بالعودة إلى الأوضاع في أرض المعركة.. الأمور متأزمة للغاية..
المخيم..منهك أكثر من الجنود المقيمين فيه.. نيران مبعثرة فوقها قدور تغلي..منها التي تطبخ أكلا و منها من تسخن الماء لبعض من يرغب في الإستحمام..و لكن على ما يبدو.. لا أحد يرغب في فعل أي من الأمرين..
حول إحدى تلك النيران تجتمع ثلة.. منهم من يرتدي رداء الجيش الأسود و اخرون بملابس عامة و لكنها مجهزة بشيء بسيط جدا من العتاد..درع السلاسل الهزيل تحت الأقمصة مثلا أو درع خفيف يقي الصدر.. صوت طقطقة الحطب الذي تلتهمه النار يسود الحو الكئيب.. يبحث أحدهم عن شيء أضاعه وسط الطين و الوحل.. و لكنه يفشل في إيجاد أي ما كان يبحث عنه.. يعتدل في جلسته على جذع الشجرة و يرجع رأسه للخلف ليخفف عنه التعب من بعد كل تلك الطأطأة .. يبدو من جنود الجيش.. مغمضا عينيه و رأسه يتأرجح للخلف.. يتنهد قائلا..
" "أوكوسيا متعبة و آيلة إلى الزوال.." تلك أسوء نكتة سمعتها في حياتي .."
يبدو أنه يقتبس شيئا من ما وعد به قادتهم .. بسهولة الحرب على أوكوسيا.. يرد أحدهم بصوت مشاغب..
"كل هذا و هي في انهيار و ضعف عسكري غير مسبوق.. تسللت أكثر من مرة إلى صفوفهم.. إنهم يأكلون ما لذ و طاب و ملابسهم و دروعهم يتم الإهتمام به بعد نهاية كل قتال.. لذلك نراهم مستعدين لنا كلما واجهناهم.. بل أكثر استعدادا من اول تلاحم.."
يرجع الرجل الأول رأسه إلى وضع عادي يقابل به المتكلم..يقلب نظره فيه جيدا و يرد..
"مرتزق إذا.. من كلفك بالتسلل ؟"
الرجل المرتزق يبدو قصيرا بشكل مزعج..ملابسه الجيدة لا تبدو بتلك الجودة ما دامت على جسده الهزيل.. عيناه تريدان الخروج من محجريهما أن عن صوته.. فهو اسوء و أكثر من كل ما سبق..
"لا أدري من و لكن تم إخباري من أحدهم أن أنظم لتشكيلة من المستقصين.. و بكوني مرتزقا دفعت تلك التشكيلة لي من مالها لأقوم بهماتها .."
نظر الجندي حوله.. وجوه متخاذلة..
"بفف.. مرتزق أشرف من جنود.. لم أشعر بالعار بوقوفي في صف جيش مملكتنا كاليوم.."
يقول القصير..
"حسنا لا تغضب.. يمكنك أن تعذرهم عندما ترى الأهوال التي نقاصيها.. أنا لا أهتم للموت ما دام المال سيعود في نهاية المطاف إلى إبنتَيّ العزيزتين.."
ينظر ذلك المجند باشمئزاز من منظر المرتزق الكريه رغم ملابسه المحترمة..
"كلامك يبدو منطقيا رغم أنك مرتزق.."
"يبدو أنك تملك فكرة سيئة عن المرتزقة يا.. "
يقول صوت من الخلف..
عند انتباه الجميع.. يبتسم ذلك القزم قائلا..
"فاندال.."
فاندال الرجل صغير السن وسط الفوضى ، يقف بشموخ و سعر أسود مبتل و قميص يميل للاخضرار البارد ..يحدق نحو الجندي بعلو
"اوه إنه أخ فانغارد..! كنت لأقول أنني تشرفت بمعرفتك لولا أنك.."
يقوم من مجلسه..
"لولا أنك طفل مشاغب و مرتزق.."
"أتود إفتعال قتال فوق قتالنا؟"
يرد فاندال بدون تردد.. لكن القزم يتدخل..
"آهاهاهاها إنكم متعبون الكل على أعصابه أنا أتفهم الجميع دعونا من هذا.."
يمشي برشاقة نحو فاندال ليمسكه من كوعه و يسحبه..
"أ ستحممت و غيرت ملابسك لتعود للقتال مباشرة ؟ على الأقل ابقي جسدك نظيفا خفيفا و أفرغ جام غضبك على العدو.."
يفرك رأسه
"..أو هذا ما كانت لتخبرك به كاناريا على الأقل .."
يتبع فاندال قيادة رفيقه القزم له دون أن يشيح عينيه عن الجندي الذي ينظر إليه بابتسام تستفز فاندال للغاية و لكنه لا يملك أن يفعل شيئا حول ذلك..
يقوم القزم بإجلاس فاندال ثم يتجه نحو القدر على النار و يملأ له شيئا من الحساء الذي لا يبدو شهيا إطلاقا مع قليل من الخبز..
يجلس الجميع و يقل التوتر رويدا.. بعد أن انتهى فاندال من الأكل .. تنهد و قام مسرعا..لا يملك رفاهية المكوث..
" نوكيو .. لا أعتقد أننا سننال أكثر من ليلة من الراحة.. إذا لم نضغط على صفوف العدو سنخسى كثيرا من ما قاتلنا لأجله.."
"لم العجلة ؟ هل تريد أن تقوم بقتال مقدمة جيشهم لوحدك ؟ أن تريد مزيدا من مطر الصخور ذلك ؟ نجونا بأعجوبة بالأمس.. لا تحاول أن تتهور.."
فاندال لا يريد سماع شيء من التثبيط.. ليزيد ذلك المجند مجددا بدعم القزم نوكيو..
"لا أريد أن أُأَيّد القزم و لكن معه حق.."
ينتبه فاندال..و يواصل الرجل كلامه..
"تلقى القادة تحذيرات حول نعمة أحد القادة في صفوف جيش اوكوسيا.. تدعى تلك النعمة ب"رأسا على عقب".. على ما يبدو يستطيع أن يرسل الأشياء لتطفو عاليا.. عندما يقوم بإلغاء نعمته.."
يشعر المجند بشيء من الحزن و الهزيمة من حادثة الأمس..
"حسنا.. كلنا نعلم كيف انتهى الأمر عندما يلغي نعمته.."
يكمل في حسرة.. الجميع يشاركه خيبته العميقة و آماله المحطمة .. ربما ما عدا الشاب الذي يكسر صمت اليأس..
"حسنا إنتحروا جميعا اذا أردتم.. سنواصل نحن القتال.."
يقوم بلف ذراعه حول نوكيو القصير
"أنا و نوكيو سنفعل.."
نوكيو ينظر نحو فاندال بعينين مشرقتين.. يبتسم و يرد
"أراك نشيطا يا فاندال.. ما دمت تسير نحو طريق رسمتها كاناريا فأنا معك رفيق.. و لكن حسنا..لا أريد أن أموت عن قريب.."
بعبوسه المعتاد و برودته المنفرة يرد فاندال
"سأقتلك بنفسي اذا.. حسم الأمر.. لقد قتلت لاندراس بالأمس و اليوم هو دورك ..أنظروا إلى جميعا سأقتل كل مرتزق و أنهي الحرب لصالح اوكوسيا.."
يضحك نوكيو ضحكة مزعجة للغاية يقوم فاندال بدفعه بسببها
"لا أدري متى صرت مضحكا هكذا فاندال أنا في دهشة.."
يبتسم الجنود من حولهم و لكن بعض من المرتزقة فهموا الوضع جيدا.. فاندال لم يكن يمزح..
عندما لاحظ نوكيو عبوس اصدقاءه و الحسرة في وجه فاندال سأله قائلا..
"حقا ؟ قتلته..!؟" عندما لم يجب فاندال واصل نوكيو..
"هل خلصته من أن منازعة الموت..؟"
مجددا..لا إجابة من فاندال .. يبتسم نوكيو بحزن عميق ، ينظر نحو السماء بعينيه الحزينتين.. "ذهبت أذا يا لاندراس.."
الأجواء الكئيبة شيء متوقع من مخيم فيه رجال لاقوا شر الحرب مرارا و تكرارا و فقدوا اشخاصا لا طالما قاتلوا بجانبهم.. و لكن الثقة التي يكتسبونها عندما يجدون أشخاصا مثلهم و الطموح نحو إيجاد مخرج من هذا المصير المشؤوم.. شيء نادر.. شيء ينازع ندرة أن تلتقي بشاب قليل الكلام منخفض الصوت يشع بالأمل و العزيمة التي لا قعر له.. سواد عينيه لا ينظر إلا للأمام..
هذا ما لاحظه المجند الذي تناقش مع فاندال منذ قليل.. و هو ينظر إليه بتمعن و يقرأه.. يقوم فاندال بجولة حول مجموعات أخرى و يقوم بالتكلم مع آخرين من رفاقه.. يمكنك أن تعتبر النظرة الهادئة على وجهه ابتسامة منه.. قليل الابتسام و الضحك هذا أثار انتباه هذا الجندي .. يغادر الجندي مجموعته.. يمر من بين الخيم المنصوبة هنا و هناك.. لينتبه أخيرا لضالته.. الخيمة التي يقصدها.. خيمة حسنة منصوبة بشكل جيد و جلد بنوعية أفضل..
"سيدي نائب القائد!!"
يناديه من بعيد حارس عرفه.. المجند يواصل مشيه و يشير بالصمت لذلك الحارس..عندما يصل إليه يضع يده على كتفه و يقول..
"أخفض صوتك هلا فعلت.. لا أريد أن يتم لعني من قبل الجنود حولنا..ليس و أنا أبدو مثلهم على الأقل.."
عندما دخل لخيمته نزع ثيابه قطعةً قطعة.. يواصل كلامه..
"ما الفائدة من تنكري وسط الجنود إن أسمعت كل المخيم برتبتي.."
يرتجف الحارس..
"أ-أعتذر سيدي النائب..!"
"استرح .."
يهدأ الحارس قليلا..يبدو أن الرجل الذي دخل فاندال في حوار ساخن معه لم يكن جنديا بسيطا.. لم يكن جنديا بسيطا إطلاقا..
يرتدي الزي الأسود الأفخم بمراحل من الزي الرديء الذي رماه أرضا.. ينظر بتمعن و تكبر إلى نفسه في المرآة و هو ينظم و يرتب شكله و تفاصيل الزي من الأوسمة..
"حسنا فلنذهب.."
"أمرك سيدي النائب !.."
يخرج الرجل و يرافقه حارسان.. يثير انتباه من حوله من الجنود.. رغم احترامهم لرتبته..قد لا يحترمون شخصه و مكانته.. لولا تسلسل السلطة و الفوضى التي ستحصل ، سينهالون عليه ضربا استفراغا لغضبهم و سخطهم على القادة الذي ساقوهم لقعر مستعر من الجحيم..
عندما وصلوا إلى الخيمة المنشودة..خيمة أكبر ،حراسها يبدون أقوى من مرافقي الرجل و الخيام حولها أكثر جنودا .. انتظر الحارسان مع غيرهم بالخارج.. ليقتحم هو الخيمة.. الخيمة التي كثر أثاثها و أشكال الرفاهية فيها..
"اه أخيرا قررت القدوم ! سيد كيدمان.."
يبتسم قائلا ذلك الكهل الجالس على أريكة..يبادله الرجل الواقف بالابتسامة ..
"تفضل ..إجلس .."
بجلوسه على طرف إحدى الأرائك يعطي الرجل شعورا باللارسمية منه..
"سيد كيدمان..لا تبدو على ما يرام.."
"السيد كيدمان ليس على ما يرام حقا سيدي الرئيس.."
الكهل كان محق في شعوره.. "لما..؟"
يتنحنح ذلك الرجل المحترم ليقول..
"أولا.. علينا أن نغير من أسلوبنا.. نعم نحن في قلب الجبهة أنا أعلم.. نعم.. نحن تحت ضغط القيادة المركزية و الهيئة و العدو نعم انا أدري .. العدو زاد فب الوتيرة نعم صحيح .. و لكن.. لا أريد جنودا يموتون أن يعلموا بما ينتظرهم من جديد .. أنت سيدي القائد على رأس هذه الجبهة و أنت ملم بكل التفاصيل القادمة من القيادة.. اذا حصل لجنودي شيء مماثل مجددا فسيكون ذلك آخر شيء يقومون به تحت امرتي.."
الكهل لا يستطيع حتى النظر لوجه الرجل الذي يكلمه.. الخجل يعتريه..
"سيد كيدمان.. الأوامر هي الأوامر .. إذا أردت أن تسخط على أحد فقم بذلك عند انتهاء مهمة هذه الجبهة.."
يرد كيدمان
"كيف سأرد إن كنتُ تحت جلمود أو ممزقا أو لا أدري ما قد يصيبني أو يصيب غيري من جنود .. كيف لي أن أعرف أي شيء على الاطلاق سيد فيلهيلم إذا لم يتم إخباري؟!"
يحمر وجه القائد الكهل فيلهيلم غضبا..يسحب نفسا عميقا ليرد..
الصراخ يصل إلى خارج الخيمة..الجنود بالخارج يتهامون..
"كعادتهما.."
اعتاد فيلهيلم و نائبه كيدمان على مناقشة أمور المعركة بملىء صدرهما صراخا.. التوتر يغلب عليهما.. هذه هي الحرب.. تقود الرجال نحو الجنون..
في الجهة المقابلة تماما..عندما تنتهي أرض معركة الأمس.. يمتد هنالك نهر يقسم الأرض بين الجيشين.. تلك الخيام هناك تبدو أنها أقل تعبا من خيام الجيش المنهزم السابق .. خيام منضبطة و أكثر انتظاما .. الطعام ليس سيئا أيضا.. جنود في حالة من الهدوء.. خيمة كبيرة تتوسط كل هذا الهدوء.. فيها جمع من الشخصيات المهمة.. يمكنك رؤية الثقة و الكبرياء..
"القادم أسوء .. سأخسف الأرض بحفنة الحمقى..سيعلمون حقا معنى مواجهة أوكوسيا بغضبها و كبريائها..سيعلمون حقا معنى الوقوف في وجه 'باسيليسك الساقط'.."
بكل ثقة يتحدث النبيل الواقف في الزاوية بكأس النبيذ في يده.. ملابس لا تحتاج للوصف من شدة جمالها و بياضها و تفاصيلها.. ابتسامة أنيقة شعر قصير مهذب لامع أصفر يميل للرمادي.. يبعث هذا الرجل بالنبل في كل تفاصيله
"بفففت ضربة حظ.."
يقول أحدهم بتهكم..
"إخرس سأقتلك!!!!!!!" يصرخ الرجل النبيل ليفقد كل ما استجمعه من صورة لامعة
في زاوية مقابلة يضحك إثنان بتهامس بينهما.. شاب عشريني حسن المظهر و امرأة أكبر سنا منه بقليل بنفس الدرجة من النبل و الأناقة.. يتخافتان النكات و القهقهة ..
"لقد فعلتَها يا بيزمارك.. غضب الغبي حقا ..؟"
"أ رأيت. !أ رأيتِ !! قلت لكِ أنني سأفعلها!!"
يزداد الرجل غضبا كل ما سمع شيئا من ضحكاتهم المتخافتة المكتومة ..
في هذا الجو من الصبيانية يقول أحدهم لشخص بجواره..
"لا أعتقد أن أحدا سيصدق أن ذلك الرجل هناك قام لوحده بتدمير سارية لوحده بالأمس و أن الإثنين الآخرين قد يكونان أسوء منه حتى.."
يقوم الرجل بهز رأسه مغمضا عينيه و هو يوافق تماما كلام مخاطبه .. لا ضغط أبدا في هذه الخيمة.. الهدوء و الشعور بالعلو لا يبدو أنه سينتهي عما قريب.. في هذا الجانب من الأرض .. الثقة تأتي من القوة ..
في هذا الجانب من الأرض.. القوة تعلو فوق كل شيء.