تحت جناح الليل ، بداخل غرفته التي يفترض ان تكون ملكه هو ولا احد سواه .

تشبث إيثان بالحائط ، يحدق غير مصدق بالفتاة الماثلة امامه .

مبتلعاً ريقه بصوت عالي ، هو تلعثم بالكلام .

"أنت .. أنت مون اليس كذلك ؟ لست اختها التوأم أو شيء من هذا القبيل ؟"

بسماع هذا السؤال ، رفعت مون حاجبا .

"ما هذا الهراء الذي تتفوه به ؟ انا لا املك اي توأم ."

برؤية النبرة الجادة التي ابرزتها مون دون وعي منها ، إيثان تيقن .

هذه هي مون هارت حقا .. قائدته الجادة التي جمعته علاقة عجيبة معها .

"تبدو مضطربا ، مالخطب ؟" هي اقتربت خطوةً أخرى ، لكن كل خطوة تخطوها قد لعبت باعصاب إيثان الذي استوقفها .

"أرجوك ! ارتدي شيئا ما ، فأنا لا اعلم اين انظر ."

برؤية إيثان المضطرب ، انزلت مون رأسها للاسفل مدركةً انها لا تزال ترتدي منشفة بسيطة فوق جسدها العاري .

"آه .. آسفة ، لقد فاجأتني بعودتك لدرجة أنني نسيت ما كنت افعل ."

رغم ما قالته ، مون لم تبدو منزعجةً اطلاقا من الموقف الحالي ما زاد من حيرة ايثان .

' مالذي يحدث هنا بحق الجحيم ؟ هل انا احلم ؟'

مهما فكر بالوضع الحالي .. إيثان لم يفهم شيئا واحدا .

مون من جهة أخرى لم تهتم بانهياره العصبي ، بل ذهبت بهدوء ناحية السرير حيث وضعت بعض الملابس .. ملابس لم ينتبه لها إيثان سابقا .

ثم ببطء ، هي استدارت ناحيته .

"هلا نظرت بعيدا لدقيقة ريتما ارتدي ملابسي ؟"

ردا ، أومأ إيثان مرارا و تكرارا قبل ان يستدير مانحا اياها ظهره .

"شكرا ."

هي شكرته ، بينما بدأت ترتدي ملابسها مرتاحةً تماما و كأنه لا يوجد سواها بالغرفة .

الامر لم يستغرق طويلا ، فهي كانت سريعة بكل ما تقوم به .

"يمكنك ان تستدير الآن ."

بعدما اعطته الضوء الاخضر ، استدار إيثان ببطء .

مون غيرت ملابسها بالفعل ، و ارتدت شيئا محتشما أكثر .. لكن قلب إيثان لم يهدأ .

فهذه لم تكن ملابسها المعتادة ، بل بدت اشبه بشيء ترتديه داخل المنزل .

ما اعطى إيثان الانطباع بأنها لا تنوي المغادرة .

الاثنان حدقا ببعضهما البعض بصمت ، مون هادئة تماما .

و ايثان لا يعرف ما يقول .

لحسن الحظ ، الصمت لم يدم للابد .. فمون اشارت للكرسي .

"فالتجلس ، و حاول ان تهدأ قليلا فانا لن اعضك ."

بحذر ، سحب إيثان كرسيا جالسا امامها هي التي جلست بدورها فوق سريره .

"مون .. أنا محتار تماما هنا ، لدي الكثير مما اود قوله ، لكن اولا ."

ابتلع إيثان ريقه مرة أخرى ، قبل أن يسأل السؤال الاهم .

"مالذي تفعلينه هنا .. بغرفتي ؟ "

بسماع هذا السؤال ، التزمت مون الصمت لدقيقة كاملة . بينما ظهر على وجهها ما بدا و كأنه .. خيبة أمل .

"إذا .. انت حقا لا تتذكر ."

"أستميحك عذرا ؟" رد إيثان فورا ، بينما حدقت مون به لوهلة قبل ان تنزل رأسها للاسفل .

"عندما قلت أنك فقدت الذاكرة سابقاً ، لكنك لا تزال تتذكر بعض الاشياء مثل اللعنة و الليل الابدي ، تمنيت أن يكون ما بيننا احد الامور القليلة التي تتذكرها ايضا ."

مهما نظر اليها ، إيثان ادرك ان امرا ما ليس بمحله .

هو تساءل مرارا و تكرارا ، هل هذه مون حقا ؟

هي بدت .. الطف ، مسترخية تماما .

انطباع المقاتلة العظيمة ، و القائدة الرائعة قد تبخر تماما .

فهي بدت كفتاة عادية بالكامل الآن ، و هذا بطريقة ما كان موترا أكثر من نسختها الحازمة .

ردا على ما قالته للتو ، سأل إيثان بحذر .

"ما العلاقة التي تجمعنا انا و انت ؟ و أي مون هي الحقيقية ؟"

"إسأل سؤالا واحدا فقط لاعرف كيف اجيبك ." ردت مون بسرعة ما جعل إيثان يتنهد معدلا كلامه .

"إبدئي بطبيعة العلاقة بيننا ."

ردا ، حدقت به مون لبعض الوقت قبل ان تجيب .

"نحن لم نكن قط مجرد قائدة و عضو فرقة صيد ، بل يجمعنا شيء اعمق .. لقد كنا .." قالت مون بتردد كلماتها التالية .

"كنا نحب بعضنا البعض ."

ما قالته مون ، جلب الصداع لإيثان .

"كنا عشاقاً ؟" هو سأل ، ما جعل مون تفكر لبرهة .

"علاقتنا لم تكن بالعادية ، فهي لم تغادر اطار هذه الغرفة ، و لم يعلم احد بها .. لذلك لا اعلم ما إذا يمكنني القول اننا كنا عشاقاً ."

قالت مون ملتزمةً الصمت لثانية قبل ان تتابع :

"بما اننا الوحيدان اللذان يعلمان حول الامر ، كان لدي امل بأنك لم تنسى الامر .. لكنني كنت متفائلة أكثر مما يجب ."

ردا ، رفع إيثان يده مستوقفا اياها مرة بعد .

"أتخبرينني ، أنني انا و انت كنا نحب بعضنا البعض .. لكن علاقتنا كانت سرية لا يعلم عنها أحد سوانا ؟"

أومأت مون .

"هذا صحيح ."

تأكيدها زاد الحرارة داخل دماغه .

لكن الامر المثير للسخرية ، هو أن العديد من الاشياء باتت منطقية الآن بعدما علم الحقيقة .

لماذا بدت مضطربة بشكل خاص عندما علمت انه فقد الذاكرة .

اهتمامها المبالغ به ، رغم انها كانت ستفعل المثل على الارجح من أجل بقية فرقتهم .. لكن مشاعرها كانت تخرج كثيرا للسطح عندما يتعلق الامر به .

"انا لا افهم .. لماذا قد نحافظ على شيء كهذا سراً بيننا ؟ الامر برمته يبدو غير واقعي لي ."

مون تنهدت ، آخذةً على عاتقها الشرح بشكل كامل .

"لقد كنا نحافظ على الامر سرا بطلب منك .. و بسبب علاقتك مع المايدن خاصتك ."

مون اشارت لشيء كان إيثان قد نساه بالكامل .

"لوسيل .."

بذكر الاسم ، ابدت مون كراهيةً تامة للاميرة الغريبة .

"تلك الاميرة كانت مهووسة بك ، و خشينا ان تفعل شيئا ما لك إذا ما علمت بما بيننا ."

بمعنى آخر .. يمكن القول لعنة الدم هي ما كبحهم ..

هوس الاميرة تحول الى كره الآن من بعد فقدان إيثان ليده و اصابة جسده بعدة ندوب دائمة لا تزول .

ما جعله بشعا بنظرها .

لو كان إيثان لا يزال نفسه القديم ، لما ردعهما شيء بعد الان هو و مون .

لكن مشكلة جديدة ظهرت الآن .

إيثان لم يعد الشخص نفسه . و حتى لو احبها القديم ، الا أن الجديد لم يفعل.

مهدئا من روعه تماما ، هو عاد لمزاجه المعتاد تدريجيا .

"ماذا عن سؤالي الآخر ؟ ايهما الحقيقية ؟" سأل بنبرة اعمق .

من هي مون هارت الحقيقية ؟

التي رآها بساحة المعركة و عندما تم الحكم عليه ؟

أو الماثلة امامه الآن ؟

مون اعطت اجابتها دون تردد :

"كلاهما ."

"ماذا ؟" سأل إيثان ، متفاجئا من اختيارها لكلا النسختين .

"ما رأيته مني حتى الآن ، هي مون هارت التي ولدت من توقعات الناس ، قائدة لا تنكسر ، محاربة لا مثيل لها داخل ساحات المعارك ، و موهبة جديرة بأن تكون حفيدة الإمبراطور غير المتوج. " هي قالت ، قبل ان تشير لنفسها .

"اما ما تراه الان ، فهي الفتاة التي تختبئ تحت كل تلك التوقعات .. تخفي نفسها باقنعة متقنة الصنع "

ابتسمت مون ، مثل أي فتاة عادية أخرى بوجه إيثان .

"نسخة مني لم يراها احد من قبل .. لا حد ، سواك ."

ما قالته مون بالنهاية ، جعل شعورا غريبا يعتري ايثان .

شعور من المرارة ، المصحوبة بالصداع .

لم يكن الامر يحتاج عبقريا ليعلم ، ان مون تحبه حقا .

تحبه لدرجة انه أرته حقيقتها التي لم ترها لاحد من قبله .

الوحيد الذي لا ترتدي القناع امامه .

'هذا رائع و كل شيء .. لكن .'

حدق إيثان بها ، مضطربا .

'هذه المشاعر .. ليست موجهةً لي انا ..'

ليس له ، بل صاحب الجسد من قبله .

اظهارها لهذه المشاعر القوية تجاهه ، لم يجلب له أي سعادة ، بل اعطاه شعورا من الغثيان .

لانه سرق كل هذا من إيثان هارت الحقيقي .

ابتسامتها تلك ، حبها هذا ، كل شيء ..

كلها كانت تخص شخصا آخر .

لهذا السبب بالذات ، هو لم يستطع قبولها . لم يقدر على أن يجبر نفسه .

محدقا بها ، جادا تماما هو قرر انهاء الامر قبل ان يبدا .

"مون .. أنا آسف ." هو قال ، متابعا بنبرة حاسمة .

"لا اعلم ما كان بيننا بالماضي ، لكنني لا أستطيع مبادلتك هذه المشاعر التي تكنينها تجاهي ."

هو رفضها ، ما جعلها تتفاجأ و بعض معالم الصدمة بادية عليها .

لكنه واصل قبل ان تقول اي كلمة .

"بنظري ، انا بالكاد التقيتك البارحة .. اعرفك منذ يوم واحد .. ممتن لك على كل ما فعلته من اجلي ، اجل . اقدر العلاقة بيننا كصيادين ، اجل .. لكن هذا كل شيء ."

مجددا ، هو اعتذر .

"أنا آسف حقا ، لكنني مضطر لرفض هذه المشاعر ."

إيثان كان حاسما ، و قطع كل شيء منذ البداية .

بالمقام الاول ، هو لم يكن يؤمن بمفهوم الحب أساسا نظرا لتجاربه السابقة .

و حتى و لو كانت مشاعر مون حقيقية له .. هو لم يستطع ببساطة ان يقبل بها ، لانه لا يبادله اياها .

مون أبدت بعض علامات الصدمة ، و الاسى بالبداية .. لكنها سرعانما تمالكت نفسها بسرعة مذهلة .

أعصابها كانت من حديد .

"أنا ارى .. إذا انت لم تفقد ذاكرتك فحسب ، بل كل شيء آخر أيضا ."

مون ابدت بعض الحزن ازاء ذلك ، لكنها سرعانما ابتسمت . ما فاجأ إيثان .

"مون .. "

"لا داعي لتشعر بالشفقة تجاهي ، ولا الندم حيالي . فهذه ليست نهاية العالم بالنسبة لي "

نهضت مون من مكانها ، تمرر يدها على مختلف ما يوجد داخل الغرفة ، و كأنها تودعها .

"حتى و لو خمدت النار ، فهي لن تموت .. و من الرماد ، ستنهض نار أخرى جديدة مماثلة لها ، بل و اعظم منها ."

مستمعا لها ، إيثان فهم ما كانت تعنيه .

لكنه لم يقل شيئا ردا ، و مون لم تتوقع منه الرد اصلا .

مستديرة نحوه ، اعطته ابتسامةً حلوةً .. على الارجح لم و لن يراها غيره ، و كأنها المرة الاخيرة .

"آسفة على اقتحام غرفتك يا إيثان ، و اعدك انها ستكون الاخيرة ."

هي احترمت قراره تماما ، و لم تعاند من بعد رفضه لها .

"من الغد ، نعود كمجرد رفاق جمعهم الصيد .. لن يتغير شيء .. فقط سننسى ما جرى هنا ، و كأنه لم يحدث ابدا ."

كل كلمة قالتها ، لابد و أنها كانت تتألم حيالها .

لكنها اخفت كل شيء ببراعة ، كما هو متوقع منها .

"لكن ، فالتعلم جيدا يا إيثان ، أن القلب لا يكذب ." هي قالت بنفس الابتسامة ، بينما لفت نفسها برداء اسود .

"القلب ، يتبع ما يهواه القلب .. و شئت ام ابيت ، قلبك وجد ما يهواه بالفعل ."

بهذه الكلمات ، تركته مون بينما فتحت النافذة .. مغادرة من خلالها ببراعة و خفة كالظل دون ان يلحظها احد .

بمجرد مغادرتها .. تنهد إيثان منهارا فوق كرسيه .

لقد فهم ما قصدته مون .

هي لم تكن بالفتاة العنيدة ولا اللحوحة .

هي تعلم كيف تقدر المسافة ، و اعادت علاقتها به كقائدة و صياد تابع من بعد رفضه لها .

لكنها لم تستسلم حياله .

مدعيةً انه و مثلما احبها مرة ، ستجد مكانا بقلبه مرة أخرى .

إيثان اطلق ضحكةً جافة ازاء ذلك .

"آسف ، لكن قلبي فاسد .. ملتوي و بشع لا يملأه شيء سوى السواد ."

ببطء ، نهض ايثان مطفئا الاضواء .

نزع ملابسه بسرعة ، و ارتمى فوق سريره . يحدق بالسقف .

بفضل ما حدث ، طار كل النعاس منه و حل الارق بدلا منه .

"كما توقعت تماما .. العلاقات البشرية معقدة ، ولا تناسبني ."

بدا و كأنها لن تجلب له شيئا سوى الالم ، و الارق الذي نال كفايته منه .

مون التي تعلق قلبها بشخص ميت .

و هو الذي اصبح مجبرا على استقبال تلك المشاعر ، مدركا انها ليست له ، بل لشخص آخر .

بدا و كأن كلاهما قدر لهما ان يعانيا معا ، كلٌ بطريقته الخاصة .

لكن .. إيثان استطاع النوم بتلك الليلة .

متأكدا من انه اتخذ القرار الصحيح ، عندما رفض فتاةً لاول مرة بحياته .

2026/02/19 · 23 مشاهدة · 1953 كلمة
نادي الروايات - 2026