحقونني الى اقصى اعماق وعيي .."
قال إيثان ، راثيا حاله هذا .
لكن و لسبب ما ، أصواتهم التي كادت تفجر عقله سابقاً .. قد بدت عاديةً تماما هنا .
لدرجة أن إيثان شعر بالسكينة و الهدوء ، رغم كل صراخهم و عويلهم الوحشي الذي لم يتوقف قط .
بدا و كأنهم يريدون بلوغه ، لكن قوةً خفية منعتهم .
و هذا ما جعل النظر و الصراخ اليه من بعيد هو كل ما استطاعوا القيام به .
إيثان إستمر بالغرق لبعض الوقت ، الى ان هدأت الاصوات .
لكن و بدلا منها ، ايثان سمع شيئا مختلفا هذه المرة .
صوت بكاء .. صوت واحد فقط .
"هذا .. صوت بكاء طفل رضيع ؟"
كان صوتا ينتمي لطفل رضيع بدا و كأنه ولد للتو .
محدقا بالهاوية .. شعر ايثان و كأن الهاوية تنظر اليه بدورها .
ثم بابتسامة ساخرة متكلفة ، تساءل من اعماق قبله .
"يا ترى ، أي طفل .. قد يولد من جحيم كهذا ؟"
أيا كانت الاجابة ، ايثان لم يرد أن يعرفها .. و لم يرد أن تكون له أي علاقة بأيا كان ما يتواجد هناك بالاسفل .
لحسن حظه ، ناره لم تنطفئ قط ، و سرعانما انجرف وعيه بعيدا .. عائدا الى العالم الواقعي مرة بعد . ليخوض غمار الليل مجددا .
...
راقدا قوق أرض باردة ، شعر جسده ببعض الدفئ.
ببطء ، فتح أعينه .
فكانت السماء المظلمة و القمر أول ما لمحته اعينه القرمزية .
إستيقظ ايثان من جديد ، مدركا أنه لا يزال بالليل . لكن لسبب ما .
هو لم يسمع أي اصوات ، و لم يرى أي وحوش من حوله .
"إستيقظت أخيرا .. "
صوت مألوف اخرج إيثان من شروده .
لقد كان رايدن ، الجالس بجانبه منهكا .
جسده ، و وجهه قد إنكشفا له من خلال ضوء عظيم ، جعلهم يشعرون جميعا بالدفئ .
ادار إيثان رأسه ، فلمحه أخيرا .
كل الهارت كانوا يجلسون معا ، ملتفين من حوله يتلذذون بدفئه .
كان سيفاً ..
سيف مغروز داخل الأرض ، يشتعل بنار لطيفة و ثابتة لا يهدأ لهيبها أبدا .
مجرد التواجد بقربه .. منحه أمانا و راحةً غريبة ، و كأنه عاد لموطنه .. مرتميا باحضان والدته.
"مرحبا بك في البونفاير ، ايثان ." قال رايدن بابتسامة متعبة .
إيثان حدق به لبرهة ، قبل أن ينتبه لبقية الهارت .
جميعهم شاركوه نفس تعبه .. لدرجة أنهم جميعا تنفسوا بصعوبة ، ما اثبت انه خاضوا ليلةً من جحيم .
"انت بمأمن هنا ، فالبونفاير يقمع اللعنة و الوحوش على حد سواء .. هنا ، لن يمسك شيء بمكروه ."
بسماع هذا ، زم ايثان شفتيه ..
لقد كان يعرف ما هو البونفاير بطبيعة الحال ، لكن ما شغل باله حاليا هو شيء آخر .
"اعتذر منكم جميعا .. بسببي خضتم كل تلك الاهوال " اعتذر إيثان بصدق ، ما جعل انظار للجميع تتجه ناحيته .
"لقد استخففت باللعنة و ما تقدر عليه ، لم اتوقع قط ان تكون بهذا السوء ."
"نعم ، انها للعنة من جحيم حقا " قال رايدن مبتسما بتكلف .
حتى لو اراد مواساة ايثان ، هو لم يستطع الكذب .
لعنة إيثان كادت تفتك بهم جميعا .. كل هذا و هم لا يزالون سوى بالمنطقة الاولى و لم يقاتلوا الزعيم الرئيسي الاول حتى ..
لكن رايدن لم يلم إيثان قط .
"لقد عانينا حقا ، لكننا نجونا جميعا و هذا ما يهم ."
ربت رايدن بخفة على ظهر إيثان ، مشجعا اياه .
"لا داعي لتحمل نفسك المسؤولة ، فقد اخترنا جميعا البقاء معك و هذا خيارنا ، اتمنى ان لا تنسى ذلك ."
كلمات رايدن هذه فاجأت إيثان .
و الغريب ان بقية الهارت شاركوه الرأي ذاته ، حتى الجبانة اليسيا قد فعلت .
هم حقا .. لا يخونون رفاقهم ولا يتخلون عنهم مهما حدث .
هذا جعل إيثان يتساءل ، هل هنالك حقا اشخاص بهذا اللطف ، بعالم مظلم و مشؤوم كهذا ؟
منزلا رأسه نحو الاسفل ، لم يعرف كيف يعطي ردا .
فلم يكن له سوى أن يومئ بتردد .
'العلاقات البشرية .. غريبة حقا .'
ما يحدث الآن ، هو تجربة جديدة تماما لايثان ، الشاب المتوحد الذي لم يملك علاقات قط مع أي أحد .
فكل ما لديه قد كانوا مجموعة متابعين غريبي الاطوار .
اما البشر الذين تصادم معهم بحياته السابقة .. فقد كانوا جميعا حثالة استغلوه حتى النخاع .
كل هذا جعل دفئ الهارت يجعله يشعر بالغرابة ، و كأنه .. لا ينتمي لهذا المكان .
بغض النظر عن افكاره ، الهارت ظلوا معه حتى النهاية .
كان بامكانهم رمي جسده و الهرب فحسب ، فهو ما يجذب اللعنة .. لكنهم لم يفعلوا ، و خاطروا بحياتهم من اجله.
هذا لدين . و ايثان عقد العزم على تسديده .
بغض النظر عن افكاره ، رفاقه من الهارت لم يروا الامر بهذا التعقيد قط ، فانقاذ صديق امر طبيعي بالنسبة لهم .
بعدما عم الصمت لبرهة ، قتلته مون متحدثةً للمرة الاولى منذ استيقظ ايثان .
"بما اننا بأمان الآن ، و قد عدت لوعيك .. فأظنه الوقت المناسب لشرح الوضع لك ."
رايدن أومأ موافقا .
"مون على حق ، إذا اردت النجاة بنطاق اللعنة .. و بهذا العالم بشكل عام .. فيجب أن تمتلك الحد الادنى من المعرفة على الاقل ."
إيثان أومأ رداً .
'بعض اللور لن يضر .. كما أنني أملك العديد من الاسئلة التي تحتاج إجابة .' هو فكر ، قبل ان يشير لمون بان تقول ما لديها .
على الاغلب ، معظم ما ستقوله هي أشياء يعرفها بالفعل بما انه خاض اللعبة حتى كادت تخرج من انفه .
لكن .. كانت هنالك بعض المجاهيل التي تحتاج توضيحا .
خصوصا عندما يتعلق الامر بالهارت انفسهم ، و لعنة الدم الغريبة تلك التي وجد جسده ملعونا بها .
مون بدت من النوع الجاد ، لا تتحدث من فراغ و تذهب دوما للنقطة الاهم ما جعلها تبدو كقائدة بالفطرة .
شخصيتها هذه مدعومة بموهبة عظيمة تجعلها الابرز بجيلها بشكل عام.
اولا ، اشارت مون للسيف الناري المغروس بداخل الأرض .
"هذا هو البونفاير ، إنه الملاذ الآمن لنا نحن الهارت ."
"هنا ، نستطيع أن نستريح دون الخوف من مهاجمة الوحوش لنا ، كما ان اجسادنا تتطهر من بقايا اللعنة عندما نجلس بالقرب منه ."
ذلك السيف المغروز بداخل الأرض ، قد حمل قوةً استثنائية .. استطاعت كبح اللعنة التي اعجزت كل المخلوقات .
"أسلافنا هم من تركوا البونفاير خلفهم ، عن طريق غرس سيوفهم بالارض واضعين بها رمادهم ، و نار حياتهم ."
"هناك الكثير من البونفاير الموزعة بهذه المنطقة ، و تتعمق وصولا لارض اللعنة .. و هي ترشدنا للطريق الذي اتخذه اسلافنا عندما كانوا يحاربون اللعنة بالماضي البعيد ."
أسلاف الهارت .. الابطال من قبل ايثان بمعنى آخر .
كانوا اقوياء ، و بلغوا مراحل متقدمة .. لكنهم ماتوا جميعها .
على الاقل ، هم تركوا وراءهم مسارهم و اثرهم ، ليتبع الجيل الجديد خطاهم عندما يحارب اللعنة .
قوة البونفاير تستطيع تطهير اللعنة ، و حتى الجروح و الاصابات .. ما يجعله مكسبا لا يستغني عليه الهارت .
"مع الوقت .. الكثير من البونفاير انطفأت بسبب اللعنة ، لكننا نستطيع اشعالهم مرة أخرى بواسطة رمادنا .. شرط ان نهزم زعيم المنطقة التي تنتمي اليه ."
قالت مون ، قبل ان تضع يدها فوق البونفاير ، فإذا به يشتعل بقوة أكبر .
"جميع البونفاير مربوطة بديارنا ، حيث تتواجد اللورد ڤاسل .. بالتالي ، نستطيع الانتقال آنيا للمنزل من خلال البونفاير بشكل مباشر ما يوفر علينا الكثير من العناء و الشقاء ."
كان هذا مفهوما مثيرا للاهتمام ، ايثان اعتقد البونفاير مجرد نقاط حفظ عندما كان يلعب اللعبة ، لكنها تحمل قصة كاملة ..
مون رفعت رأسها نحو السماء تاليا .
"لكننا لا نستطيع استخدام ميزة النقل الآني عندما يكون الليل قائما .. لذلك لا خيار لنا سوى البقاء هنا حتى حلول الصباح "
أومأ ايثان كرد ، مظهرا فهمه الكامل لما قالته .
لكن انتبه لشيء مهم .
'معلوماتها .. ناقصة ، ام يجب ان اقول مغلوطة ؟'
من طريقة كلامها ، يبدو انها تعتقد بأن الهارت هم الوحيدون القادرون على استخدام البونفاير .. و انه حكر لهم .
لكن هذا خاطئ ، و يعود لجهلهم بكم هذا العالم كبير .
الاسلاف الذين تحدثت عنهم ، الابطال القدامى ..
'هم لم يتركوا الهارت فحسب ..' فكر ايثان بينه و بين نفسه .
لا توجد عشائر كبرى مماثلة للهارت .. لكن يوجد أشخاص اخرون ينتمون لنسل الابطال بكل تأكيد .
أشخاص يستطيعون استخدام نظام اللاعب بدورهم .
و الدليل .. هو بداية ايثان باللعبة ، فهو بدأ من نقطة مختلفة تماما من العالم ، و لم يكن من الهارت قط .
لكنه وجد البونفاير ، و استطاع استخدامه أيضا .
إيثان لم يخبرهم بأي من هذا بطبيعة الحال .