بمجرد خروجهم من بعد قيامهم ببعض الاجراءات الشكلية مع فرسان العشيرة .
غادر إيثان رفقة رايدن و تشاي عائدين للشارع الرئيسي لمدينة آشفارن .
عند مغادرتهم ، كان المساء قد حل بالفعل ..
الوقت مضى بسرعة شديدة من قوة الاحداث التي عاشوها ، لدرجة انهم لم يشعروا به مطلقا .
"لقد كان يوما حافلا بالاحداث .."
كل هذه الفوضى قد حدثت بيومه الاول داخل آشفارن ، و قد شعر إيثان بارهاق شديد ازاء ذلك .
حاليا ، هو لم يرد شيئا سوى تناول وجبة و الخلود للنوم باقرب وقت .
رايدن و تشاي شاركاه نفس الافكار ، لذلك سرعانما قاداه ناحية مسكنهم .. المكان الذي عاش فيه كل من إيثان و رايدن .
لبلوغه ، قطع الثلاثة مسافةً كبيرة الى ان وصلوا اخيرا .
هو تواجد باطراف المدينة .
مكان فسيح و هادئ احاطت به النباتات و الزهور ، زهور سوداء اللون نمت بتأثير من الكسوف .
إيثان اخذ بضع ثواني ، يحدق بذلك المكان .
أشبه بمنشأة عسكرية ، لكن أكثر جمالا ما جعله يبدو مثل اكاديمية قديمة .
"هذه هي جنة الصيادين ، منزلنا ." قال رايدن مبتسما .. بينما قاد ايثان للداخل .
كان المكان كبيرا و فسيحا .. و تواجدت به مختلف المرافق .
اماكن التدريب ، مباني للتعليم ، و اخرى للادارة .. و بنهاية كل ذلك .. تواجدت مساكن الصيادين .
مبنية بنفس الاسلوب الفيكتوري السائد بمدينة آشفارن .
كان هنالك اثنان من المساكن ، كبيرة الحجم لدرجة انها بدت اشبه بقصور قديمة ساقطة .
من حولهم ، تجول عدد كبير من الصيادين الاناث و الذكور ذهابا و ايابا يمرون من حين لاخر بإيثان و البقية .
و كلما فعلوا ، هم كانوا يحيونهم باحترام .. خصوصا تجاه رايدن . الذي حياهم بدوره .
"المبنى على اليمين يخص الصيادين الاناث ، و على اليسار هو منزلنا نحن الرجال ."
اشار رايدن للمبنى على اليسار مناديا إيثان و تشاي لكي يتبعوه .
"لدينا كل ما نحتاجه هنا ، بما في ذلك قاعة اطعام خاصة تعمل طوال اليوم .. يمكننا الحصول على وجبة جيدة من هناك ."
بسماع هذا ، تنهد إيثان بارتياح .
"انت لا تعلم مدى سعادتي بما قلته للتو ، فأنا اتضور جوعا هنا ."
"بالطبع ستفعل ، فنحن لم نأكل شيئا منذ عودتنا من غارة الصيد ." قال رايدن مبتسماً ، بينما قاد الطريق للداخل .
المبنى كان بنفس الجمال من الداخل كالخارج .
بدا جديدا تماما و لم يكن هنالك من اثر لمضي الوقت و الزمن .
الجدران كانت مزخرفةً بالذهب ، و يغمرها اللون الاسود .
السقق ابيض تتناثر منه الثرايا ، تضيء كل ركن من اركانه .
إيثان اظهر اعجابه التام بما رآه ، ما لفت انتباه تشاي الصغير .
"الكبار يعوطننا نحن الصيادين اهمية كبيرة ، لذلك لم يبخلوا عنا يوما ، و ساهموا بابقاء جنة الصيادين متألقة منذ ايامها الاولى. "
"هذا رائع حقا .. لكن هل نعيش جميعنا هنا ؟"
"لكل صياد الحق بالعيش هنا ما لم يكن له من مكان آخر يذهب اليه ، يحصل كل واحد على غرفة خاصة به ." قال تشاي قبل ان يتابع :
"انت و الاخ الاكبر رايدن تعيشان هنا ، على عسكي انا الذي سأضطر للمغادرة قريبا ."
بسماع هذا ، ادار إيثان رأسه ناحية الشاب القصير بجانبه .
"الا تعيش هنا انت أيضا ؟"
ردا على هذا ، هز تشاي رأسه نافيا .
"انا اعيش مع والدتي ، و هي تنتظرني دوما من بعد كل غارة صيد .. لا أستطيع تركها طويلا .."
أومأ إيثان .
على ما يبدو ، مسكن الصيادين ضم امثاله هو و رايدن فحسب .. من فقدوا كل شيء و لم يتبقى لهم احد من عوائلهم .
"مون و آليسيا تعيشان بالجانب الآخر ،
آليسيا حصلت على الحق بادخال اخيها بما انها صيادة ، و سيكون اخوها الاصغر ايضا قريبا .
اما مون ، فقد فقدت والديها منذ وقت طويل .. و رفضت البقاء مع جدها . مفضلةً المكان هنا ."
شرح تشاي حالة كل واحد منهم ، ما جعل إيثان يدرك ان الفتى الصغير بجانبه هو الوحيد الذي لا ينتمي لهذا المكان ، و جاء لتناول وجبة فحسب ثم المغادرة .
من بعد التوغل بضع دقائق ، بلغ الثلاثة مطعم الصيادين .
كان واسعا ، تملؤه المناضد .. و الصيادون على حد سواء .
بدا المكان حيويا ، و كأنه ثكنة عسكرية ملأها الجنود .
هم كانوا يأكلون طعامهم جميعا ، بعض يبدو سعيدا ، و البعض الآخر مهموما و كئيبا .
"السعداء منهم صيادون مثلنا عادوا منذ وقت قريب .. و الكئيبون هم من حان وقت غارتهم أخيرا ."
كل شهر ، تضطر الفرق للصيد . و بكل مرة ، هم يخاطرون بحياتهم داخل نطاق اللعنة .
كانت حياة الصياد صعبة ، مجبرين على القتال مدركين انهم قد يفقدون حياتهم بأي لحظة .
نوعا ما ، إيثان فهم سبب كره آليسيا للقب الصياد .. و رغبتها بأن تعيش بشكل عادي ..
مندمجين مع الطابور ، اخذ ثلاثتهم اطباقا حديديةً مستطيلة الشكل يقفون بانتظار دورهم .
"أظن أن هذا ما يعيشه الطلاب الجامعيون .." قال إيثان ضاحكا بخفة ، بينما استدار رايدن الواقف بالامام ناحيته.
"هل قلت شيئا ؟"
"لا~ لم افعل ."
اجاب ، بينما واصل الثلاثة تقدمهم الى ان بلغوا الشخص الذي وزع الطعام .
كانت امرأة مسنة ، ببطن منتفخ جعلها تبدو حاملا .. لكن الامر لم يكن كذلك.
فكل ما في الامر انها سمينة .
بمجرد رؤيتها لرايدن ، ارتسمت السعادة على وجهها .
"يا إلاهي ، لقد عدتم أخيرا يا اطفال .. "
ردا ، اومأ رايدن بسعادة .
"اجل ! نحن احياء نرزق لكننا نتضور جوعا يا سيدتي !" صاح رايدن ، بينما ضحكت المرأة المسنة .
"و انا لدي الحل لمشكلتكم ، تعالوا و كلوا بقدر ما شئتم ."
بسرعة و مهارة ، سقت العجوز اطباق الجميع بمختلف المأكولات .
وجبة متكاملة بكثير من اللحم ، بعض الارز .. القليل من السلطة ، المزيد من اللحم ، بعض البيض . و الكثير من اللحم .
طبق إيثان امتلأ لدرجة ان اللحم كاد يفيض من الجانبين ، ما جعله يحدق بتلك المرأة المسنة .
"المعذرة ، لكن هل يفترض بي اكل كل هذا ؟"
"بالطبع ستفعل ! أنت نحيل جدا يا إيثان لذلك يجب ان تأكل طعامك ما إذا اردت أن تصبح رجلا حقيقيا ." هي قالت ، صافعةً كتف رايدن .
"تماما مثل عزيزي رايدن هنا ، إنه ينهي طعامه دوما ولا يترك أي بقايا على عكسكما ."
هي قصدت تشاي ايضا بكلامها .
هذا الاخير ادار رأسه خجلا ، و بدا جليا انه لا يجيد التعامل مع هذه السيدة .
إيثان أومأ بتردد ، قبل ان يدير رأسه ناحية طبق رايدن .
هذا الاخير حمل جبلا من اضلاع اللحم المشوي ، لدرجة انه قد يستهلك خروفا كاملا لوحده على هذا المنوال .
لكن الرجل العملاق بدا أكثر من قادر على استهلاكه بمفرده .
شاغلين احد المقاعد ، جلس الثلاثة يأكلون طعامهم بنهم بعدما أهلكهم الجوع .
غامراً فهمه بأسياخ اللحم ، اكل إيثان بسرعة .
'إنه يفتقر للتوابل قليلا ، لكنه لذيذ بما فيه الكفاية لجعلي آكله كل يوم ..'
هو جاء بتوقعات منخفضة ، لكن جودة الطعام قد فاجأته حقا .
ظروف المعيشة لم تبدو سيئة اطلاقا ، بل على العكس تماما ، لقد كانت جيدة .
بعد الاكل بسرعة شديدة بالبداية ، بدأ الثلاثة يتباطأون تدريجيا .
الى ان تكلم رايدن بعدما بلع كل ما كان بفمه .
"تقدير ماريا إذا .. "
أومأ إيثان .
"أجل ، هذا ما آلت اليه الامور ."
"لأكون صريحا معك ، وضعك سيء يا إيثان." اشار رايدن له حاملا احد أضلاع اللحم بيده .
"خصمك سيكون من المستوى المتقدم ، و انت لا تزال بالمستوى الاول .. سيكون عليك رفع المستوى دون توقف ابتداءا من الغد ."
مفكرا بالامر ، عبس رايدن أكثر .
"هذا ليس جيدا .. مالم تهزم وحوشا قوية ، فيستحيل عليك بلوغ المرحلة المتقدمة بشهر واحد فحسب .."
رايدن شدد على امر المرحلة المتقدمة كثيرا ، بسبب درع الهالة .
"إذا لم تتمكن من استخدام درع الهالة ، فمن شبه المستحيل ان تتمكن من مجاراة خصمك او اصابته ، انها لمعضلة حقيقية ."
أومأ تشاي موافقا على هذا ، يشارك رايدن نفس القلق .
"حتى لو حاولت الاستفادة من ذكائك كما فعلت ضد صائد الجمر ، الامر مستحيل بمفردك .. "
حتى سلاح منفذ الاعدام الذي حصل عليه لن يفيده مالم يصل إيثان للمستوى المطلوب له .
سواءا رايدن او تشاي ، حاول الاثنان التفكير بحلول تساعد إيثان على النجاة بورطته ، لكن هذا الاخير إتكأ على يد واحدة ينظر بعيدا هادئا تماما .
"لا داعي للقلق يا رفاق ." هو قال بإبتسامة واثقة متابعا : " لدي خططي الخاصة بالفعل ، و الفوز ليس بمستحيل ."
ردا على هذا الكلام ، حدق به الاثنان مستغربين من ثقته هذه .
"لا اعلم من اين تأتي ثقتك ، لكنني اثق بأنك لن تسقط بسهولة .. إذا كان هنالك ما استطيع المساعدة به اخبرني فورا ." قال رايدن ، بينما اتبعه تشاي .
"أنا معك ايضا ، اخي الاكبر ."
برؤية استعدادهما للمساعدة ، أومأ إيثان سعيدا .
"اقدر مساعدتكما ، لكن لنؤجل ذلك لما بعد الغد .. فلدي لقاء مع الساحرة صباحا ، و مع الإمبراطور غير المتوج ليلا ."
هو كان مشغولا بالفعل ، فعليه كبح اللعنة و محاولة جعل آستيريون يعلمه السيافة .
"حتى ذلك الحين ، فالتمضيا وقتكما كما تفعلان دوما فحسب ."
"إذا كان هذا ما تريده ، فلا بأس إذا.." رد رايدن مترددا ، لكنه لم يملك الكثير مما يقدر على فعله .
خصوصا و ان الخصم لا يزال مجهولا .
لذلك سرعانما تجاوز الثلاثة الامر و واصلوا الحديث يتناولون الطعام و مختلف المواضيع دفعة واحدة .
و سرعانما حل الليل .
تشاي غادر بعد توديعهما عائدا الى المنزل .. الى والدته .
و هكذا لم يتبقى سوى إيثان و رايدن فحسب .
الاثنان تجولا لوقت اطول قليلا ، قبل ان يقوده رايدن ناحية غرفته بعدما نال الارهاق من كليهما .
صاعدين الطوابق الى ان بلغا المنطقة السكنية الخاصة بهم ، وصل الاثنان امام غرفة معينة .
باب خشبي سميك ، وضعت عليها لافتة مكتوب عليها اسم صاحبها .
إيثان هارت .
"هذه هي غرفتك ، قد تبدو غير مألوفة لك عندما تدخل الى الداخل .. لكن تأكد من انك قضيت معظم سنين عمرك هنا ."
أومأ إيثان ردا .
"كل ما اريده .. هو الدخول و النوم بأقرب وقت ."
"أشاركك رغبتك هذه ، وددت لو اقضي المزيد من الوقت معك لكنني بلغت حدي ايضا ، لذلك ساغادر و اتركك تنال بعض الراحة " قال رايدن ، مشيرا لنهاية الرواق .
"إذا ما احتجت شيئا ، فغرقتي هي الاخيرة على اليسار ."
ابتسم إيثان مومئا مرة أخرى ، قبل ان يفتح فمه شاكرا اياه .
"اقدر ما تقوم به من اجلي يا رايدن ، قد لا املك ذاكرتي ، لكنني سعيد حقا أنكم انتم هم افراد فرقة الصيد الخاصة بي ."
بسماع هذا ، توسعت ابتسامة رايدن بينما اغمض اعينه مديرا ظهره لإيثان .
"لا تمت فحسب يا صديقي ، ليس قبلي على الاقل ."
غادر رايدن ، تاركا إيثان بمفرده أخيرا .
هذا الاخير حدق بظهر ذلك الشاب الطويل ، قبل ان يفتح باب غرفته ملقيا بنفسه في الداخل .
بمجرد فتحه للباب ، غمرت اعين إيثان المكان متفحصا اياه .
كانت غرفةً واسعة ، بسرير كبير و خزانة بسيطة .
نافذة واحدة تطل على الخارج ، مطبخ بسيط عند المدخل ، و باب جانبي قاد للحمام على الارجح .
اثنان من الكراسي ،و مكتب بسيط وضعت فوقه بعض الكتب التي كان يقرأها صاحب الجسد السابق .
لم تكن فاخرة ، و لا متواضعة . بدت عادية جدا .
كل شيء طبيعي ، ما عدا شيء واحد .
بعبوس ، اقترب إيثان من الباب المؤدي للحمام و مكان الاستحمام .
متسائلا حول ذلك الصوت الذي سمعه بمجرد دخوله ، ولا يزال يسمعه حتى الآن .
"هل ترك صاحب هذا الجسد المياه مفتوحة قبل مغادرته ؟"
سؤاله هذا جاء بعدما سمع صوت المياه ، و كأن احدهم يستحم بالداخل .
في البداية ظنه امرا عاديا ، لكن إيثان ضيق حواجبه بينما تحول للجدية عندما شعر بشيء ما .
بل شخص ما يتحرك بالداخل .
و مع كل ثانية تمر ، زاد شك إيثان هذا أكثر .
"من ؟"
بحذر ، هو مد يده نحو مقبض الباب ، فإذا بالشخص من الجانب الاخر يفتحه قبله .
امام اعين إيثان الذي غمرته الصدمة .. برز الشعر الاحمر الناري القصير المألوف اولا .
ثم شيئا فشيئا ، هو انزل رأسه نحو الاسفل يحدق بذهول .
اكثر ما فاجأه بالبداية .. هو أن الموجودة بالداخل كانت فتاةً لا رجلا .
و ما زاد من صدمته ، هو تعرفه على هويتها .
الشعر الاحمر القصير ، الملامح الباردة و الحادة .. ما عدا انها ارتدت الآن منشفةً بيضاء قصيرة ابرزت من نهديها و ساقيها أكثر بكثير مما اخفت .
هي رأت إيثان ايضا بطبيعة الحال ، ما جعلها تخطو للامام .
و مع كل خطوة تتقدم بها ، تراجع هو بنفس العدد .. الى ان اصطدم ظهره بالحائط و لم يعد هنالك من مهرب ..
"م-م-م-م-مون ؟!!"
شعر ايثان و كأنه يهلوس ، فهذه لم تكن سوى مون هارت .. قائدته التي صفعته بقوة قبل بضع ساعات .
عقله توقف عن العمل للحظة ، لدرجة انه حاول الهرب فورا .
"آسف ! لقد اخطأت الغرفة !"
كان على وشك الجري نحو الباب معتقدا انه تعرض لمقلب ما ، لكنه تجمد مكانه عندما ادرك شيئا مهما .
هذا مسكن الرجال ، و لا شك بذلك .
و هذه غرفته ، فاسمه كان مطبوعا عند بابها .
لذلك لم يكن هو الدخيل هنا ، بل العكس تماما .
مستديرا ببطء بينما ابتلع ريقه .
هو حدق مرة أخرى بمون التي ابتسمت له .
ابتسامة لطيفة حلوة لم يراها تظهرها لاي شيء آخر .
"مالأمر ؟ تبدو و كأنك رأيت شبحا ." هي قالت ، مستخدمةً نبرة صوت مختلفة عن العادة.
فرد إيثان بدون وعي ، لا يفهم شيئا مما يحدث .
"اتمنى لو كان شبحا ."