تحت سماء زينها كسوف مرير اظلم اجواءها ..
إشتعلت النار داخل ساحة المعركة .
معركة راح ضحيتها عشرات الفرسان البشريين ، و ما يوازيهم من الوحوش الضارية .
لم يتبقى سوى العدو الاخير .. الزعيم صعب المراس ، صائد الجمر .
المعركة بدأت تبلغ منعطفات حاسمة ، و مقاتلوا عشيرة الهارت قد بلغوا حدودهم و الهزيمة باتت قريبة .
كل هذا تحت انظار إيثان ، الذي تعرف أخيرا على ما إكتسبه من صفقات شيطان التوازن .
الموقف كان خطيرا ، فلعنة المحبوب من الظلمات تجعل صائد الجمر ينجذب لإيثان تلقائيا لولا صد الهارت له .
بمعنى آخر ، بمجرد سقوط تلك المرأة حاملة السيف الناري .. ستكون نهايتهم ، و نهايته هو أيضا .
رغم ذلك ، و رغم الجو الخانق المشحون برائحة الجثث المحترقة و المتفحمة .
إلا أن أعين إيثان قد عكست هدوءا مريبا ، و إتزانا غير منطقي لامثاله .
جسده لم يرتعش قط ، و لم يشعر بالخطر بأي شكل من الاشكال.
متفاجئا من نفسه ، هربت ضحكة جافة من جوفه .. ضحكة و ابتسامة ساخرة ..
"أتساءل ما خطبي بالضبط ؟ حياتي مهددة ، لكن ها أنا ذا .. بقمة هدوئي ، و كأن الوضع الحالي مجرد محاكاة غير حقيقية ."
قال إيثان ، بينما ضاقت اعينه و توسعت ابتسامته .
"أظن أنني بمكان ما داخل عقلي .. لا ازال اعتبر كل هذا مجرد لعبة ."
إيثان علِم جيدا أن طريقة التفكير هذه ليست بالحكيمة اطلاقاً ، فاستخفافه بمدى خطورة الوضع قد يعود عليه بكارثة .
لكن و رغم ذلك .. الابتسامة لم تفارق وجهه .
"لا بأس بذلك .. فأنا لا اجيد شيئا سوى الالعاب بالمقام الاول ."
لا بأس .
لتكن لعبة .. لعبة يلعبها على أرض الواقع .
“Life is nothing but a cruel game… and we are its unwilling players.”
إختفت ابتسامة ايثان بالكامل ، و ظهر بدلا منها تركيز مطلق و جدية بالغة بعد ذلك
"الخصم هو صائد الجمر ، زعيم اختياري لا يمكن هزيمته الا لمن بلغوا ما يقارب المستوى ال 40 على الأقل .. "
ادار إيثان أعينه ، مراقبا كل معطيات ساحة المعركة .
كل ما يستطيع الاستفادة منه حاليا ، هو قدراته و قوة هؤلاء المحاربين من عشيرة الهارت .
آخذا نفسا عميقا ، ترك إيثان الهواء البارد الممزوج بالدخان يلج رئته ، قبل ان يزفر طويلا مجددا عزيمته .
"حسنا ! لنفعلها ! "
فاتحا أعينه لاقصى حد حتى كادت تنفجر ، فعل ايثان القدرة الوحيدة التي رأى انها قد تفيده بموقفه الحالي .
"بصيرة الغراب الحكيم !"
تجاوبا مع ندائه ، توهجت اعينه القرمزية و أضاءت بوهج أقوى ، و حتى لونها قد أصبح قاتما أكثر يميل للظلام .
بمجرد تفعيل القدرة ، رؤية إيثان تغيرت بالكامل ما أدهشه تماما .
فعندما حدق بصائد الجمر ، استطاع رؤية كل شيء حياله .
بالاسفل ، برز مقياس طويل أظهر مقدار نقاط الصحة المتبقية للزعيم . و الذي كان حاليا بمكان قريب من النصف .
بالاعلى في الزاوية اليسرى ، استطاع ايثان رؤية كل احصائياته ..
خط احمر لنقاط صحته .
تحته واحد ازرق لكمية المانا لديه .
و واحد ثالث اخضر اللون يعكس تحمله .
نقاط صحته و كمية المانا خاصته قد كانت قليلة بشكل مزري ، فبجانب كونه في المستوى الاول .. قدرة العظمة المحتملة قد قيدته كثيرا .
لكن و على عكسهما ، مقياس التحمل قد كان طويلا بشكل غريب .
"أفترض أن هذا هو تأثير الجسد الشيطاني .. لدي جسم يتحمل أكثر بكثير من سائر البشر ."
كانت هذه ميزة كبيرة ..
تاليا ، اعاد إيثان تركيزه ناحية صائد الجمر .
أعينه لم تكشف احصائياته فحسب ، بل ما يتجاوز ذلك بكثير .
أنماط قتاله ، حركاته ..
و الاهم من ذلك .. نقطة ضعفه .
إيثان رآها بوضوح .. ظهرت على شكل دائرة تتوهج بضوء ناري حول الجانب الايسر من صدر صائد الجمر ..
"إذا هذه هي نقطة ضعفك .." قال ايثان ، قبل ان يتجهم تدريجيا .
"هذا اللعين .. انه ليس غبيا ."
تعليقه هذا جاء بعدما ادرك أن صائد الجمر منذ بداية القتال ، قد كان يحمي تلك المنطقة بالذات بواسطة درعه العملاق الذي التفت من حوله الاشواك ..
ما عدا نقطة الضعف الواضحة هذه ، ايثان علم أيضا باكثر ما يؤثر على صائد الجمر .
ظهرت له من خلال هالات متعددة الالوان ، التفت من حوله ..
هالة بلون احمر قرمزي قاتم ، ممزوجة باخرى زرقاء سماوية و ثالثة خضراء غامقة .
"النزيف ، قضمة للصقيع ، و السم ؟"
هذا هو أكثر ما يعمل ضده ، بالمقابل يملك مقاومة كبيرة للظلام ، و كل انواع الهجمات العقلية ، بالإضافة لمقاومة عالية للسحر .
مدركا لكل هذا ، تفقد إيثان فورا مقاتلي الهارت ..
بنظرة واحدة ، اكتشف ان جميعهم بالمستوى 30 ، ما عدا مون هارت التي بلغت المستوى 34 .
متفقدا احصائياتهم جميعا .. تنهد إيثان منزعجا ..
"فقط واحد منهم يملك التأثير المناسب ضد صائد الجمر .." قال إيثان مديرا رأسه ناحية يساره بالقرب منه .
"و ذلك الشخص .. هو أليسيا هارت .."
هذه الاخيرة الوحيدة التي تستطيع التسبب بتأثير النزيف ، لان احصائية الاركين المسؤولة عن زيادة قوته مرتفعة عندها ، بالإضافة لاستخدامها للكاتانا .
"هاها .. الوحيدة القادرة على التأثير عليه ترفض القتال ، ياله من حظ ." ضحك ايثان راثيا حظه الذي بدا اشبه بلعنة .
رغم ذلك ، هو لم يبدو قلقا قط .
"استطيع فعلها ."
جدد عزمه ، و وضع آخر اللمسات على خطته .. عقله عمل سريعا ، و قرر خطوته القادمة بناءا على كل خبرته كلاعب قضى آلاف الساعات يلعب دون توقف .
بدون سابق انذار ، إندفع ركضا باقصى سرعته .
لكن ليس نحو ساحة المعركة ، بل اطرافها .
ركض و اعينه تبحث عن شخص واحد كان حجر الأساس بخطته .. و الكلام هنا عن الارشر صغير السن الذي إختبأ بعيدا ينتظر اللحظة المناسبة للقنص .
إيثان لم يركض ناحيته ، فهو كان بالجانب الآخر من ساحة المعركة و الذهاب اليه قد يجعله مستهدفا .
لذلك اختار الركض بالجانب المقابل له بدلا من ذلك ، بما يسمح له ان يدخل مجال رؤيته .
"الارشر يملكون بصرا قويا و يستطيعون لمح كل صغيرة و كبيرة ، لذلك يفترض أن يراني بوضوح .."
بلغ ايثان الجهة المقابلة للارشر تشاي هارت ، و بمجرد بلوغه للمكان المطلوب .
بدأ ايثان يقفز كالمجنون يلوح بيده الوحيدة ..
شكله بدا اخرقا و مثيرا للضحك ، لكنه خدم جيدا هدفه ، فتشاي هارت رآه ما جعله يتواصل معه فورا .
"أخي الاكبر ! هل كل شيء بخير ؟ الم تتعرض لإصابات قاتلة سابقاً ؟" جاء صوت تشاي هارت على شكل موجات تخاطر سمعها ايثان داخل عقله .
صوت تشاي حمل معه لمحة من مشاعره ، من الصوت وحده ادرك إيثان ان ذلك الشاب صغير السن قلق بشأنه حقا ..
لكن الوقت لم يكن مناسبا لهذا .
"أعتذر يا تشاي ، لكن لا وقت لدينا .. لدي سؤال واحد لك ، و خدمة واحدة اطلبها منك ."
تفاجأ تشاي للحظة من رد ايثان ، لكنه سايره على الفور نظرا لضيق الوقت لديهم .
"يمكنك طلب أي شيء مني يا اخي الاكبر ، مادامت قادرا على المساعدة فسأفعل دون تردد ."
إيثان كان هو المتفاجئ هذه المرة ، فتشاي بدا مطيعا له تماما و ليس مجرد زميل له من نفس العشيرة .
لكن هذا كان منطقيا نوعا ما ، نظرا لمناداة تشاي له بال "اخ الاكبر " بدلا من اسمه .
"شكرا .. ما أود معرفته ، هو هل تستطيع توسيع قدرتك لجعل الاخرين يسمعوننا أيضا ؟"
إيثان اظهر بعض التوتر ازاء طرحه لهذا السؤال ، فكل شيء سينهار ما إذا قال تشاي لا .
رغم معرفته الواسعة باللعبة ، إلا أنه لا يعلم حدود قدرة تشاي هارت ، و كل ما يعرفه انه قادر على التخاطر فقط .
لحسن الحظ ، تشاي الصغير لم يخيبه .
"استطيع فعلها مع هذا العدد الصغير ، نعم .. لكن فعاليتي داخل ساحة المعركة قد تنقص إذا ما قمت بذلك ."
التخاطر مع هذا العدد من الناس يستهلك الكثير من التركيز ، و هذا ما سيجعل اسهمه تفقد بعضاً من دقتها .
"لا بأس ! فحتى لو أخطأت سهامك هدفا ، انا سأتولى الامر ، لذلك فالتنقل صوتي للجميع رجاءا !"
تشاي هارت شعر بوضوح هو الآخر بما حمله صوت ايثان .
لقد حمل الثقة ، ثقة مطلقة بأنه سينجح ما جعل تشاي يقرر مساعدته بكل ما يملك ، فهو مدرك تمام الادراك انهم سيخسرون على هذا المنوال .
"حسنا ! سأفعلها ، اترك كل شيء بيدك يا أخي الاكبر !"
اغمض تشاي أعينه ، مركزا على زيادة مدى قدرته لاقصى حد ممكن .
بثواني معدودة ، صوته بلغ جميع الهارت الموجودين داخل ساحة المعركة .
"يستطيع الجميع سماعك الآن ، إمضي بخطتك رجاءا "
بسماع هذا ، أومأ إيثان و ابتسامة واسعة تشق وجهه .
"شكرا لك ، و يمكنك الاعتماد علي ."
اخذ ايثان نفسا عميقا ..
"يا محاربي عشيرة الهارت "
رن صوت ايثان داخل عقول الجميع ، ما جعلهم يتفاجؤون للحظة من سماعه . خصوصا مون هارت التي قفزت للخلف تحدق به باعين مفتوحة على مصرعيها .
و كأنها تنظر الى شبح لا مخلوق حي .
لكن صائد الجمر سرعانما هاجمها مرة أخرى ، مجبرا اياها على التركيز عليه بالكامل .
من جهة أخرى ، واصل إيثان حديثه .
"أنقل صوتي اليكم بصفتي واحدا منكم ، رجل يسعى وراء الهدف ذاته مثلكم ، الا و هو النجاة من هذا الوضع الصعب الذي نحن فيه الآن ."
قال إيثان ، محدقا بكل واحد منهم .
"أنتم لستم باغبياء ، انا واثق انكم جميعا تعلمون .. أن الخسارة و الموت حتميان على المنوال . لكنني لن اسمح بذلك ."
"استطيع منحكم فرصة حقيقية للنجاة ، و ليس النجاة فحسب ، بل الفوز أيضا و قهر هذا الزعيم شديد البأس ."
"لدي القدرة على جعلكم تنتصرون جميعا ، شرط أن تتبعوا أوامري من الآن فصاعدا و تنفذوا كل ما أقوله لكم ."
حاول ايثان جعل خطابه مختصرا قدر الامكان ، فهم لا يزالون داخل ساحة المعركة و لا يستطيع ان يخاطر بتشتيت انتباههم طويلا.
نظرا لسخونة الوضع ، الرد جاء سريعا .
تشاي وافق سابقا ، و قد جاء رد كل من رايدن و اليسيا بوقت واحد .
"لديك ثقتي الكاملة ، إمضي و إستخدمني كما تشاء ." رد رايدن ، بينما حمى مون بواسطة درعه مقاتلا بجانبها بالطليعة .
"أنا موافقة ! أرجوك أنقذ حياتي و اخرجني من هذا الجحيم !"
حتى بالتخاطر ، أليسيا لا تزال تعكس نفس الجبن و الخوف خاصتها ، لكنها لم تتلعثم هذه المرة على الاقل .
إيثان كان متفاجئا نوعا ما من سهولة حصوله على الموافقة ، ما جعله يتساءل حول طبيعة علاقة صاحب الجسد السابق بهم ..
لكن .. و رغم موافقة الجميع.
الا أن القطعة الاهم قد تمردت ..
"لا ." ردت مون بنبرة باردة لسعت قلب ايثان ، جاعلةً اياه يعبس تلقائيا .
"لقد قاتلته سابقا و خسرت ، لدرجة اننا اعتقدنا جميعا انك ميت .. و ها انت ذا بيد واحدة فقط ، فمالذي تأمل تحقيقه ؟"
تصادم سيف مون الناري بسيف صائد الجمر العظيم ، متسببين بموجات قوة اثارت زوابع من الرياح .
"أهرب ، فلا مكان لك بهذه المعركة ."
رد مون كان حاسما ، و نبرتها جعلت إيثان يدرك بعض المعلومات الاضافية ..
فعلى ما يبدو .. صاحب الجسد السابق مات ضد صائد الجمر ، و هو المسؤول عن قطع يده .
"هذا سبب إضافي يجعلني أرغب بقتل هذا الداعر ." صر ايثان قائلا ، قبل ان ينقل صوته مجددا للجميع .
"اهرب ؟ إلى أين ؟ هل هنالك من مهرب ؟"
استبدل إيثان نبرته باخرى أكثر جدية ، ضاغطا أكثر .
"على هذا المنوال ، ستموتون جميعا ، و إذا ما فقدتم حياتكم فصائد الجمر سيصطادني بعدكم ، فلا يهم كم اركض هو سيدركني فورا ."
"شئتم ام ابيتم ، بهذه اللحظة بالذات مصيرنا جميعا مشترك ."
قال إيثان ، قبل أن يضيق حواجبه و تتغير ملامحه ، و يصرخ بعقولهم اجمعين .
"لذلك ، توقفي عن عنادك و إتبعي اوامري فحسب !!"
صوته ضرب كالصاعقة ، جاعلا اياهم يفقدون القدرة على الرد ..
رغم كل ذلك ، مون لم تظهر أي رغبة على الاستماع ..
و هذا ما جعل رايدن الذي قاتل بجانبها يتدخل .
"مون ، انت تعلمين أكثر من أي شخص آخر ان إيثان هو افضلنا ." قال الدبابة البشري ، و الجدية التامة بادية عليه.
"إذا ما قال انه يستطيع انقاذنا جميعا ، فانا اصدقه ."
ضغط رايدن مساندا إيثان .
لكن حاملة السيف الناري بقيت تعاند حتى النهاية ..
عميقا بداخله ، رايدن كان حائرا و لم يفهم سبب عناد مون هذا فهي اشدهم حكمة بالعادة .
"مون ! ارجوك ! لا تدعي حياتنا جميعا تضيع هباءا !" صرخ رايدن مترجيا اياها .. ما جعل مون تسقط قناعها الجليدي أخيرا.
"حسنا .. اوافق ."
رد مون هذا جعل إيثان يتنفس الصعداء ...
"لكن ضع ببالك جيدا ، إذا ما رأيت انك ستفشل فسأنسحب و افعل ما اراه مناسبا بدلا من ذلك ."
رغم كلامها هذا ، إلا ان إيثان ابتسم .
"لا بأس ، فهذا كافي بالنسبة لي ." اعطاها هذا الرد ، قبل ان يلتفت ناحية رايدن .
"اقدر مساعدتك يا رايدن ."
"لا مشكلة .. إذا ؟ ما هي الخطة ؟"
هنا يبدأ كل شيء .
"كبداية .. يجب أن نعيد بناء تشكيلنا ." قال إيثان ، مشيرا لكليهما بان يتحركا .
"مون ستركز على الدعم بدل القتال كمحاربة رئيسية من الآن فصاعدا ، اما انت يا رايدن فستظل قريبا منها تدعمها بما تقدر ."
"تشاي ، فالتتوقف عن اطلاق الاسهم بالوقت الحالي و انتظر اشارتي ."
اعطى ايثان اوامره ، ما جعل الجميع بحيرة من امرهم .
إذا ركز الجميع على الدعم ، فمن سيقارع صائد الجمر بشكل مباشر ؟
مون كانت تكبحه حتى الآن ، و هذا اربحهم الكثير من الوقت .. لكن بحالة تراجعها ، فسينتهي الامر سريعا .
رغم ذلك ، ايثان كان يملك رؤية أخرى .
"الذي سيتولى دور المقاتل الرئيسي .. هي انت ، يا اليسيا ."
"ماذا ؟!!" كانت اليسيا بنفسها من صرخت قبل أن يتفاعل أي شخص آخر بمجرد سماعها لاسمها .