سقط الشيطان الحديدي أخيرا.
جسده العملاق ارتطم بأرض آشفارن القديمة كنيزك أسود، فاهتزت الشوارع القديمة بعنف، وتشقق الحجر العتيق تحت وزنه بينما اندفعت موجة من الغبار والدم الأسود عبر الأزقة المحطمة. للحظة قصيرة جدا، بدا وكأن المدينة بأكملها قد توقفت عن التنفس. ثم تبخر الشيطان الحديدي من الوجود و اختفى جسده بشكل سحري .
ما اثبت انه هزم أخيرا .
ثم ظهرت الواجهات.
…
لقد قتلت : الشيطان الحديدي - رتبة ملك.
تم الحصول على الأرواح : 50000 سولز.
…
هذه الرسالة ظهرت خصيصا لجاكسون .
كما ظهرت غيرها أمام جميع المشاركين بالمعركة اللذين تسببوا بضرر حقيقي للشيطان ، لكن الأعداد اختلفت بشكل واضح من شخص لآخر.
جاكسون حصل على النصيب الأكبر دون منازع، بعدما تحمل العبء الحقيقي للقتال منذ البداية وحتى النهاية، بل وحتى روح الزعيم نفسها ذهبت إليه. أما مون، فقد حصلت على كمية هائلة من الأرواح هي الأخرى، بعدما أحرقت جسد الوحش من الداخل بنيران العنقاء. كانت ثاني من تسبب باكبر ضرر .
أما إيثان…
فلم يحصل سوى على أربعة آلاف سولز لا غير.
رغم مساهمته الأخيرة، ورغم أن ضربته اللولبية كانت أحد الأسباب التي فتحت الطريق للنهاية… إلا أنه لم يتسبب بالكثير من الضرر مقارنة بالبقية، ولذلك كان نصيبه قليلا بشكل واضح.
لكن إيثان لم يهتم.
بل على العكس…
أعينه ظلت معلقة على الاشعار بصمت، بينما عقله يعيد المعركة بأكملها داخل رأسه مرة تلو الأخرى، محللا كل حركة وكل خطأ ارتكبه منذ اللحظة التي ظهر بها الشيطان الحديدي أمامه.
'أربعة آلاف…'
'منطقي.'
هو لم يشعر بالإحباط. بل وجد الأمر عادلا.
فلو لم يكن جاكسون موجودا… لماتوا جميعا دون استثناء.
'وحش من رتبة ملك…'
حتى الآن، إيثان كان يفهم الفوارق بين الرتب بشكل نظري فقط. يعلم أن الملوك أقوى، وأن الهوة بينهم وبين النخبة شاسعة، لكنه لم يستوعب ذلك حقا إلا اليوم.
الشيطان الحديدي جعله يدرك الحقيقة أخيرا.
صياد رتبة نخبة لا يستطيع مقاتلة ملك وجها لوجه. ليس بالواقع ، فالحقيقة و اللعبة قد امتلكا فوارق واضحة بات يتعرف عليها مؤخرا.
هو لم يستطع جرحه قط عندما كانت المواجهة مباشرة ، ولم يكن حتى قريبا من ذلك.
كل ما فعله إيثان طوال المعركة لم يكن سوى النجاة.
المراوغة ، شراء الوقت ، خلق فرصة صغيرة للآخرين.
أما القوة الحقيقية التي قتلت ذلك الوحش…
فقد كانت قوة ملك آخر.
"كح… كحهاا…"
صوت السعال الدموي قطع أفكاره.
التفت الجميع ناحية جاكسون.
حالته كانت مروعة.
العملاق بدا وكأنه خرج من داخل طاحونة حرب. الدم سال باستمرار من فمه وأنفه وحتى عينيه، بينما امتلأ صدره وبطنه بعلامات زرقاء وحمراء قاتمة من شدة الضربات التي تلقاها.
شعره الأحمر الطويل أصبح مبعثرا بالكامل، ووجهه المحمر كان مغطى بالدم والغبار، أما ذراعاه…
فبدتا وكأنهما على وشك الانفصال من جسده.
رغم ذلك…
كان لا يزال يضحك.
"هاه… ابن العاهرة ذاك… كاد يقتلني فعلا…"
ضحك جاكسون بخشونة، قبل أن يترنح جسده الضخم للأمام.
لكن رايدن كان الأسرع.
أمسكه قبل أن يسقط، ثم رفع ذراع العملاق فوق كتفه محاولا سحبه بعيدا عن ساحة المعركة بينما غرقت قدماه داخل الأرض من ثقل جسده.
"توقف عن الحركة أيها الوحش…" قال رايدن بصعوبة، محاولا جرّه بعيدا. "إذا واصلت العبث بجسدك هكذا، فسوف تموت فعلا."
جاكسون ضحك مجددا، لكن ضحكته تحولت لسعال دموي آخر.
"الموت…؟ هاه… سيتطلب الامر اثنين من الشياطين الحديدية للنيل مني !…"
"اخبرتك ان لا تتحرك ." نهاه رايدن ،فنظر جاكسون إليه من زاوية عينه، وابتسامته الملطخة بالدماء لم تختفِ.
"منذ متى… صرتَ تعطيني الأوامر… يا فتى؟"
"منذ أصبحتَ على وشك الموت." رد رايدن بعبوس حاملا اياه بعيدا فالقتال لم يكن قد انتهى بعد . لأن العويل الأخير للشيطان الحديدي قد استدعى كوابيس من اعماق المدينة القديمة .
و كان غوستاف و باقي الصيادين لا يزالون يحاولون صدهم بكل ما اوتوا من قوة ، بينما تراجعوا ببطء للخلف .
هم لم يستطيعوا اعطاء الوحوش ظهورهم ، و الا فالموت كل ما كان بانتظارهم .
الوحوش هاجمت باعداد كبيرة و المعركة الثانية تحولت الى فوضى كاملة.
لم يكن هناك تشكيل حقيقي، ولا خطة واضحة، فقط محاولات يائسة للنجاة بينما اصطدمت الجحافل بهم من كل اتجاه. الوحوش كانت كثيرة بشكل خانق، لدرجة أن الشوارع القديمة اختفت تحت أجسادها.
إيثان قاتل بصمت.
سيف منفذ الإعدام قطع الوحوش التي اقتربت منه بسرعة باردة ودقيقة، بينما ظلت عيناه تراقبان كل شيء من حوله دون توقف.
رايدن ظل يدافع عن جاكسون رغم أن ذراعيه بدأتا ترتجفان من شدة الإرهاق.
مون أحرقت الوحوش بنيران العنقاء دون توقف، بينما استمرت لونا بإطلاق التعاويذ لإبطاء التقدم الجنوني للجحافل.
أما غوستاف…فقد قاتل بجنون و اعينه محمرة من الغضب بعد فقدانه لاحد أفراد فرقته .
قاتلوا بضراوة ، لكن رغم ذلك…
الوضع ازداد سوءا بسرعة. فسرعانما مات صيادان آخران بهجمات مباغثة من الوحوش ، احدهما ينتمي للفرقة الاولى ... كان فارسا متمرسا رشيق الحركة لكن ضعيف البنية ..
مخلب احد الوحوش اخترق جسده دون رحمة من الخلف مباغثا اياه منهيا حياته ..
غوستاف رأى الأمر بأم عينيه.
ورغم أنه لم يتوقف عن القتال...
إلا أن شيئا انكسر داخله بتلك اللحظة.
رغم أنه انتقم فورا قاطعا الوحش بسيفه العظيم بوحشية بالغة جاعلا احشاءه تتبعثر بكل مكان ، الا ان ذلك لم يمنحه اي خلاص ، فراح يؤرجح سيفه يمينا و يسارا منهيا حياة ايا كان من يقرب منه.
لكن هيجانه لم يغير شيئا ، بل وكاد المزيد منهم يموتون لولا تدخل لونا.
الساحرة الشابة رفعت كلتا يديها أخيرا، بينما تشكلت عشرات الدوائر السحرية الزرقاء حولها، تدور فوق بعضها البعض بسرعة مذهلة.
المانا انفجرت بعنف.
"يا ارواح الصقيع النائمة خلف حجاب الشتاء ، اخرجي انفاس الليل و افتحي ابواب الصقيع الابدي !"
بنظرة متعبة عمها التوتر ، القت لونا سحرا آخر من المستوى الاعلى ، فتحولت الأرض من تحت اقدام الوحوش الى جليد طعنتهم اشواكه ثاقبةً اياهم .
الهواء نفسه تجمد.
موجة ضخمة من الصقيع اجتاحت الشوارع، جمدت العشرات من الوحوش دفعة واحدة وأبطأت البقية بما يكفي ليفتح الصيادون طريقا للهرب.
"انسحبوا!!"
صاحت مون بأعلى صوتها.
ولأول مرة منذ مدة طويلة… هرب الصيادون.
عادوا نحو الضواحي بحالة يرثى لها ، يركضون من اجل حياتهم .
سحر لونا فتح لهم الطريق و خفف الضغط ، لكن المطاردة استمرت لوقت طويل جدا .. قبل ان يخسروهم بالنهاية و يبتعدوا بما فيه الكفاية .
الغارة التي تعرضوا لهم تركت الكثير منهم مصابا ، و حتى اولئك الذين تجنبوا الاسوء قد باتوا منهكين جسديا .. و نفسيا .
حتى المنتصرون لم يبدوا كفائزين.
بل كمجموعة نجت بالكاد من مجزرة.
…
داخل أحد البونفاير البعيدة…
ساد الصمت مجددا.
النار المشتعلة انعكست فوق وجوههم المتعبة، بينما جلس البعض فوق الأرض مباشرة غير قادرين حتى على نزع أسلحتهم من شدة الإرهاق.
الكاهن كان يحاول علاج جاكسون، لكنه توقف أكثر من مرة وعلامات الذهول واضحة على وجهه.
"هذا… مستحيل."
تمتم بينما نظر لجسد العملاق.
"الكثير من أعضائه الداخلية تحطمت… أضلعه مهشمة، نزيف داخلي، تمزقات بكل مكان…"
رفع نظره أخيرا.
"أنا حتى لا أعلم ما الذي يجب علي علاجه أولا ، بل يصعب علي ايجاد عضو سليم واحد وسط كل هذه الاصابات ..."
الصمت ازداد ثقلا بعد تلك الكلمات.
"بقاؤه حيا معجزة بحد ذاتها."
جاكسون ضحك بخفة رغم الدم الخارج من فمه.
"هاه… ابتعد عني ايها الكاهن اللعين عديم الكفاءة ، انا سأكون بخير بعد بعض الراحة ."
طرد جاكسون الكاهن بعيدا ، مستلقيا فوق الارض الباردة مغمضا عينيه
كل الصيادين حدقوا به بصمت ، ينظرون اليه من منظور مختلف تماما . لأن الجميع فهم الحقيقة الآن.
لو لم يكن جاكسون معهم… لماتوا جميعا.
لم يكن ذلك تقديرًا عاطفيًا، ولا محاولة لمنحه مجدًا إضافيًا بعد المعركة.
كان حقيقة عارية.
هم دخلوا تلك الأرض وهم يظنون أن قواتهم، رغم ضعفها، قد تكفي إن عملوا معًا. ظنوا أن العدد والتخطيط والخبرة يمكن أن يعوضوا الفرق.
لكن الشيطان الحديدي حطم هذا الوهم.
حتى جاكسون كاد يموت.
إذا كان مجرد تابع من الكاتيدرائية قد أوصلهم لهذه الحالة…
فكيف كان من المفترض لهم أن يحلموا بقتل الفارس الذهبي؟
الحالة المعنوية للناجين كانت بالحضيض رغم الانتصار ، و حتى القادة لم يكونوا استثناءا ...
غوستاف جلس بعيدا، ممسكا رأسه بصمت.
البعض نظر إليه باستغراب.
لأن هذه كانت المرة الأولى التي يرون فيها الحزن واضحا على وجه قائد الفرقة الأولى.
هو فقد عضوين من فرقته ، اثنان من الرفاق الذين رافقوه لوقت طويل ... هم لم يكونوا مجرد اتباع بالنسبة له، بل اكثر من ذلك بكثير .
حتى أكثر الهارت قسوة… يتأثر عندما يفقد أحد أفراد فرقته.
الكثيرون شاركوه حزنه ، لكن على عكسهم…
إيثان لم يبدِ أي اهتمام حقيقي بالموتى.
هو جلس بصمت قرب النار، محدقا بواجهة نظامه.
4000 سولز.
كان قليلا . قليل جدا.
'لو استغليت قدراتي بشكل أفضل…'
هو لم يفكر بالقتلى.
ولا بالمأساة.
بل بالمشكلة الوحيدة التي رآها بالمواجهة ... ضعفه.
'الهجوم الولبي نجح فقط لأن مون فتحت لي ثغرة… رغم استخدامي لهالة سيد الليل .. '
'أوڤرشارج كان مفيدا، لكنني استخدمته بشكل سيء.'
'كان بإمكاني شحنه أكثر لو لعبت بشكل أذكى…'
عقل إيثان لم يتوقف عن التحليل.
هو لم يحزن. بل كان يفكر فقط كيف كان يستطيع تقديم أداء أفضل. وكيف يمكنه النجاة بالمرة القادمة.
حتى جاكسون… و رغم انه الوحيد الذي أبدى إيثان بعض الاهتمام الحقيقي نحوه . الا ان اهتمامه لم يكن عاطفيا. بل عمليا.
'إذا مات… سنفقد القوة الوحيدة القادرة على مقارعة وحوش الكاتيدرائية.'
ذلك كل ما فكر به.
وسط هذا الصمت الثقيل، تعطلت الخطة التي جاؤوا بها ، و بات الكثير منهم خائفين من العودة الى المناطق العميقة خوفا من هجوم وحش اخر مشابه للشيطان الحديدي ..
غوستاف كان مكسورا و لم يفعل اي شيء لقيادتهم و رفع حالتهم المعنوية .. و مع عدم قدرة جاكسون على القتال ، تعطل كل شيء .
"الوضع لا يبدو جيدا .. لقد انخفضت اعدادنا كثيرا ، هل حقا سنقدر على تصفية المناطق العميقة .. بقوة كهذه ؟" قال رايدن ، مجتمعا مع افراد الفرقة الثالثة ..
من حولهم ، الفرقة الاولى لم يتبقى منها سوى ثلاثة افراد ، و المتبقون مجرد ناجين عشوائيين من فرق اخرى ..
كانوا اشبه بالاشباح فاقدة الامل .. ما عدا الساحرة الغريبة شيروكي التي ظلت مبتهجة تبتسم رغم كل شيء .
كلما ينظر اليها ايثان ، تبادله التحديق بابتسامة واسعة جعلتها تبدو كالمجنونة ..
تبتسم فقط.
بهدوء غريب وسط هذا الجحيم.
وكأن شيئا مما يحدث لم يكن حقيقيا بالنسبة لها.
إيثان لاحظ ذلك مرة أخرى.
تلك الساحرة…
لم تكن طبيعية.
كلما نظر إليها، شعر وكأنها منفصلة تماما عن الواقع، كأنها تشاهد كل ما يحدث من بعيد دون أن تمسه فعلا.
حتى بعد موت الصيادين…
لم تتغير تعابيرها.
بل بدت مبتهجة بشكل خفيف
ايثان ضيق اعينه محدقا بها ، لكن افكاره قطعت بعدما كسره صوت بارد ..
"قد يرفضون مواصلة القتال بعد كل ما حدث .. " استنتجت مون من الحالة المعنوية لمعظمهم .
الفرقة الثالثة كانت الوحيدة التي حافظت على كل افرادها حتى الان .. ما جعل وضعهم هو الافضل من بين الجميع .
"مالذي سنفعله من الان فصاعدا ؟ فموقفنا سيحدد اذا ما ستستمر هذه الخطة .. ام تلغى ." قالت مون محدقةً بوجوه الجميع رغبة منها بسماع آرائهم ..
إذا ما ارادوا حقا المخاطرة بحياتهم ...
و كان ايثان الوحيد الذي اجاب فورا ، محافظا على نفس موقفه رغم كل ما تعرضوا له :
"سأتحرك و اهاجم الاعماق من جديد فور تعافي هذا العملاق اللعين ." هو اشار للوراء الى جاكسون الراقد خلف ظهره باصبع ابهامه .
"حتى لو اضطررنا للذهاب بمفردنا ، فنحن لن نتوقف .. لان البقاء هنا لن يغير شيئا ."
أومأت مون ردا .
"أنت لن تذهب بمفردك ، فانا قادمة أيضا و اعي جيدا ان هذه فرصتنا الوحيدة ."
قالت مون ، متخذةً جانبه قبل ان تدير أعينها نحو الاخرين محدقةً بوجوه كل واحد منهم .
"ماذا عنكم جميعا ؟" هي سألت ، فقوبلت بالصمت . ما جعلها تضيف :
"قد أكون قائدتكم ، لكنني لن اجبر ايا منكم على القدوم ... القتال ، او القاء هنا و الاختباء ، الخيار خياركم بالكامل .."
"لكن فالتعلموا جيدا ان البقاء هنا لن يغير اي شيء ، فذلك الوحش الراقد هناك امضى مئات السنين يفعل دون نتيجة ." هي اشارت لجاكسون ، معطية بعض الوزن لكلماتها .
عم الصمت لبرهة بعد ذلك ، قبل ان ينطق رايدن قبل الجميع :
"سأذهب ، فأنا لم اقطع كل هذه المسافة لأختبئ الان ."
أومأت مون ، قبل ان توجه اعينها لاختها التي جفلت قليلا بمجرد تقابل اعينهم .
لونا تنهدت بخفة ، بعدما كانت تضبط عصاها السحرية ..
"لا داعي لتنظروا الي بهذه الطريقة ، فانضمامي لا مفر منه ... انسيتم انني الوحيدة التي تستطيع ختم لعنته ؟"
ابتسمت مون قليلا ، سعيدة بموقف اختها .
و الان لم يتبقى سوى اثنين ...
اليسيا ، الفتاة الموهوبة لكن الجبانة التي بالكاد ظلت حية حتى الان بفضل مهارتها بالسيف ، و الشاب تشاي الذي ساعد كثيرا باسهمه و بركة التخاطر خاصته .
إيثان حدق بهما بصمت ، ينتظرهما لقول ما لديهما ..
'بغض النظر عن تشاي ، لا اظن ان أليسيا قد ترغب بالقتال ..'
'فرقتنا هي الوحيدة التي نجا كل اعضائها من بين الجميع ، و حتى الاولى خسرت اثنين .. و كأننا محميون بدرع ما او شيء مشابه '
ايثان لم يعرف ما إذا كانت نجاة فرقتهم باكملها مهارة ، ام مجرد حظ ..
لكن و إذا ما كان حظا ، فهو سينفذ عاجلا ام آجلا بكل تأكيد .
الامر تطلب بعض الشجاعة و الجنون من أجل العودة الى الاعماق و المخاطرة بقتال شيطان حديدي اخر .
و على غير المتوقع ، كان آليسيا اول المتحدثين .
هي تلعثمت قليلا ، بينما رفعت رأسها مواجهةً نظرة مون الثابتة .
"أنا .. لا اريد أن الموت ." هيّ قالت ، ما اعطى انطباعا انها ترفض القتال ، لكنها تابعت الحديث بعد ذلك :
"لا أريد ان اموت .. بهذه المدينة ، ولا رغبة لي بالبقاء مختبئة لمئات السنين ، كما حدث مع ذلك الرجل ."
اليسيا شدت قبضتها ، حاشدة ما لديها من شجاعة و تصميم .
"لدي اخ اصغر بالخارج ، انا عائلته الوحيدة .. و لن ينجو من دوني .. قد اكون جبانة تكره القتال ، لكنني لن أختبئ بالخلف و انتظر دون جدوى ."
"إذا كان الذهاب سيسرع عملية خروجنا من هذه الزنزانة ، فسآتي معكم حتى و لو كانت فرص نجاتنا ضئيلة . على الاقل .. ذلك سيكون افضل من الانتظار هنا ."
آليسيا انضمت ، و بالمثل فعل الشاب تشاي الذي لم يتجاوز الرابعة عشرة حتى .. لكنه امتلك عزيمة لا تقل على اي منهم ..
"أظن أن الحالة نفسها تنطبق علي ، مثل الاخت الكبرى اليسيا تماما .. فوالدتي تنتظرني خارج هذه الزنزانة بمفردها .. و لا نية لي ان اموت و اتركها ."
بهذا... تم تأكيد مشاركة الفرقة الثالثة باكملها ، ما جعل مون تومئ لهم جميعا .
"لننجو معا من هذه الزنزانة ."
من نظراتهم ، طريقة كلامهم و الاجواء بينهم .. شعر ايثان بمدى قربهم .
هو حدق بهم متصلبا قليلا ، بعدما كسر بضهم توقعاته .. خصوصا اليسيا ..
'اذا حتى الجبان .. قد يصبح أكثر الناس شجاعة عندما يتعلق الامر بمن يحب .. هذه هي قوة العلاقات ..'
شعر ايثان انه تعلم شيئا مهما مما حدث للتو ، شيء لم يكن يفهمه تماما نظرا لعدم امتلاكه علاقات من نوع مشابه ، بحيث انه كان يقاتل من اجل نفسه ليس الا .
'هذا النوع من المشاعر لا يمكن توقعه اطلاقا ، و قد يغير موقف البشر بالكامل .. يستحسن ان اضعها بعين الاعتبار من الان فصاعدا .' هو فكر بصمت .
قبل ان يدير رأسه للصيادين الاخرين .
"الان .. يبدأ الجزء الصعب ."
الفرقة الثالثة رفقة جاكسون كانوا جاهزين للعودة الى الاعماق و القتال من جديد . في سبيل اشعال النار و ابقاء امل قدوم المساعدة من الخارج قائما .
لكن ماذا عن الآخرين ؟
بقي 3 افراد من الفرقة الاولى ، و 6 صيادين اخرين من فرق عشوائية .
مون نهضت من مكانها ، و توجهت الى قائد الفرقة الاولى غوستاف الذي كان جالسا بصمت منزلا رأسه للاسفل و اذرعه مستقرة على ركبته .
فرفع رأسه قليلا عندما وجدها تقف امامه .
"إنهض ، يا قائد الفرقة الاولى . هذا ليس وقت الجلوس متكوف اليدين ." هي قالت بعزم .
فرفع غوستاف يده بوجهها .
"ليس الان .. الوقت ليس مناسبا لهذا ، لنتحدث لاحقا" هو حاول صرفها ، غارقا بحزنه و انتكاسته .
لكن مون لم تتحرك من مكانها ، بل رسخت موقفها قائلة : "بل يجب ان نتحدث و تحسم قرارك الان . فنحن لا نملك رفاهية الانتظار كما نشاء."
صوتها كان عاليا بشكل متعمد ، لجذب انتباه الجميع .
"انت هو القائد الاعلى لحملة الصيد هذه ، مسؤولية الحفاظ على تماسكها تعود إليك ."
"ماذا تريدينني ان افعل إذا ؟!" انفجر غوستاف بينما وقف على قدميه و صرخ بوجهها .
"لقد نفذنا الخطة التي أتيتم بها ، و الى اين قادنا ذلك ؟ "
"فقدنا العديد من رفاقنا ، و كدنا نموت جميعا بعد قدوم وحش واحد من الكاتيدرائية !"
"بل نجحنا بما كنا نسعى اليه .. لدرجة أنهم اضطروا لارسال احد اقوى الوحوش من اجلنا ، بعدما استشعروا خطورة ما نقوم به !" ردت مون واقفةً وجها لوجه ضد غوستاف رافضة التراجع .
"تذكر يا غوستاف ، تذكر ما نكون عليه ! نحن صيادون ... اذا ما مات رفاقنا ، نواصل المضي قدما و لا نتوقف أبدا ."
اعين غوستاف إحمرت ، بينما شد قبضته و عدم الاتزان يبدو عبيه بوضوح .
"إذا ما عدنا الى هناك ، فسنموت جميعا ."
فردت مون .
"يبقى ذلك افضل من الانتظار هنا دون جدوى ."
تواجه قائدا الفرقة الاولى و الثالثة ، و لم يتراجع اي منهما ما جعل الصيادين يواجهون مفترق طرق حاسما الان .
مون التفتت للصيادين الاخرين ، بعدما رأت ان غوستاف لن يرضخ .
"فالتختاروا جانبكم جميعا ، إما القتال أو البقاء بالخلف ."
توترت الاجواء بسرعة ، و تصاعد الوضع الى انقسام تام .
مون لم ترد تضييع الوقت ، فهم كانوا عالقين داخل اشفارن القديمة لاشهر الان ، و باتوا منفصلين عن العالم باسره .
"فكروا ، فكروا جيدا بما ستختارون . و اعلموا أن قراركم هذا سيحدد مصيركم ." هي قالت بينما تراجعت ببطء مبتعدة عن غوستاف .
و سرعانما افترق الصيادون لقسمين بين مون و فرقتها الثالثة ، ضد غوستاف و فرقته الاولى .
"مون هارت ... تمردك هذا سيسرع من هلاكنا ليس الا !" صاح غوستاف ، فردت مون فورا :
"نحن هالكون بكل الاحوال إذا ما بقينا هنا ."
مون كانت تتبع غوستاف بصبر حتى الان ، منذ بداية الغارة على اشفارن القديمة رغم أنها اختلفت معه بالكثير من الاشياء ، الا انها لم تتمرد عليه أبدا .. لكنها فعلت الان بعدما رأته غير قادر على قيادتهم بشكل صحيح .
"مون هارت .. لقد خسرنا اثنين من افراد فرقتنا للتو و قائدنا لا يزال يحاول التفكير بما هو افضل من اجلنا جميعا ." تدخل احد افراد الفرقة الأولى ... ساحر متمرس ، محاولا تخفيف التوتر بعدما رأى الانقسام بينهم .
"إمنحيه بعض الوقت رجاءا ، فهو لا يريد موت المزيد منا ليس إلا ."
قال ساحر الفرقة الاولى ما لديه ، فإذا به يتفاجأ من صوت ضحك عالي يصدر من جانب احد افراد فرقة مون .
و سرعانما التفت الجميع نحو ايثان الذي بدأ يضحك دون توقف .. ساخرا مما سمعه للتو ..
"لا يريد موت المزيد منا تقول ؟" ضحك ايثان بصوت اعلى ، ما اثار عبوس معظم افراد الفرقة الاولى .
"أترى فيما قلته للتو شيئا يثير الضحك ؟" سأل عضو الفرقة الأولى بغضب ، فأجابه ايثان فورا .
"بالطبع ، فموقفكم باكمله مثير للضحك ."
"أنت تدّعي بأن قائدك لا يريد موت المزيد من الصيادين ، لكن الحقيقة هي .. ان هذا ليس سوى نفاق منه ."
ادار ايثان اعينه نحو الصيادين الآخرين المتفرقين الذي لم ينتموا لا للفرقة الأولى ولا الثالثة .
"كم عدد الصيادين الذين ماتوا تحت قيادته حتى الان ؟ من الفرقة الرابعة ، الخامسة ، السادسة .. و اي فرقة اخرى عدا فرقته الخاصة ؟" طرح ايثان هذا السؤال ، و اجابه بنفسه .
"الكثير ، اليس كذلك ؟ لكنه واصل القتال دون تردد ... حتى انه اظهر استعداده للتخلي عني رغم انني كنت لا ازال على قيد الحياة ، بسبب اللعنة التي احملها ."
"هذا القائد العظيم القادر على اتخاذ قرارات كهذه ، يسقط ذليلا الان لمجرد فقدانه لافراد فرقته . و هذا خير دليل على ازدواجية معاييره ."
"اخرس .. انت لا تفهم اي شيء .." تدخل ساحر الفرقة الأولى محاولا اسكاته ، لكن ايثان قال كل ما كان بباله على اي حال .
"أنت هو الرجل نفسه الذي لم يهتز رغم موت الكثير من الصيادين ، الرجل نفسه الذي كان مستعدا للتضحية بي دون تردد ، فلماذا ترقض القتال الان من بعد موت افراد فرقتك ؟!
"الحقيقة هي .. انك لست سوى منافق لعين يا غوستاف هارت ." قال ايثان ببرود .
اهانة مباشرة لقائد الفرقة الاولى ، جرأة اثارت دهشة الجميع.
و اثارت غضب الفرقة الاولى تحديدا ، فالساحر امسك عصاه السحرية ، و الفارس الاخر امسك سيفه مستهدفين ايثان .
لكن شخصا ثالثا تحرك قبل كليهما ..
ممسكا بسيفه العظيم ، كتلة من الحديد التي تجاوز طولها المترين و نصف .. غوستاف محا المسافة بينه و بين ايثان معززا جسده بدرع هالته شديد القوة .
غوستاف قطع بشكل عمودي بسيفه مستهدفا رأس ايثان ، بهجوم كاسح يستطيع قطع هذا الاخير لنصفين .
لكن صياد الفرقة الثالثة صده ، بعدما ظهر سيف منفذ الإعدام من العدم بين يدي ايثان ، مدعوما بدرع هالته المظلمة .
كلاهما كانا برتبة النخبة ، لكن درع هالة غوستاف كان اقوى بما ان هذا الاخير بلغ ذروة الرتبة ، على عكس ايثان الذي لم يخترقها سوى مؤخرا ولا يزال ببدايتها . لكنه عوض الفرق بكمية الهالة من خلال قوة جسده الشيطاني الذي صقله بتدريبات جاكسون ، و طاقة التحريك الذهني لسلاحه .
نتيجة لذلك ، تلاحمت المعادن و تصادمت بعنف ما تسبب بزوبعة من غبار و رياح لطمت وجوه الجميع .
و على غير المتوقع ، ايثان نجح بصد قائد الفرقة الاولى و عجز هذا الاخير عن دفعه للخلف . ما فاجأ الجميع .
"انت لست مناسبا لقيادة الصيادين ، القائد الذي يترك مشاعره تقوده ليس بالقائد الجدير." قال ايثان لغوستاف ببرود بينما كانت سيوفهما لا تزال تضغط على بعضها البعض .
تصادمهما هذا لم يدم طويلا ، فغوستاف وجد نفسه محاصرا بالفعل عندما وضعت مون سيفها على رقبته من الخلف و كان سائر افراد الفرقة الثالثة مستعدين للهجوم باي لحظة .
"هذا يكفي يا غوستاف هارت ، حركة واحدة و لن اكبح سيفي بعد الان ." هددت مون تاركةً نار العنقاء تتألق من خلال سيفها .
و ادرك غوستاف انه لن يوقف شيئا كهذا بهالته .. ما حسم خسارته .
مون حدقت به ، ثم ايثان تواليا الذي أومأ لها مبتسما .
'شكرا لك ، و آسف على جرك معي بهذا .'
افكار ايثان انتقلت لها ، فتنهدت داخليا غير قادرة على مجاراة ارتجاله المفاجئ .
'اتمنى ان تتوقف عن القدوم باشياء كهذه من العدم .. '
الاثنان تواصلا بالتخاطر الخاص بتشاي هارت .. تخاطر استغله ايثان سابقا لاخبار مون بما اراد فعله ، و لجعلها لا تتدخل سواءا هي او أفراد الفرقة الثالثة عندما يهاجمه غوستاف . و تركه يصده بنفسه .
ما خلق هذا المشهد الحالي الذي بدا طبيعيا جدا ، لكنه مفتعل بالكامل .
ايثان استغل الفرصة ، و صاح بصوت عال .
"غوستاف هارت غير متزن ، غير قادر على التفكير بشكل صحيح و ينقاد خلف مشاعره ... لدرجة الهجوم على صياد اخر ."
"برأيي ، شخص كهذا لا يجب ان يقودنا بعد الان .. و قائدة الفرقة الثالثة مون هارت خيار افضل منه بكثير !"
رمى ايثان الكرة بالملعب ، و قال ما اراده منذ البداية بعدما خلق موقفا يستطيع من خلاله دعم كلامه .
الفرقة الثالثة جميعا ، و معهم جاكسون كانوا داعمين له ، و من بين الصيادين الاخرين .
اتخذت الساحرة الغريبة شيروكي جانبهم سريعا قائلة بابتسامة واسعة .
"أتفق تماما ! مون قائدة افضل بكل تأكيد !"
رغم انها بدت ساذجة و عشوائية جدا ، الا انها فتحت الطريق من اجل الاخرين ، فمعظمهم لم يكن يملك الشجاعة ليكون اول من يتخذ جانبهم.
شيروكي كانت الاولى ، و من بعدها انضم الاخرون اليهم الواحد تلوا الاخر ..
و سرعانما لم يتبقى سوى عضوي الفرقة الاولى و غوستاف نفسه .. الذي خسر تماما .
ايثان كشف عن التناقض بافعاله ، و حتى قوته لم تعد مثيرة للاعجاب بما ان عضوا واحدا من الفرقة الثالثة استطاع صده .
بهذا ، موقفه تحطم ... و لم يعد له ما يفعل سوى الرضوخ .
الخطة ستستمر ، و الصيادون سيعودون للاعماق من اجل الصيد .
اما النجاح ، أو الموت .