الفصل الثاني: مأدبة المحرمات.. وانبثاق "الصدى"
القاهرة - حي "الجمالية" (قبل الفجر بسبع ساعات)
دخل أحمد إلى المخبأ الذي كان يقطنه مصطفى، حاملاً معه حقيبة تحتوي على مستلزمات طبية ومنشطات جينية سرقها من مخازن النخبة. كان المكان يفوح برائحة الغبار والموت القديم. فوق طاولة خشبية متهالكة، وجد رسالة مكتوبة بقطعة فحم على خرقة قماش بالية.
"لا تبحث عني يا أحمد.. الذهب يُصقل في الأفران، والروح تُصقل في الجحيم. لقد ذهبتُ إلى المكان الذي يفر منه الموت نفسه. سأعود قبل المسابقة بشهر.. إما حاملاً رأسي، أو حاملاً عرش العالم."
سقطت الحقيبة من يد أحمد، وتناثرت الأمصال الذهبية فوق الأرض القذرة. "المجنون.. لقد ذهب إلى القارة الرابعة!" صرخ بمرارة وهو يلطم الحائط بقبضته، "رتبة F يدخل 'الغابة السوداء' بمفرده؟! هذا انتحار يا مصطفى! المانا هناك ستمزق رئتيك قبل أن تجد وحشاً يقتلك!" كان أحمد يرتجف، خليط من الغضب والخوف على صديقه الوحيد الذي اختار أن يحرق نفسه ليصل إلى القمة.
الشهر الأول: رطوبة الموت واختناق الحواس
عبر مصطفى "بوابة الفناء" الفاصلة بين حدود مصر وبداية قارة الوحوش. بمجرد دخوله، شعر كأن الغلاف الجوي مصنوع من الرصاص السائل. المانا هناك ليست طاقة، بل هي "ضغط" يحاول سحق عظام الضعفاء.
كان مصطفى يعرف دائماً أنه ليس وحده في رأسه. منذ موت أهله، كان يسمع "صوتاً" يشبه صوته لكنه أكثر برودة، يهمس له في لحظات الضعف. "أنت ضعيف.. أنت لا شيء،" كان الصوت يتردد داخل جمجمته. في هذا الشهر، كاد مصطفى أن يقتل عدة مرات على يد "غراب العظام"؛ وحوش صغيرة مزقت لحمه ولم تترك له فرصة للنوم. كان يزحف في الطين، يتحدث إلى نفسه بهمس محموم: "اصمت.. أنا المسيطر.. أنا من يقود." لكن الصوت كان يضحك، ضحكة خافتة بدأت تعلو مع كل جرح جديد في جسده.
الشهر الثاني: هندسة البقاء
في الشهر الثاني، حدث تحول نوعي. ذكاء مصطفى الذي صقله الشقاء بدأ يطغى على خوفه. بدأ يمارس "الطعنة الواحدة" بسيفه المتهالك، عشرة آلاف مرة في اليوم تحت شلالات من المانا الثقيلة، حتى أصبحت عضلاته نحيفة وصلبة كأوتار الفولاذ.
توقف عن الهرب. بدأ يصطاد بذكاء "المختلين". نصب كميناً لـ "نمر الأنياب" (رتبة D)؛ لم يقتله بالقوة، بل استدرجه لمنطقة طينية غارقة وغرز سيفه في حنجرته ببطء، وهو ينظر في عين الوحش بابتسامة غريبة، ابتسامة غاب عنها الدفء البشري. بدأ يهمس للجثة: "أرأيت؟ الألم هو الحقيقة الوحيدة." بدأ وعيه يختل، وأصبحت المسافة بينه وبين "الصوت" الداخلي تتقلص.
الشهر الثالث: المأدبة المحرمة.. وانشقاق الروح
في منتصف الشهر الثالث، نفدت مؤن مصطفى تماماً. أصبح جسده هيكلاً عظمياً مكسواً بالعضلات المشدودة، وعيناه غارتا في وجهه كأنهما ثقبان أسودان. في وادٍ سحيق تفوح منه رائحة الأوزون المحترق، وجد نفسه وسط ساحة معركة أساطير. وحشان من الرتبة S (تنين مدرع وعملاق حجري) اصطدما هنا، فتركا أشلاءً من لحم الوحش المهزوم؛ لحم مشبع بالمانا الخام التي تقتل أي بشري بلمسة.
كان مصطفى في حالة من "الهذيان التام". جثا على ركبتيه أمام الأشلاء النابضة.
"كل.. إنها تذكرتك الوحيدة للعودة،" صرخ الصوت داخل رأسه، لكن هذه المرة لم يكن مجرد صدى، بل كان صوتاً "واعياً" له حضور في الغرفة.
غرز مصطفى أصابعه في اللحم النيئ، وبدأ يأكل بجنون. مضغ اللحم الذي يحرق حنجرته كأنه زيت مغلي، وشرب الدم الذهبي الحار. في تلك اللحظة، انفرط عقد عقله تماماً. سقط يتلوى، وعروقه برزت بلون أسود داكن، وشعر بجمجمته تكاد تنفجر إلى نصفين.
انبثق "الصدى" بوعي كامل. لم يعد مجرد صوت، بل كياناً يشعر به مصطفى يقف خلف ظله دائماً. لم يتحول مصطفى لوحش بجناحات، بل تحول لشيء أسوأ: إنسان محطم العقل وقوي الجسد.
وقف مصطفى وسط بركة الدماء، يرتجف بتشنجات عصبية بسيطة، ونظر إلى يده الملطخة بدم الرتبة S. لم يصرخ، بل ضحك ضحكة قصيرة، هستيرية، ثم صمت فجأة ليتحدث مع "نفسه" بصوت ثنائي النبرة:
"هل نحن أقوياء الآن؟"
"أقوى مما تتخيل.. يا نصفي الضعيف."
لقد وُلدت الشخصية السوداوية الغامضة؛ مصطفى المختل الذي يجمع بين "ذكاء الإنسان" و "وحشية الصدى". الشخص الذي سيعود للقاهرة ليس كبطل، بل ككابوس يمشي على قدمين.