نجحت الفرقة الثالثة باكتساب تأييد الجميع ، و نصب ايثان قائدته مون هارت بدلا من غوستاف الذي فقد كل الدعم الخاص به من جميع الصيادين ما عدا افراد فرقته التي لم يتبقى منها سوى اثنين .

بجعل مون هارت قائدة عامة لكل الصيادين ، أصبح ايثان بذلك قادرا على التأثير بقراراتهم المستقبلية ، و القيادة من الظلال فهي كانت تثق به و تستمع له .

افضل يكثير من غوستاف الذي لم تربطه به اي علاقة مباشرة لا من قريب ولا من بعيد .

من بعد انضمام الصيادين جميعا لجانبهم ، الفرقة الاولى أيضا اذعنت بالنهاية ، مدركين انهم لن ينجو بمفردهم مطلقا .

"ستقودوننا لهلاكنا جميعا ." قال غوستاف بغضب ، قبل ان يستدير مغادرا بعدما كان محاصرا من افراد الفرقة الثالثة .

ايثان و من معه لم يتكبدوا عناء الرد و شاهدوه يذهب بصمت بينما تبعه افراد فرقته .

هم كانوا سيأتون معهم ، لكن ايثان لم يكن مرتاحا لهم و لموقفهم ما جعله يضع يده على كتف تشاي هارت الشاب .

هذا الاخير فهم الاشارة ، و تواصل مع ايثان بالتخاطر فورا . فقال الصياد الملعون ما اراده له :

'تشاي ، أريدك ان تراقب افراد الفرقة الاولى .. خصوصا غوستاف .'

اضاق تشاي الصغير اعينه ازاء سماع هذا ..

'أتتوقع الخيانة منهم ؟'

'لا أظنهم سيتمادون لذلك الحد ، لكنهم قد يفعلون شيئا ما مستقبلا بعدما انقلبنا عليهم بهذه الطريقة .' رد ايثان .

فأومأ تشاي بحذر .

'يمكنك الاعتماد علي إذا ، سأبقي عيني عليهم طوال الوقت .'

و ابتسم ايثان مرتبا برفق على رأس تشاي .

'اعلم انني أستطيع الاعتماد عليك .'

هو كان صادقا بكلامه هذا ، مدركا تماما حجم امكانيات الشاب امامه ، فتشاي كان اعظم بكثير مما بدا عليه .

فهو الصياد الوحيد بالتاريخ الذي اصبح صيادا بعمر الرابعة عشرة ، و تم وضعه كاستثناء لقاعدة بلوغ الثامنة عشرة .

حتى لونا الساحرة المذهلة ، مون حاملة بركة العنقاء ، و ڤيرسو الملعون من الفرقة الثانية لم يحصلوا على استثناء كهذا رغم مواهبهم المذهلة .

لكن تشاي فعل بامر من مجلس الشيوخ ، ما اثبت انه لم يكن بالشاب العادي. و ايثان فهم هذا جيدا ما جعله يقترب منه عمدا .

عندما ربت على رأس الشاب الصغير ، ظهرت مسحة من الخجل على وجه الفتى ، سعيدا بهذا معتبرا اياه نوعا من الثناء .

رغم كل امكانياته و قدراته ، هو لم يكن سوى مراهق لم يبلغ بعد ، و ما من طريقة افضل للتعامل معه من هذه .

من جهة اخرى وبينما مرر ايثان افكاره لتشاي سرا .

كانت مون قد انتهت من اعطاء اوامرها ، مشيرة الى انهم سيتحركون فور تعافي جاكسون ، ورقة الجوكر الرابحة الوحيدة التي جعلت فرصة نجاحهم قائمة .

الصياد العملاق كان مستلقيا على ظهره خلفهم ، واعيا تماما بما حدث لكنه ظل صامتا و لم يقل اي كلمة .

"تبدو هادئا ، هل لربما توشك على الموت ؟" قال رايدن الذي جاءه من بعد رؤيته له واعيا .

فادار جاكسون اعينه دون ان يحرك رأسه ، بما ان رقبته كانت مصابة هي الاخرى ، و رد بنفس ابتسامته المعتادة بينما ضاقت اعينه .

"لم يأتي اليوم الذي أموت فيه بعد ." هو رد بصوت خافت ضعيف مقارنة بالمعتاد ، ما اثبت انه لم يكن بحالة جيدة اطلاقا .

رادين انتبه لهذا ببطبيعة الحال ، فجلس بجانبه و نظر الاثنان لبقية الصيادين . ثم سرعانما فتح رايدن فمه متحدثا مرة أخرى ..

"كنت واعيا طوال الوقت ، فلماذا لم تتدخل ؟ اثق ان رأيك كان سيغير الكثير هناك ." هو سأل ، متفاجئا من التزام جاكسون الصمت عندما افترق الصيادون سابقا .

فضحك العملاق بخفة ساخرا .

"لا نية لي بالتدخل في النزاعات التي تنشب فيما بينكم ، فانا لا انتمي اليكم بالمقام الاول .. و لست سوى شبح قديم لا يزال يجول بانحاء هذه المدينة ." قال جاكسون مبتسما ، قبل ان يضيف بنفس النبرة الضعيفة :

"كما انني الان عاجز تماما ، و يستطيع اي منكم قتلي . و الضعيف لا رأي له ، ذلك الشاب ... ايثان فهم هذا جيدا لذا لم يحاول طلب مساعدتي ابدا ، إنه جيد بقراءة الوضع من حوله ."

ابتسم رايدن بسخرية ازاء سماع هذا ..

"احيانا ... اتساءل من هو القائد الحقيقي هنا ، فمعظم القرارات المصيرية تأتي منه هو ، و حتى و لو لم يقل شيئا فهو يؤثر بطريقة او باخرى ."

"و هذا ما يجعله مميزا ." قال جاكسون.

برؤية كيف مدح الصياد العملاق بجانبه ايثان ، تذكر رايدن ان جاكسون قد انضم لهم بالمقام الاول بسببه .

و لو لم يكن ايثان موجودا ، لظل جاكسون داخل الحلبة على الارجح ، فهو لم يرى بأي منهم ما يجعله يقاتل من جديد .

و هكذا ، بدأت الايام تمضي .. الصيادون شحذوا اسلحتهم بصمت مختبئين بانتظار تعافي جاكسون قبل العودة الى ساحة المعركة مرة أخرى .

المكان كان هادئا بالضواحي ، و لم تتواجد اي وحوش هناك بعدما قاموا بتصفيتها بالكامل لمدة ثلاثة اشهر .

لكن التوتر ظل قائما ، خشية قدوم وحوش من الأعماق تاركةً لمنطقتها بطريقة شاذة كما فعل الشيطان الحديدي من الكاتيدرائية سابقا .

هم ظلوا يقظين ، يضعون اربع صيادين على الاقل بالحراسة كل مرة .

اثناء الانتظار ، كان الصيادون يمضون ايامهم بطرق مختلفة .

البعض لا يفعل شيئا ، بينما البعض الاخر يواصل التدريب لزيادة قوتهم .

و كان ايثان خير مثال للفئة الاخيرة .

عندما يستيقظ ، كان الصياد الملعون يتدرب رفقة رايدن بتوجيه من جاكسون لساعات .. يقومون بصقل قدراتهم الجسدية .

التدريب تضمن ربط الاوزان على ظهورهم ، و حملها بايديهم ثم السير بها لمسافات طويلة دون استخدام درع الهالة .

لم يكن هنالك اي اوزان باشفارن القديمة ، ما جعلهم يستخدمون الحطام و الحجارة بدلا من ذلك .

فاصبح مشهد رايدن و ايثان يتمشون حول مخيمهم حاملين جلاميد عملاقة فوق ظهورهم ، و صخورا كثيرة باياديهم مشهدا مألوفا .

تمارين جاكسون لم تكن انسانية ، بل مدمرة بالكامل لدرجة أن رايدن كان يسقط مصروعا فاقدا للوعي عند كل نهاية جلسة تدريب .

ايثان من جهة أخرى قد كان مختلفا ، فعلى الرغم من معاناته هو الاخر من آلام مبرحة و ارهاق شديد بعد التدريب الجسدي ، الا انه استطاع تحمله بما فيه الكفاية ليظل واقفا .

بل و تجاوز الامر البقاء واقفا .

فبمجرد انتهائه من تدريب جاكسون ، هو كان يخرج سيفا طويلا من ترسانته ، و يبدأ بممارسة اساسيات اسلوب آستيريون للسيف مرارا و تكرار دون ملل .

احيانا ، كان يخوض بعض النزالات ضد مون هارت التي مارست الأسلوب ذاته و امتلكت تعمقا اكبر به ، ما ساعده على تطوير نفسه و زيادة اتقانه .. رغم ان نزالات كهذه دوما ما تنتهي به مصابا ببضعة جروح على الاقل .

"فهمك لاسلوب السيف الخاص بجدي يصبح أفضل بكل مرة ، و قريبا لن تكون مجرد مبتدئ به ." قالت مون بعدها طرحت ايثان ارضا ، معيدة سيفا الناري الى غمده .

"لكن تقدمك بطيء نوعا ما ، لانك لا تستخدمه بالمعركة الحقيقية .. " اضافت مون ، بينما ساعدت ايثان على الوقوف مادةً يدها له .

هذا الاخير امسك بيدها دون تردد واقفا من جديد متحملا الالم من الجروح الجديدة التي حصل عليها ، و الارهاق من تدريبات جاكسون و رد بعد التقاط انفاسه :

"انا اعلم .. لكن و لسوء الحظ ، أسلوي آستيريون بالسيف لا يعمل مع سلاحي الرئيسي الحالي ."

كانت هذه معضلة اخرى كانت تزعج ايثان .

فسيف منفذ الاعدام امتلك طريقة استخدام فريدة عن طريق التحريك الذهني ، و هو ثقيل جدا نظرا لكونه سيفا عظيما شديد الطول ، ما يجعله غير مناسب لاسلوب آستيريون الذي يعتمد على السرعة الشديدة بالحركة و الهجوم .

هو كان يحاجة لسلاح آخر بجانب سيف منفذ الاعدام ، يكون بنفس مستوى القوة ، او اعلى .

لكن الفرصة لم تأتي بعد ..

"فالتقم بمواصلة التدريب إذا الى ان تحصل على سلاح مناسب ." قالت مون .

فابتسم ايثان بينما استدار مغادرا .

"هذا ما أنوي القيام به منذ البداية ."

بمجرد تركه لمون خلفه ، كان ايثان يتوجه بعد ذلك للاخت الصغرى التي تظل وحيدة طوال الوقت .

لونا كانت تكتب شيئا ما على بعض المخطوطات الفارغة التي جلبتها معها ..

بمجرد رؤيتها لايثان قادما ، هي كانت تبدي بعض العبوس الطفيف ازاء رؤيته واقفا امامه يقوم بتحيتها و كأن كل تلك الجروح على جسده زينة ..

"انت .. هل انت ببشري حتى ؟"

"أظن ذلك ، اجل ." رد ايثان بينما جلس امامها .

و كان سبب قدومه اليها واضحا ..

"اريد تعلم السحر اليوم ايضا ." هو قال هذه الكلمات التي كان يكررها عليها كل يوم .

فتعلم السحر كان اخر ما يفعله ايثان بيومه من بعد التدريب الجسدي و التمرين على السيف .

بهذا ، كان الصياد الملعون يمضي يومه كاملا بالتدريب ولا شيء سواه من بدايته الى نهايته .

"إذا ما حاولت وضع يدك على عدة اشياء دفعة واحدة ، فستفقدها جميعا ." قالت لونا مغمضة اعينها الحمراء بينما تنهدت بخفة .

من جهة أخرى ، ابتسم ايثان بينما نظر اليها بنفس لون الاعين القرمزي الخاص بها .

"لكنك ستساعدنني رغم كلامك هذا ، اليس كذلك ؟"

"اجهل من اين تأتي بهذه الثقة بالضبط ، يا ايثان هارت .." ردت لونا ، قبل ان تعطيه حزمة المخطوطات التي كانت تكتبها منذ بعض الوقت .

ايثان استلمها من يدها ، آخذا بنظرة عليها.

"ما هذا ؟" هو سأل .

فأجابته الساحرة الموهوبة : "تعاويذ سحرية من العناصر الاربعة .. جميعها منخفضة المستوى ." هي قالت ، متجنبة النظر باعينه.

"بما انك لا تزال مبتدئا بالسحر ، فهذا أقصى ما يمكنك أن تجرب استخدامه من تعاويذ ."

مقلبا المخطوطات الواحدة تلوا الاخرى ، وجد ايثان كل انواع السحر ، بما يجب ترديده لإستخدامها .

كانت هنالك تعاويذ منخفضة المستوى من سحر النار ، الرياح ، الماء .. و الأرض .

فقط العناصر الاساسية ، بما ان العناصر المركبة مثل الجليد و ما الى ذلك تطلبت فهما اعمق بكثير .

شرح لونا كان مفصلا ، و اشارت بتلك المخطوطات القليلة لكل الملاحظات المهمة ، و الاخطاء التي قد يقع بها ساحر مبتدئ .

'كم عدد الساعات التي أمضتها تكتب هذه الارشادات ؟' تساءل ايثان ، متفاجئا بصدق من المجهود الذي بذلته لونا من اجله .

"ألديك ما تريد قوله ؟" كسرت لونا الصمت ، بعدما ظل ايثان يحدق بالمخطوطات كالأبله لوقت طويل .

فنظر اليها ردا .

"أردت شكرك ، فانا لم اتوقع ذهابك الى هذا الحد من اجلي ... لو راى الاخرون هذا سيعتقدون انك تكنين لي ..."

"توقف ، لا تحاول تكوين افكار سخيفة داخل عقلك فانا لا اشعر بأي شيء مميز تجاهك ." قاطعته لونا فورا ، قبل ان ينهي كلامه .

"لقد وافقت على تعليمك السحر ، و انوي اخذ الامر بجدية ... هذا كل شيء ."

بدت جادة بكلامها ، تعابير وجهها باردة متصلبة ، و اعينها حادة حازمة ..

نوعا ما ... بدت مخيفة ما جعل ايثان يستعيد ذكريات غير سارة .

'كدت انسى ان هذه هي الفتاة المجنونة نفسها التي هاجمتني ثلاثة مرات ..'

الاثنان حدقا لبعضهما البعض بجدية ، قبل ان يتراجع ايثان اولا و يبتسم ملطفا الاجواء .

"لا داعي للقلق ، فعقلي لم يكون اي افكار تذكر ." هو قال ، قبل ان يضيف بعد بضع ثوان طويلة من الصمت :

"فانا لا أؤمن بالحب ."

بمجرد بوحه بهذا الاعتراف ، تغير الجو بينهما فورا .. فوجه لونا انقلب الى شيء اخر تماما بعيد عن ذلك المظلم الذي كانت تضعه قبل قليل .

"لماذا تنظرين الي هكذا ؟" سأل ايثان عابسا ، بعدما ابدت لونا ردة فعل نادراً ما يراها منها ، و كأنها تنظر الى نوع ما من المتخلفين ..

"لقد قلت شيئا مثيرا للشفقة للتو .. فكيف تريدني ان أتجاوب معك ؟"

و سرعانما تشكلت ابتسامة ساخرة على وجه لونا ، بينما ضحكت بصدق .

"لا تؤمن بالحب ؟ لماذا ؟ هل تعرضت للخداع من قبل فتاة ما و كُسر قلبك ؟" قالت لونا ساخرة منه .

لكن تعابير وجه ايثان تصلبت بالكامل ، بعدما اصابت كبد الحقيقة .

"مهلا .. جديا ؟" عقدت لونا حاجيها ، مندهشة من رؤية تعابير وجه ايثان ..

"هوهو .. هذا مفاجئ ، إذا حتى زير النساء مثلك يمكن أن يتعرض للخداع ." ضحكت لونا بخفة ، بينما اشاح ايثان بنظره بعيدا .

"أتيت الى هنا من اجل تعلم السحر ، لا الحديث عن هذا الهراء "

"فات الاوان ، فقد غادرت القطة الحقيبة بالفعل ~"

و اقتربت لونا منه ، مبدية اهتماما حقيقيا .

"إذا ؟ من هي هذه الفتاة التي فطرت قلبك ؟ هل اعرفها ؟"

"اغربي عني رجاءا .."

ابتعد ايثان عنها ، رافضا الحديث.

لكن مزاجه تعكر بالكامل بعدما عادت له بعض الذكريات غير السارة ..

'كنت ساذجا .. و غبيا ، بل الاغبى على الاطلاق ..'

ايثان تذكر علاقته الاولى التي حضي بها بحياته ، الاولى .. و الاخيرة .

يعود ذلك للوقت الذي طرد فيه خارج المنزل بواسطة والده الذي تزوج امراة اخرى بعد وفاة زوجته الاولى ام ايثان .

وقتها تجول هذا الاخير وحيدا بالشارع ، لا يملك شيئا سوى المال الذي تركته له والدته قبل وفاتها .

كان مبلغا كبيرا نوعا ما ، يكفي لينقذه إذا ما احسن استغلاله .

لكن ذلك لم يحدث ، لانه التقى بفتاة ..

'بمستنقع اليأس و الظلمات الذي كنت اغرق فيه وقتها ، هي بدت لي كالملاك الذي ينزل من السماء ...'

وضعه المزري ، و كونها اول شخص من الجنس الاخر يقترب منه بشكل حميم ... اصبح ايثان بحالة سكر بتلك المشاعر .

الحب الاول كما يقولون .

'لا ازال ارى شبحها يتجول حولي ، تأتي رفقة كل الاشياء الاخرى التي تزيد من ارقي سوءا .'

بالوقت الذي كان فيه ايثان بأمس الحاجة لدفئ العلاقات البشرية ، هي جاءت . فاستنزفته بالكامل و جعلته يعيش بوهم .

وهم تحطم بمجرد ان نفذ المال الذي تركته له والدته ، فتركته فورا دون تردد بمجرد أن أصبح مفلسا لا يستطيع تلبية طلباتها الكثيرة .

بل و سخرت منه .. واصفةً اياه بالمثير للشفقة ، خاسر يسهل التلاعب به .

'أفضل ان اقطعه ، على ان يتم خداعي مرة اخرى .'

ترددت افكار ايثان بداخل عقله ، متجنبا نظرة لونا الفضولية .

هذه الاخيرة استسلمت بعدما رأت الى اي مدى لم يكن يرغب بالحديث عن ماضيه التعيس .

"اشعر انني ارى جانبا جديدا منك الان ." هي قالت ، فرد ايثان فورا ساخرا ..

"جانب مثير للشفقة ، اليس كذلك ؟"

بسماع هذا ، هزت لونا رأسها نفيا ، و ابتسمت قليلا .

"لا تقسوا على نفسك ، فلكل منا جانبه المثير للشفقة ، و هذا ليس عيبا ."

هي قالت ، قبل ان تحدق عاليا نحو السماء المزيفة لاشفارن القديمة .

"أظن ان هذا الجانب منك ، هو ما يجعلك بشريا ."

"و هل ابدو لك كشيطان مثلا ؟" رد ايثان ساخرا ، لكن لونا أومأت على غير المتوقع .

"اجل ، أظن ان هذا وصفا مناسبا ." هي ردت بابتسامة باردة .

"كنت تأتي بحلول لكل المشاكل التي تواجهنا ، رغم انك لست الاقوى بيننا .. تتحمل تدريبات لا يستطيع احد تحملها ، و حتى عندما ييأس الجميع ، و يبدون خائفين .. انت لا تتأثر مطلقا و كأنك عديم مشاعر ."

"هذا ليس طبيعيا ."

استمع ايثان بصمت ، محدقا بها قبل ان يشيح بنظره بعيدا .

"الخوف ؟ ... الخوف .." هو قال بصوت خافت ، و كأنه يتمعن بهذه الكلمة ..

"لربما ابدو لك عديم مشاعر ، لكنني خائف .. خائف أكثر من اي شخص اخر ."

"خائف من أن اموت دون معنى .. دون جدوى ، دون تحقيق اي شيء ." قال ايثان بنبرة ثقيلة ، اعينه تبدي نظرة بعيدة ..

'لقد حصلت على فرصة ثانية بالحياة ، لاقهر هذه اللعبة مرة أخرى ، و احقق ما عجز عنه الجميع من قبلي .'

'لكنني بدأت اتساءل مؤخرا ، ما إذا كان هذا هو السبب الحقيقي الذي يجعلني اواصل القتال ..'

"أظن .. أنني خائف فحسب ." هو قال مؤكدا .

'خائف من ان اكون مجرد لعبة بيد كيان ما ، خائف من الموت دون معنى ، خائف من عيش حياة اخرى لا تعود علي بأي شيء جيد .'

لونا وصفته بعديم المشاعر ، الذي لا يبدو يائسا ولا يبدي اي خوف مطلقا ، حتى عند هجوم وحش هائل مثل الشيطان الحديدي ، و تعرضهم للاحتجاز داخل زنزانة ارثية تعج بالوحوش..

لكن الواقع كان مختلفا ، فايثان رأى أنه يحمل بداخله خوفا اعظم من اي شخص آخر .

"كل هذه الجهود ، و التدريب المضني ليل نهار ، و الخطط المجنونة التي اخرج بها .. ليست سوى محاولة مني للهروب من خوفي ليس الا ." قال ايثان بابتسامة متكلفة ، مبديا لحظة ضعف نادرا ما يظهرها عاكسا مشاعره الحقيقية .

لونا استمعت له بصمت طوال الوقت ، تحدق به من زاوايا اعينها ، قبل ان تتطلع للامام .

"... انا ارى ." هي قالت .

فضحك ايثان .

"علي حقا التوقف عن التسكع من حولك ، فدوما ما ينتهي بي الامر بقول اشياء لا أود قولها ."

"الخطأ ليس بخطئي ، فانت من يأتي الي بكل مرة " ردت لونا ، جالسة بجانبه .

هي اشارت للمخطوطات بينه يديه بعد ذلك .

"لنبدأ الدرس ، لقد ضيعنا ما فيه الكفاية من الوقت ."

ردا ، ابتسم ايثان معطيا اياه إيماءة بسيطة .

"حاضر ، سيدتي ."

الاثنان امضيا الساعات القليلة الموالية يدرسان السحر معا ، و اطلق ايثان بعض التعاويذ السحرية منخفضة المستوى لاول مرة على الاطلاق .

هو كان يخاطر بكل مرة بتغييره للكلاس كلما اراد تعلم السحر ، لكن و لحسن حظه .

فترة التهدئة لاستخدام قدرة [Class change at will] قد إنخفضت كثيرا بعد ارتقائه في الترب ، و اصبح مضطرا لانتظار 6 ساعات فقط بين كل تغيير .

الانتقال من فارس نخبة الى ساحر نخبة كان امرا مدهشا بحد ذاته ، لكنه لم يبدأ بتطبيق الامر بساحة المعركة ، نظرا لعدم تعلمه لاي تعاويذ قوية حتى الان .

و بسبب مخزون المانا الضئيل لديه بسبب تقييد بركة العظمة المحتملة ( Eventual Greatness ).

رغم ذلك ، ايثان كان يعلم ان اليوم الذي يعتمد فيه على السحر سيأتي بدون ادنى شك ، فالسحر يعتبر أحد اقوى الاسلحة على الاطلاق بعالم اورديل.

و لونا التي علمته هي خير مثال ، فتعاويذ المستوى الاعلى التي كانت تطلقها بكل مرة كانت كافية للفتك بعشرات الوحوش القوية دون عناء .

توجد العديد من طرق القتال المتنوعة غير السيف و السحر بعالم اورديل الشاسع . طرق لا تعد ولا تحصى .

بما انه يمتلك القدرة على تغيير الكلاس كما يريد ، ايثان اراد وضع يده على اكبر قدر ممكن منها .

التحقيق شيء كهذا ، كان يجب ان يصبح اقوى و يتحرر من لعنة الهارت ، ليستطيع المغادرة و التجول بالعالم الشاسع كما يشاء دون قيود .

النجاة من اشفارن القديمة هو الخطوة الاولى التي اضطر لتجاوزها .

'اذا ما نجوت من هذه المدينة ، فسأصبح اقوى بكثير بكل تأكيد .'

و مضت يومان كاملان بسرعة شديدة ، أمضاها الصيادون بطرقهم الخاصة بانتظار تعافي جاكسون .

ايثان و رايدن تدربا كالمجانين ، خصوصا ايثان الذي استفاد من جسده الشيطاني كثيرا .

البعض الاخر قضى وقته يهيئ نفسه عقليا للقادم ، لمواجهة الكوابيس الموجودة بالاعماق .

و آخرون كانوا شاردي الذهن ، ضائعون بافكارهم يبدون على عتبة الانهيار .

و هنالك شيروكي ، الساحرة الغريبة التي لم تفارق الابتسامة وجهها قط تلهو و تضحك رغم كل ما كانوا يمرون به .

اصابات جاكسون من بعد القتال ضد الشيطان الحديدي كانت مرعبة و كثيرة جدا ، لذا توقع معظم الصيادين ان تعافيه سيطول ، بل و كان الكاهن يظن انه لن يتعافى أبدا .

لكن العملاق فاجأ الجميع عندما نهض على قدميه بعد سومين فقط من المعركة .

جسده الذي كان بحالة فوضى منذ وقت ليس ببعيد قد استقر بنسبة كبيرة ، و عادت عضلاته الطاغية لتألقها و كأن شيئا لم يكن .

الكاهن جاء لفحصه امام انظار جميع الصيادين الذين شككوا بالامر ، متسائلين إذا ما كان يتظاهر فقطا مدعيا القوة .

و سرعانما بدد الكاهن شكوكهم ، عندما ظهرت الحيرة بشكل جلي عليه بمجرد تفحصه لتلك العضلات الطاغية .

"معظم اصاباته الداخلية ... شفيت بالفعل ؟" هو قال رافضا التصديق بدوره .

"أخبرتك ايها الكاهن الفاشل ، بعض النوم هو كل ما كنت احتاج ." لكم جاكسون الهواء دون مبالاة ، فتسببت اللكمة بانفجار يصم الاذان ، و تمكن الضغط الناتج عنها من التسبب بشقوق كثيرة باحد الجدران البعيدة عنه .

جاكسون عاد لطبيعته و عادت تلك الابتسامة الغريبة خاصته عندما مدد جسده .

"انا قادر على القتال من جديد ، فهيا بنا الى الاعماق ."

كلامه هذا قابله صمت طويل من الصيادين ، و على رأسهم مون هارت التي تم تنصيبها كقائدة عليهم .

"هذا .. اسرع مما توقعت بكثير ." هي قالت ، قبل ان تتنهد بخفة و تضيف : "كان علي توقع ان المعايير العادية لا تنطبق على من هم بمستوى الملوك "

التعافي السريع لجاكسون فاجٱ الجميع ، بعدما كانوا يظنون انه لا يزال امامهم عدة ايام قبل العودة للقتال .

لكن الصياد العملاق دمر توقعاتهم ، و باغثهم على حين غرة .

"هذه سرعة تعافي غير طبيعية بكل تأكيد .." قال ايثان بصوت عال بدون وعي ، ما جعل رايدن الواقف بجانبه ينظر اليه عابسا .

"أنت اخر شخص يحق له قول هذا ، فسرعتك لا تقل عنه "

"هاها .. انت تبالغ " رد ايثان بضحكة جافة ، قبل ان يعيد انظاره لجاكسون .

"حدث هذا اسرع مما كنا نتوقع ، لكنه لا يغير شيئا فنحن كنا سنذهب بكل الاحوال ، سواءا غدا او بعد اسبوع .. الامر نفسه ."

مون هارت كانت هيا القائدة عليهم حاليا ، ما جعل القرار بيدها ، و جاكسون لم يبدو معارضا أبدا فهو ترك امر حسم القيادة لهم منذ البداية .

و بعد بعض التفكير ، حسمت مون امرها سريعا ، معلنة بصوت عال و واضح .

"سنستأنف الخطة غدا ، احصلوا على قسط جيد من الراحة جميعا فنحن سنعود للاعماق ."

"إما ان تبلغ نارنا الصيادين بالخارج ، أو نموت و نحن نحاول اشعالها ."

الكثير اومأ بعزم بعد سماع هذا ، بينما تصلبت وجوه البعض الاخر .

الرسالة كانت لاتزال لم تصل الى الشيوخ بالخارج ، و المساعدة لم تأتي بعد .

اما باعماق الكاتدرائية .. باعمق منطقة داخلها حيث تواجد عرش عظيم ..

كان العرش فارغا تماما لا يجلس عليه احد .

امامه امتدت عتبات درج طويل قاد اليه من الاسفل ، و باحد العتبات الكثيرة بالقرب من العرش ..

كان الفارس الذهبي يجلس وحيدا واضعا ذراعيه فوق ساقيه مخفضا رأسه للاسفل .

عباءته الحمراء كان مفروشةً من خلف ظهره ، و درعه الذهبي تألق رغم مضي زمن طويل حقا و هو ينتظر بذلك المكان .

اعينه الحمراء توهجت قليلا ، بينما تطلع للامام ..

و كان مدركا لفوز ايثان ورفاقه على الشيطان الحديدي بالفعل .

"آه .. لقد حان الوقت إذا ؟" هو قال بصوت عميق ، بارد يختلف كليا عن ذاك الذي استخدمه عندما حاور ايثان سابقا .

"حان الوقت .. لتتلطخ هذه الايدي بالدماء مرةً بعد "

"دماء عشيرتي الغالية ."

2026/05/24 · 60 مشاهدة · 3663 كلمة
نادي الروايات - 2026