بفراغ مظلم لا طعم ولا لون له ..

تردد صدى .

صدى لصوت عميق و غريب لم يعتد عليه بشري .

و كان ذلك ، عندما فتح أعينه أخيرا.

لم يرَ شيئًا.

لم يكن هناك أرض ولا سماء، لا ضوء ولا ظلال. فقط العدم .. واسع، خانق، ساكن إلى حدٍ يجعل أنفاسه تصطدم بالصمت نفسه وتختفي.

ثم أدرك أنه يقف… أو يطفو. لم يكن يعرف. لم يكن حتى متأكدًا إن كان يملك جسدًا بعد الآن.

إيثان وجد نفسه مذعوراً غير قادر على استعاب أو تمالك نفسه .. ظنه حلما في البداية ، بل كابوساً .

لكن الاحلام لا تبدو هكذا بالمقام الأول .

"أين أنا ؟ هل أنا .. ميت ؟" راودت هذه الفكرة عقل إيثان ، متذكرا الانهيار المفاجئ الذي تعرض له ..

ظن أن ما ذاك سوى اغماء مؤقت من التعب ، لكن وضعه الحالي جعله يدرك مدى سذاجة ظنه هذا .

في البداية ، ظنّ أنه ميت.

لكن الموت لا يبدو بهذه الكثافة. لا بهذه الحقيقة.

و فجأة ، جاء الصوت الأول .

لم يكن يأتي من اتجاه محدد، بل من داخله، من حوله، من كل نقطة في هذا الفراغ.

الامر اخذ ابد الدهر من إيثان ليعتاد على هذا الفضاء الغريب ، مكان بدا اشبه بنقطة الربط بين الحياة و الموت .

ثم جاء الصوت الثاني .

و كان ذلك عندما استطاع ايثان رؤيته أخيرا ..

رافعا رأسه نحو الاعلى بقمة الفراغ ، رأى ايثان ما جعل عقله يتوقف عن العمل لبعض الوقت .

"هاها .. لابد أنني فقدت عقلي ."

ايثان اظهر علامات الجنون ، من بعد ما رآه .

كيان مظلم ، اشبه بقلب عملاق ينبض بالحياة .

كتلة لحم متحورة ، خرجت منها العديد من الابواق .

أبواق اخرجت موجات صوتية اعادت كل واحدة منها تشكيل روح ايثان من الصفر .

ذلك الكيان .. القلب العملاق ..

بنظرة واحدة ، ايثان ادرك أن ما يراه امامه الآن ليس بالكيان العادي ، بل مخلوق يتجاوز نطاق فهمه بكثير ..

أبواق نهاية العالم المنبثقة منه أخرجت الصوت نفسه مرارا و تكرارا .

و مع كل موجة ، إيثان كان يموت ثم يعود للحياة إلى أن استقرت روحه على هيأة واحدة مستقرة لا تتأثر بنداء الهاوية الذي اصدره القلب العملاق .

في تلك اللحظة ، استطاع ايثان التنفس أخيرا .. لتهرب شهقة طويلة من فمه ، و تنعش الانفاس الباردة رئتيه ..

أعينه تبللت بالدموع ، و اطرافه تجمدت تماما بعدما لم يعد يفهم شيئا ..

"مالذي .. مالذي .." قال ايثان بشفاه ترتجف ، و عقل يكاد ينهار من الضغط ..

"مالذي يحدث لي بحق الجحيم ؟"

غطى ايثان رأسه ، متقوقعا حول نفسه خائفا و مرتعبا من الجنون الذي يحدث معه .

و كأن أسوء كوابيسه قد تحول الى واقع حي يطارده .

لوهلة ، بدا و كأن الجنون لن ينتهي قط .. و هذا ما إعتقده ايثان بصدق ..

لكن بصيص الضوء و النور الأول قد جاء .. على شكل صوت آخر مغاير لأبواق نهاية العالم .

صوت بشري .

"إرفع رأسك يا إيثان ، فأنت بمأمن هنا "

لقد كان رجلا .. صوته مألوف ، لكن ايثان لم يستطع تحديد هوية صاحبه بالبداية . ليس من خلال الصوت وحده .

لذلك ، رفع إيثان رأسه ببطء ، ملقيا بنظرة معمقة على هذا الضيف الجديد الذي انضم الى الكابوس .

لكن ما رآه جعله يشكك بأعينه ، فهو يعرف ذلك الرجل بالفعل ..

على عكس المخلوق بالاعلى ، الرجل امامه كان آدميا .

تلك الاعين الضيقة ، و تسريحة الشعر التقليدية المرتبة .. رجل رأى صوره كثيرا طيلة حياته ، فلا يوجد لاعب لا يعرفه .

"انت .. إيشيزاكي ؟!!" صاح ايثان ، بعدما ظهر مطور الالعاب الاكثر شهرة امامه .

الامر لم يكن صدفة ، فإيشيزاكي هو آخر شخص تحدث معه ايثان قبل أن ينهار ، ثم هاهو ذا يظهر امامه بهذا الكابوس .

كل هذه كانت عوامل جعلت عقل ايثان الباطن يُحمل ايشيزاكي مسؤولية كل شيء ..

بدأً من انهياره .. وصولا للوضع الغريب الذي وجد نفسه فيه .

خطوة تلوى الأخرى ، ركض ايثان باقصى سرعته غير آبه بالمكان الذي يضع قدمه فيه .. محاولا بلوغ ذلك الرجل.

ممسكا به من ياقته ، انفجر ايثان غاضبا :

"إيشيزاكي .. ايها اللعين ، مالذي فعلته بي ؟!"

رغم الغضب البادي على وجهه ، الا ان أيدي ايثان كانت لا تزال ترتعش خوفا من وضعه الحالي ..

اما ايشيزاكي ، فقد ظهرت المفاجأة بشكل جلي على وجهه .

"جئتك واضعا ببالي عدة احتمالات حول الطريقة التي ستتفاعل بها معي .. لكن علي أن اعترف ، انا لم اتوقع هذا ." قال ايشيزاكي ، بينما ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه .

فوق رؤوسهم ، ذلك المخلوق الشبيه بالقلب واصل اطلاق نفس الصوت المأساوي من ابواقه ، و كأن هذا العالم سينهار باي لحظة .

ايثان من جهة أخرى قد شد قبضته حول ايشيزاكي متمسكا به بقوة أكبر .

"مالذي تتحدث عنه ؟ ألم أسألك سؤالا للتو ايها اللعين! ؟" واصل ايثان الصراخ و الاضطراب بادي على وجهه ، لكن ايشيزاكي لم يتأثر كثيرا بنبرة نظيره الخشنة.

"اجل اجل .. سأجيبك ، لكن اولا .. فالنصحح موقفك الفظ هذا ."

بمجرد تلفظ ايشيزاكي بهذه الكلمات ، ضربت قوة غريبة غير مرئية جسد ايثان ، قاذفةً به بعيدا إلى أن بلغ مكان وقوفه الاصلي ..

هذا الاخير شهق مضطربا ، غير قادر على مجاراة كل هذا الجنون .

اما ايشيزاكي ، فقد عدل ياقته بهدوء .

"نعم ، هذه هي المسافة المنطقية بيننا .. فنحن رجال متحضرون ." .

بدا المطور الغريب .. مرتاحا تماما .

لكن و على عكسه ، الضربة الاخيرة قد كانت بمثابة رصاصة الرحمة لاعصاب ايثان و اتزانه العقلي .

فهو لم ينهض قط من بعد سقوطه ..

ارجله ارتجفت رافضةً الامتثال له ، و قلبه كاد ينفجر داخل صدره.

وجهه تلوى و تلوى ، بينما ابتلت اعينه .

من جهة أخرى ، حك ايشيزاكي شعره متعجبا مما رآه .

"هيا الآن .. بحقك ، لا تخبرني انك ستجهش بالبكاء ."

طريقة حديث ايشيزاكي لم تناسب الوضع بتاتا ، فهو كلم ايثان و كأنه يكلم صديقه الحميم بينما يشرب الاثنان داخل حانة قديمة .

"إذا كنت ستفعلها ، فقم بذلك في مكان لا تراك فيه عيني ."

"إخرس .." رد ايثان متلعثما بالكلام ، قبل ان يهتز صدره نزولا و هبوطا محاولا التنفس بشكل صحيح .

"أرجوك .. فالتنهي هذا الكابوس فحسب ، أقتلني أو ايا كان ما يتطلبه الامر .. فقط ضع نهاية لكل هذا ." ترجى ايثان ، بينما امال ايشيزاكي رأسه و نفس الابتسامة المستفزة مرسومة على وجهه .

"أقتلك ؟ و كيف اقتل شخصا قد مات بالفعل ؟"

هذا الرد الساخر بالذات .. جعل عقل ايثان يتوقف للحظة مستوعبا الوضع .

"مالذي قتله للتو ؟" سأل مجددا ، فأكد المطور معيدا كلامه.

"أنت ميت يا ايثان ، فقدت حياتك بمجرد انهائك للعبة ." اخبر ايشيزاكي نظيره ايثان بهذه الاخبار الثقيلة مستخدما نفس النبرة الساخرة ، و كأن الامر لا يعني شيئا .

لوهلة ، عم الصمت بين الاثنين ، و لم يفعلا شيئا سوى التحديق ببعضهما البعض .

بنظرة واحدة ، اكتشف ايشيزاكي ما كان يفكر به ايثان .

"أنت تعتقد أنني أكذب اليس كذلك ؟"

"بالطبع افعل ! إذا كنت ميتا ، فكيف لا ازال قادرا على التواجد هنا اخوض محادثة معك ايها الداعر اللعين ؟" انفجر ايثان مرة أخرى ، ما جعل ايشيزاكي يهدئه ملوحا له بكلتا يديه .

"إهدأ ، إهدأ ، قلت أنني سأشرح كل شيء أولم افعل ؟"

مشى ايشيزاكي ببطء ، واضعا يده اليسرى داخل جيب بذلته الفاخرة ، اما اليد اليمنى فقد رفع بها اصبعا بوجه ايثان .

"أولا ، انت ميت ولا شك بذلك .. فأنا المسؤول عن انهاء حياتك بالمقام الاول ." بصق إيشيزاكي ادعاءه هذا بوجه ايثان الذي تلوى وجهه مظهراً عبوسا كاملا .

"هاه ؟"

"لا داعي لتنظر الي هكذا ، فأنت كنت ستموت قريبا على أي حال بسبب مرضك ." قال إيشيزاكي ، مواصلا المشي بدوائر حول ايثان .

"هذا المكان الذي نتواجد به ، هو ما يسمى بمنطقة العبور ، يمكنك القول أنه عالم غير مادي يتواجد ما بين الحياة و الموت ."

توقف ايشيزاكي للحظة ، رافعا اصبعه للاعلى .

"أما ذلك المخلوق الغريب بالاعلى ، فهو ما يسمى بالحاكم الخارجي .. حاكم من عالم آخر."

"أنت لا تستطيع فهمه ، أو رؤية شكله الحقيقي لانه شيء يتجاوز نطاق فهمك .. بالتالي هو يتهيأ لك بهذا الشكل القبيح ." قال ايشيزاكي ، واضعا كلتا يديه داخل جيوبه .

"اما انا ، فأكون رسول هذا الحاكم.. و من خلالي يمكنه نقل ارادته و أفكاره للمخلوقات الفانية من امثالك يا ايثان ."

كل كلمة يقولها ايشيزاكي ، قد رنت عميقا داخل ايثان .. و هذا ما جعل المطور الملعون يبتسم بسعادة .

"لابد انك ادركت الامر يا ايثان اولم تفعل ؟"

انحنى إيشيزاكي واضعا وجهه امام الخاص بايثان .

"المصطلحات التي استخدمها .. هي ليست بالغربية عليك اليس كذلك ؟"

اله خارجي ، رسول ، عالم آخر ..

و كأنه يتحدث عن ..

"أورديل .." قال ايثان بدون وعي ، ما جعل ايشيزاكي يومئ بسعادة قائلا :

"هذا صحيح ."

نهض المطور مرة اخرى ، مواصلا شرحه .

"أنت هنا لتنال مكافأتك ، و لتكون البطل الجديد الذي سيخوض المغامرة .. المغامرة التي لم يستطع أحد النجاة منها ."

تحمس ايشيزاكي لقول المزيد ، لكن ايثان اوقفه رافعا راحة يده بوجهه .

"مهلا مهلا مهلا ! توقف للحظة !" صاح ايثان ، قبل ان يقفز من مكانه واقفا .

"أنا اعاني هنا لفهمك ، و ها انت تجلب سيرة اورديل من العدم .. اليست تلك مجرد لعبة طورتها بنفسك ؟!"

كإجابة ، هز ايشيزاكي رأسه .

"بالطبع لا ، فأورديل ليست بلعبة .. بل هي محاكاة لعالم حقيقي باحداث مماثلة تماما ." قال المطور المجنون ، عارضا الحقائق .

"عالم اوريدل حقيقي تماما ، مثل العالم الذي كنت تعيش فيه .. لكنه حالة خاصة ، عالم فوضوي بدون اله يحكمه و قد عث فيه لورد الظلام الغامض الكثير من الفساد و الدمار .. "

ما قاله إيشيزاكي للتو لم يكن بالجديد على ايثان ، فهو يعرف قصة اورديل بالفعل و كيف نالت لعنة الظلمات من عالمها ، و عاث لورد الظلام الفساد بأرضها ..

"الوضع بعالم اورديل خرج عن السيطرة تماما ، و لم يعد هنالك من طريقة لانقاذه .. لذلك تحركت الالهة الخارجية ، مستخدمين قوتهم لاستدعاء ابطال من عوالم أخرى ، ابطال مهمتهم انقاذ العالم و قهر لورد الظلام " قال ايشيزاكي ، قبل ان يشير لايثان .

"و هذا ما تكون عليه انت ، ايها اللاعب ايثان .. او بالاحرى .. البطل الذي تم اختياره ليحارب اللعنة ."

بمجرد انهاء ايشيزاكي لكلامه .. عم صمت طويل و خانق بينه و بين ايثان .

هذا الأخير اخذ وقتا طويلا يفكر فيه بكل ما سمعه ، محاولا استعاب الحقيقة التي لا يتقبلها عقل عاقل .

اول ردة فعل ابداها ايثان .. كانت الضحك .

"بفتتت .. هاهاهاهاها ..."

هو ضحك .. و ضحك ، و ضحك .. الى أن دمعت عيناه .

كل ذلك تحت انظار ايشيزاكي ، و الكيان العجيب اعلاه .

ضحك طويلا ، قبل ان يمسح دموعه بطرف اصبعه ، بينما امال ايشيزاكي رأسه بابتسامة عريضة .

"إذا ؟ ما هو الامر المضحك ؟"

ردا على هذا السؤال ، لوح ايثان بيده بشكل محموم .

"آه ، آسف ، آسف .. فقط ، انا أجد الامر مضحكا .. اعني ، ما تقوله الآن يشبه حبكة تلك الروايات الرخيصة التي كنت اقرأها بالماضي ."

"لكي افهم الامر بشكل صحيح ، انت على وشك جعلي ادخل عالم اورديل لاحارب لورد الظلام و لعنته اليس كذلك ؟ امر اشبه بالتناسخ .. أو الانتقال من عالم لآخر ."

بسماع هذا .. أومأ ايشيزاكي .

"لديك طريقة فريدة لوصف الامر ، لكن اجل .. سيحصل لك شيء مشابه لما قلته للتو ."

بمجرد تأكيد ايشيزاكي لشكوك إيثان ، جلس هذا الأخير فوق الارض المظلمة بينما اختفى ارتعاشه بالكامل و كأنه اكتسب الثقة أخيرا .

"يالها من قصة مبتذلة .. انا لا افهم ، لماذا علي ان افعل شيئا كهذا بحق الجحيم بالمقام الاول ؟ اعني .. لقد أمضيت سنين احاول قهر اللعبة و انا اعلم جيدا كم عالم اورديل جحيمي و غير مناسب ليعيش المرأ بداخله ."

استلقى ايثان فوق الأرض ، و كأنه ينام الآن داخل غرفته الخاصة و ليس أرض غريبة وصفت بانها عالم ما بين الحياة و الموت .

"لقد قلت ان ذلك الشيء بالاعلى هو إله ، اليست الآلهة مخلوقات شديدة القوة ؟ بهذه الحالة لماذا لا يتدخل بنفسه و ينظف هذه الفوضى بدلا من ارسال مدمن العاب تافه مثلي ، هذا الوضع برمته غير منطقي .."

رغم ان ايثان كان يقول كل ما بباله فحسب و لم ينتظر اجابة ، الا ان اشيزاكي اجاب على هذا الافتراض بالفعل .

"للاسف ، الآلهة الخارجية لا تستطيع التدخل بما يحدث في العالم المادي ، لذلك لا يملكون خيارا سوى استدعاء ابطال من عوالم أخرى موكلين اياهم المهمة .. عن طريقنا نحن الرسل ."

"و يفترض بي انا ان اكون هذا البطل المزعوم ؟" تنهد إيثان ، متسائلا كيف آل به الامر إلى هذا الوضع ؟

مدمن العاب لا يغادر غرفته يصبح فجأةً البطل الموعود لنوع من الكيانات الغريبة .. كيان يدعي انه اله من عالم آخر .

كل ما قاله إيشيزاكي بدا سخيفا له ..

لكن تعابير ايثان تغيرت فاجأةً ، عندما تذكر تفصيلا معينا بما قاله المطور ..

رافعا رأسه ، محدقا به .. هو سأل :

"لقد قلت "ابطال" .. هل هذا يعني أنني لست الوحيد الذي مر بهذا الهراء ؟"

ردا على هذا السؤال ، أومأ ايشيزاكي .

"كما اسلفت الذكر ، لقد تم استدعاء ابطال كثر من عوالم مختلفة بغية انقاذ عالم اورديل ."

"أورديل ليست بمجرد لعبة ، بل هي محنة كونية تداخلت مع عدة عوالم أخرى ."

"مثلما عشتها انت كلعبة ، عاشها اخرون بطرق مختلفة .. رواية خيالية ، محاكاة ، قصة مصورة .. و العديد و العديد من الامثلة الاخرى ."

بسماع هذا ، ضحك ايثان بخفة .

"و انا من اعتقدت أنني مميز ."

ردا على هذا ، ضحك ايشيزاكي هو الآخر قائلا :

"ماذا ؟ هل حسبت نفسك المسيح أو شيء من هذا القبيل ؟ هيهي .. آسف لتخييب ظنك ."

اقترب ايشيزاكي ببطء من إيثان محدقا به بنظرة غريبة ، مختلفة تماما عن نظرة الاستخفاف التي رمقه بها حتى الآن .

"لكنك لست مخطئا بالكامل يا إيثان ، فأنت مميز ."

ببطء .. بدأ الضباب ينتشر بشكل اكبر .. و كأن اشباحا كانت تتراقص حول ايثان و ايشيزاكي ..

الاثنان اللذان تبادلا أطراف الحديث غير آبهين بما يحدث من حولهما ، و لا ذلك الكيان العجيب من فوقهما .

"حتى الآن .. تم استدعاء عدد كبير من الابطال في سبيل انقاذ عالم اورديل .. مجموعة مميزة من المحاربين كل واحد منهم يستطيع بدأ حكاية خاصة به .

لكنهم فشلوا .. فشلوا جميعا يا ايثان ." قال ايشيزاكي بينما تبدلت تعابيره للجدية لاول مرة منذ لقائهما .

"انت يا إيثان ، هو الاخير .. آخر من يتم استدعائه ، فرصتنا الاخيرة ."

فجأة .. تذكر إيثان المحادثة الغريبة التي خاضها مع المطور ايشيزاكي عندما انهى اللعبة ..

هذا الأخير قال شيئا مشابها .. قالها بالحرف الواحد : فوزه اعطاهم الامل ، بأنهم لا يزالون يملكون فرصةً للنجاة .

"فكر بالامر يا إيثان ، أليست هذه هي الفرصة الحقيقية التي لطالما رغبة بها ؟" حدق ايشيزاكي بايثان و اعينه تروي الكثير .

"هل سترضى بانجاز تافه مثل الشخص الذي قهر لعبة ؟ اعني .. مالذي يضمن انه لن يأتي شخص آخر من بعدك ينهيها ايضا ؟"

إيشيزاكي ضرب مكانا حساسا ، فوجه ايثان ابان عن عبوس شديد ..

"إذا سألتني .. فما هذا سوى انجاز تافه سينساه الجميع سريعا ." المطور كان يستخف عن عمد بما حققه إيثان .. يستخف بالانجاز الوحيد الذي حققه بحياته ، و هذا ما اثار غضبه .

"مالذي تعرفه انت عما مررت به ؟ بأي حق يستطيع امثالك الحكم علي و على ما حققته ؟!" صاح ايثان بغضب ، لكن ايشيزاكي اجابه فورا رادعا اياه .

"أنا اعلم يا ايثان ، فقد كنت اراقبك طوال الوقت .. لا احد يفهمك بقدر ما افعل انا ، كن متيقنا من هذا ."

وقف اشيزاكي امام ايثان ، ماداً يده له .

"لهذا السبب ، انا اعرض عليك هذه الفرصة ."

تزامنا مع كلمات المطور هذه ، اصدر القلب المظلم بالاعلى نداءا آخر هز به الفراغ باكمله ..

"الرجل الذي قهر اللعنة ، و هزم النايت لورد .. محققا ما عجز عنه كل الابطال من قبله .. كيف يبدو هذا يا ايثان ؟ رنان اليس كذلك ؟"

"إفعلها .. قم بانهاء اللعبة مرة أخرى بنفسك ، و ستحصل على كل شيء .. انجاز لن يستطيع احد تكريره سواك ، و ليس هذا فحسب ."

رفع ايشيزاكي رأسه ناحية الكيان اعلاه .

"إذا ما نجحت ، فسيحقق لك سيدي أي امنية يرغب بها قلبك ، سواءا ان تولد من جديد في عالمك الاصلي ، او تواصل الحياة بعالم اورديل .. الثروة ، المجد .. أي شيء ."

"كل ما عليك فعله ، هو أن تقهرها يا ايثان .. تقهر اورديل ."

بهذه الكلمات .. قال ايشيزاكي كل ما لديه ، تاركا كل شيء بيد ايثان .

هذا الأخير جلس ساكتا ، يحاول فهم موقفه بالضبط .

بدا و كأن المطور ايشيزاكي يحاول اعطائه الدافع .. سبب حقيقي و واقعي يقاتل من اجله .

و الا لما تكبد عناء احضاره الى هنا ، و لقذفه مباشرةً داخل عالم اللعبة .

لكنه لم يفعل ذلك ، ما اعطى بعض المصداقية لكلامه .

بدا و كأن ايشيزاكي يؤمن حقا بإيثان ، حتى و لو حاول اخفاء الامر تحت نبرته الساخرة .

باخذ وضعه بعين الاعتبار ، لم يكن من الصعب اتخاذ القرار .

ايثان نهض ببطء ، و تصميم جديد ينعكس من خلال اعينه .

"سأفعلها ، سأقهر هذه اللعبة اللعينة مرة أخرى ." قال إيثان بنبرة ثقيلة .

اما ايشيزاكي ، فهذا ما اراد سماعه بالضبط .

"شكرا يا ايثان .. شكرا لك ." بكلمات الامتنان ، حسم الامر و باتت رحلة البطل الأخير على وشك أن تبدأ .

2026/02/11 · 89 مشاهدة · 2873 كلمة
نادي الروايات - 2026