الفصل الثالث: بريق الألماس.. وحرارة شمس النيل
مدينة "نيوم-X" – القارة الثالثة (منطقة الخليج الأكبر)
لم تكن السماء فوق هذه المدينة زرقاء عادية؛ كانت مغلفة بطبقة رقيقة من "غبار المانا المصفى" الذي يجعل الشمس تبدو كأنها قطعة من الذهب الخالص. هنا، الهواء لا يحمل ذرة تراب واحدة؛ كل شهيق تأخذه هو شهيق "نقي" تم تدويره عبر أجهزة عملاقة موزعة في أركان المدينة الكريستالية. الأرصفة مصنوعة من مادة مرنة تمتص الصدمات وتولد طاقة مع كل خطوة، والمباني ليست مجرد كتل أسمنتية، بل هي "خلايا حية" من الزجاج الذكي الذي يتنفس ويتغير لونه حسب مزاج السكان.
في قلب "برج الثريا"، وتحديداً في الطابق رقم 250، كان أحمد يقف في وسط "غرفة الجاذبية الصفرية". كان جسده عارياً من الأعلى، كاشفاً عن عضلات متناسقة ونظيفة تماماً من أي ندبات، ففي هذا العالم، حتى الخدوش البسيطة تُعالج فوراً بأشعة الليزر الجيني.
كان يرتدي بنطالاً قتالياً من ألياف "الكاربو-مانا" السوداء، وحول معصميه أساور ذهبية تتحكم في تدفق طاقته. أمام أحمد، كانت هناك ثلاثون كرة معدنية عائمة، كل منها تطلق أشعة ليزر حارقة بسرعة تتجاوز سرعة الصوت.
تحرك أحمد بمرونة مذهلة؛ لم يكن يتفادى الأشعة بجسده فقط، بل كان يوجه "رمال المانا الذهبية" التي تخرج من مسام جلده لتشكل دروعاً دقيقة في أجزاء من الثانية. صوت "طنين" الليزر وهو يصطدم بالرمل كان يشبه معزوفة موسيقية منتظمة. بضربة كف خاطفة، حول الرمال إلى نصال حادة انطلقت كالسحر، لتقسم الكرات المعدنية لقطعتين متساويتين في لحظة واحدة.
توقف أحمد، وعادت الرمال لتمتصها مسام جلده بهدوء. تنفس بعمق، ثم نظر إلى كف يده التي كانت ترتعش قليلاً.. ليس من التعب، بل من "الملل" والوحدة.
"هل أنت حي يا مصطفى؟" همس لنفسه وهو ينظر من النافذة الزجاجية العملاقة نحو الأفق البعيد حيث تقع مصر. "هل تأكل التراب الآن بينما أنا أتدرب في غرف من الألماس؟"
الإعلان الملحمي: معجزة النيل
فجأة، اهتز البرج كله بصوت بوقٍ عميق تردد صداه في كل شبر من المدينة. انشقت الشاشات الهولوغرافية في الشوارع، وظهر المذيع العالمي بملامحه الصارمة:
"توقفوا عن كل شيء.. الميزان العالمي يميل اليوم نحو القاهرة!"
ظهرت صورة شاب يبلغ من العمر عشرين عاماً، كان جماله يتجاوز معايير البشر العاديين. بشرته كانت خمرية صافية، شعره أسود كليل القاهرة، وعيناه تشعان بنور أبيض باهر لا يترك مجالاً للظل. كان يرتدي درعاً من الكتان الأبيض المقوى بصفائح من الذهب الخالص، ويمسك برمحه الأسطوري (ناب الشمس).
"إيثان (Ethan).. أول مطور من الرتبة S في القارة الثالثة (قطاع مصر). بنقاوة جينية تصل إلى 99.2%، وقدرة تدميرية تعتمد على الاندماج النووي للشمس. مصر تعود للمنافسة بقوة 'البطل المطلق'."
ذهل أحمد. رتبة S في مصر تعني أن مصر لم تعد "ذيل القائمة". إيثان لم يكن مجرد مقاتل؛ كان "أيقونة" تم تصنيعها بعناية لتكون رمزاً وطنياً.
المهمة: الوفد الذهبي
خلال ساعات، صدرت الأوامر. كان على دول الخليج إرسال وفد لتهنئة "الحليف الصاعد". وبسبب أصول أحمد، تم اختياره برفقة "منصور".
منصور: شاب في العشرين أيضاً، رتبة S من النخبة الخليجية، مغرور لدرجة أنه يعتبر الهواء الذي يتنفسه "الفقراء" ملوثاً. كان يرتدي درعاً ثقيلاً من الكريستال الأزرق، ونظرته لأحمد كانت دائماً تحمل استعلاء "الأصيل" على "المهاجر".
انطلقت طائرة "الصقر-9" التي تعمل بمحركات الاندماج الطاقي، عابرة الحدود في دقائق. هبطت في مطار القاهرة الدولي الذي تم ترميمه بشكل سحري احتفالاً بالبطل الجديد.
لقاء القمة: النور والذهب
في قاعة العرش الكبرى بقصر عابدين، وقف إيثان. كان محاطاً بحراس يرتدون دروعاً فرعونية حديثة. عندما دخل أحمد ومنصور، شعر الجميع بضغط هائل؛ كان إيثان ينفث طاقة حرارية هادئة تجعل المكان يبدو كأنه تحت شمس الظهيرة.
"باسم اتحاد الخليج، نبارك لمصر ولادة شمسها،" قال منصور بغطرسة وهو يقدم علبة بها "كريستال مانا نقي" كهدية.
إيثان لم يبتسم، ولم يهتز. أخذ الهدية وأعطاها لحارسه ببرود ملكي. "المباركة تُقبل، لكن السيادة تُنتزع في الحلبة يا منصور،" رد إيثان بصوت نقي كأنه صوت أجراس فضية.
أحمد لم يستطع الصمت. اقترب من إيثان، وشعر وكأن جلده يحترق من قوة هالة إيثان. "إيثان.. أنا أحمد، رتبة S من الخليج.. ومصري الأصل. هل سمعت عن شاب يدعى مصطفى؟ قدم طلباً للتصفيات قبل رحيله.."
نظر إيثان إلى أحمد بعينين بيضاء تماماً، بلا بؤبؤ واضح، كأنهما شمسين صغيرتين. "مصطفى؟" سأل إيثان بهدوء مستفز، "السجلات الرسمية لا تحفظ أسماء من هم دون الرتبة C يا أحمد. مصر الآن لا تلتفت للظلال التي تعيش في الأنقاض.. نحن نبني عصراً من النور الخالص. من يبحث عن مصطفى، كمن يبحث عن إبرة في كومة قش محترقة."
رحلة العودة: كابوس في الأفق
في الطائرة العائدة، كان منصور يضحك بسخرية: "إيثان هذا مغرور، لكنه قوي جداً. مصر محظوظة بامتلاك بطل 'نظيف' مثله. سيحقق لهم الموارد التي يحلمون بها."
لكن أحمد كان ينظر للأسفل، نحو الصحراء المظلمة التي تفصل بين المدن. كان يفكر في كلمات إيثان: "لا مكان للظلال في عصر النور."
"أنت مخطئ يا إيثان".. فكر أحمد بقلق وهو يغمض عينيه. "إيثان بطل مثالي، بطل خرج من المختبرات والمعامل.. لكن مصطفى.. مصطفى شيء آخر. مصطفى لم يولد من النور، بل ولد من القاع الذي تحاول نسيانه."
تذكر أحمد وجه مصطفى في آخر لقاء؛ تلك الملامح التي كانت تبدو وكأنها تتشقق لتخرج منها "شخصية أخرى". شعر أحمد بأن إيثان هو "الشمس" التي يراها الجميع، لكن مصطفى هو "الثقب الأسود" الذي سيبتلع تلك الشمس وما حولها.
"أتمنى أن تكون قد مِتّ يا مصطفى.." همس أحمد لنفسه، "لأن عودتك بهذا 'الاختلال' الذي كنت أراه في عينيك.. ستكون نهاية العالم الذي نعرفه."