1 - الفصل الأول : من الطين

كتلة السحاب الثقيلة التي تتخلها الفراغات تعبر بهدوء في سماء أمسية هادئة و مسالمة ، تريد الأمسية أن تتألق بنور الشمس و أشعتها الباردة عبر ما يمكنها العبور من خلال السحب المارّة التي تأبى إلا أن تجتمع من جديد.. فقد مرّت مدة بسيطة منذ أن تفرقت بعد إجتماعها و احتلال الجو بالظلمة و المطر .. تاركة أرضا موحلة طينية..

وسط كل الطين و الدم و أشلاء و قذارة.. وسط ركام و شيء من الجثث يمكنك أن ترى الرجل الساقط هناك ، عيناه ذات الطابع النائم المتعب تنظران بإرهاق و فراغ نحو السماء البعيدة

يتنهد و يقول بصعوبة:

"ليس بعد ها؟"

بالنظر من حوله سترى أكوام أكثر من الجثث و الأشلاء.. يقف الرجل بثقل شديد ..ينظر حوله ، عيناه تبعثان على الجهد الذي بذله..حسنا ربما لا يمكنك ملاحظة شيء بارز حول هذا الرجل سوى عينيه المنتفختين من التعب ، لا طالما كانت عيناه بهذا الشكل و لكن وسط هذه المقتلة الكبيرة التعب ينال منهما أكثر.

بمعجزة ، يستطيع الرجل رؤية سيفه المهترئ ..يتمايل نحوه ببطء و يلتقطه .. السيف شديد الإنزلاق من الطين و لزوجة الدم.. السيف و الرجل يشبهان بعضهما لحد بعيد ، سيف مستقيم معتدل الطول ذو مقبض جلدي و حامية بسيطة حديدية.. يستقيم الرجل في وقفته كاستقامة سيفه ملابسه البسيطة القروية الرثة تثقله لما تحمله من طين و بلل قميصه صار كل شيء عدا الأبيض الذي كان عليه قبل القتال.. يمكننا أن نقول بأن السروال نجا لسواده كذلك و الحذاء الجلدي الطويل المربوط عند نصف ساقه..

شعره الأسود القصير صار زيتيا ،صار كوما من الطين المبلول و قطع اللحم الميتة ،و لا يبدو عليه تفصيل مما كان عليه في الأصل ،من السواد و الإعتدال..

يحاول الرجل التقدم وسط برك المياه الدامية ..كل ما وجد شخصا ينازع الموت يقضي عليه..هناك من بينهم رجل منفتقة أشلاءه ، عينه خرجت من مكانها و سقطت في مكان ما.. ينظر بعين واحدة تشتاق للموت و الراحة السرمدية نحو الرجل الواقف أمامه برجاء

و كذلك،هذا الواقف بطول يفهم المطلب، يتريث للحظة..

"لاندراس؟"

يبدو أنه تعرف عليه..بحزن و برود يغرس الرجل سيفه في عنق المسمى "لاندراس" ..

"هل من مخرج من هذا الجحيم؟"

لن تسمع صوته و لو كنت بقربه حيث بالكاد تلتصق شفتاه ببعضهما عند قوله ذلك و كأنه يخاطب نفسه ..

عندما واصل تحركه انتبه فجأة لشيء ما.. يصغي بإنصات و حذر..

نعم هو على حق.. هناك صراخ بعيد و كانه منادي.. يستجمع ما تبقى من قواه و يشدد من قبضته اليمنى على سيفه.. ينزل بحذر و يتقدم ببطىء ليتقصى حول الصوت..

"ااا"

يقترب الصوت بتقدمه البطيء

"فانداااال!"

تتسع عينا الرجل النازلتين أخيرا و يبدو صوته أوضح

"أخي!؟"

رغم وضوح صوته لا يمكن للمنادي سماعه ..ربما قالها من الصدمة عند معرفته للمنادي.. ذلك الرجل الواقف هناك بكل أناقة وسط الركام و الدمار.. يستجمع فاندال نفسه للصراخ..

"أخي!!"

ينتبه المنادي و يستبشر بالصوت:

"فاندال!! لقد عرفت أنك ستكون بخير!!"

"ما الذي تفعله هنا ؟! ظننتك ستكون في الصفوف الخلفية ؟"

"جئت لأتفقدك.. علمت أنك ستنطلق نحو الصفوف الأمامية .. بعد تلك الهجمة شعرت بالقلق.. و لكني أعلم بأنك ستنجو.."

ينظر فاندال حوله في الخراب

"هل كانت تلك قدرة ما؟ لم أكن على علم بها.."

"يبدو الأمر كذلك .. الصخور اللتي سقطت على مقدمة الجيش ليست إلا قدرة أحد القادة..يبدو أننا اقتربنا من تهديدهم .."

"هل سنواصل التقدم؟"

"ليس قبل أن نعقد اجتماعا عاجلا صباح الغد.. "

ينظر فاندال إلى اخيه في حيرة..

"اجتماع ؟ الهيئة طلبت اجتماعا"

يزيح الأخ نظره عن أخيه ..كأنه مضطر ليجيب جوابا سيكرهه فاندال ..

"يبدو أن الأمر يتعلق ب ”كاناريا” .. سنحتاج للتكلم معها .."

مثل ما كان متوقعا يبدو فاندال مستاءا..

"مجددا !! هذه ثالث مرة !"

"الهيئة لا تثق في المرتزقة يا فاندال!"

"و لكنك تثق بي يا فانغارد"

الإجابة بحرقة و صوت مرتفع من فاندال اوقفت المحادثة مؤقتا..

ليواصل بعدها الأخ فانغارد ..

"ليت كان الأمر بسيطا .. الهيئة تبقى الهيئة حتى لو كنتُ سيد المكتب في الهيئة لن أغير من سياساتها شيئا .."

يجلس فاندال على الأرض.. مخضبا بالدماء و الطين متمسكا بسيفه و كأنه كل ما يستطيع أن يثق به..

"فاندال.. عليك التراجع حاليا .. ارجع للمخيم معي و سنواصل العمل في الغد.."

"لا.. سأخيم هنا .."

ينظر الأخ الأكبر واقفا بشموخ نحو اخيه المنهك المتردي.. يسحب سيفه القصير من الغمد الذي يحمله..

"حسنا إذا سأقاتلك إن لم تفعل.."

ينظر فاندال بطرف عينه..

"حقا؟"

بنبرة من الاستهزاء و العلو يجيب فاندال متجاهلا تهديد أخيه ..

يرفع فانغارد يده و يضرب بكل قوة..

يتفادى فاندال الهجمة بأعجوبة حيث ينحنى إلى الوراء تماما .. تجحظ عيناه و هو ينظر لوجه أخيه البارد فوقه.. يقفز من تلقاء نفسه و يجد نفسه في وضعية استعداد.. و لكن أخاه اختفى ..

في خلال لحظة ، يقف فانغارد خلف فاندال رافعا سيفه..يضرب.. و لكن فاندال يرد بوجه سيفه

انقلبت الأمور .. فاندال يمسك سيفه بكلتا يديه في وضعية ممتازة و هو ينظر نحو أخيه في شتات من ارتداد هجمته على وجه سيف فاندال..

دفاع فانغارد مكشوف تماما.. هو يعلم ذلك و ينظر نحو اخيه الأصغر الذي يرفع سيفه ببرودة مماثلة ..

يرفع سيفه بشموخ ثم يقول..

"دعني أحزر.."

في تلك اللحظة يختفي فانغارد مجددا ..

و لكن فاندال يستدير قبل ظهوره..

عندما ظهر في الجهة المقابلة لقتالهما..

يواصل فاندال جملته..

"ستعود بثانية للوراء أليس كذلك؟"

فانغارد في عزلة تامة.. تم كشفه ..

فاندال ينظر ببرودة.. يقوم بدفع أخيه بقدمه.. الذي كان أصلا في دفاع مشتت.. ليسقط أرضا..

يجلس فاندال على الأرض من جديد..

يضحك فانغارد الغارق في الوحل..

يبتسم فاندال..

بعد قليل عم الهدوء بينهما..

"حسنا.. سأعود.."

"اه عدت لرشدك.. ستدفع ثمن اتساخي لم تغريني باتباع أوامري .."

"فانغارد.."

بشيء من الجدية يرد فاندال..

"هل ستكون كاناريا بخير ..؟"

يقوم فانغارد من الأرض و يعتدل جالسا..

"سأقوم بكل ما أستطيع فعله.. قائدتك ستكون بخير.. أعدك .."

بعد سماع وعد أخيه.. يتنهد فاندال.. يقوم من مكانه ليذهب نحو أخيه و يساعده في النهوض ..

2026/03/24 · 6 مشاهدة · 933 كلمة
كرولو
نادي الروايات - 2026