منتزه نانجي على نهر الهان، 2020
كل ما كان يشغل تفكيره هو رغبته العارمة في تدخين سيجارة.
"متى كانت آخر مرة دخنت فيها؟ قبل ستة أشهر؟ لا، ربما أقرب إلى ثمانية."
أفلتت ضحكة مريرة من شفتيه. "هل آخر فكرة تراودني قبل الموت تدور حول سيجارة؟"
حتى هو وجد الأمر سخيفًا.
كان الدم يتدفق بغزارة من اللحم الممزق في كتفه، ليغمر ملابسه. دفعه الألم غير
المألوف إلى رسم تكسيرة ألم على وجهه بشكل غريزي.
لقد كانت إصابته الأولى والأخيرة على يد زومبي في عالم لم يكن يتسامح مع أي أخطاء.
مسح "يوهان" جبهته بظهر يده ورفع رأسه ببطء.
تكشّف أمامه المشهد المحيط به.
لقد كان جحيمًا مطلقًا.
مجزرة مكتملة الأركان بلا أي ناجين في الأفق؛ إبادة تامة أخرى للمجموعة. لقد توقف
عن العد بعد أن تجاوزت المرات العشرات.
هلك المئات من الرفاق على طول الطريق، وتلاشت بالفعل من ذاكرته وجوه وأسماء أولئك
الذين كانوا معه في البداية.
أدار يوهان نظره إلى اليمين.
بجانبه ترقد جثة آخر زومبي قتله. قبل ساعات فقط، كان هذا أقرب وأقدم رفاقه؛ وهو نفس
الشخص الذي نقل إليه العدوى.
الشخص الذي بقي إلى جانبه حتى عندما كان يوهان يفقد إنسانيته ببطء في هذا العالم
المدمر.
"آه..."
كان منهكًا تمامًا.
مرت ثلاث سنوات منذ ظهور كائنات الزومبي لأول مرة. لقد صمد لفترة أطول من معظم
الناس، ولكن في النهاية، هذا هو أقصى ما يمكنه الوصول إليه.
هل تبقى أي ناجين في الخارج؟ ربما كان فريقه هو الأثر الأخير للبشرية.
كانت المعركة الأخيرة على المؤن المتناقصة وحشية. لقد كان صراع حياة أو موت بين
الفصيلين اللذين صمدا لأطول فترة وقاتلا بضراوة.
أُبيد فريق يوهان بالكامل، وتكبد فصيل العدو خسائر من المحتمل ألا يتعافوا منها
أبدًا.
هُزموا، لكنه كان دمارًا متبادلاً.
على الأقل بذل كل ما في وسعه.
أخيرًا، شعر أنه يستطيع أن يرتاح.
أغمض يوهان عينيه.
—
كان الاستيقاظ شعورًا غريبًا.
بطانيات ناعمة تغطي جسده.
بطانيات؟
فتح يوهان عينيه فجأة، والمشهد أمامه جمّده في حالة من عدم التصديق.
"هل هذا...؟"
لقد تعرف على المكان من ذكريات باهتة.
إنها الغرفة المستأجرة في مدينة "إنتشون" حيث عاش منذ أن كان في الرابعة والعشرين
من عمره.
"ما بحق الـ...؟"
نظر يوهان حوله. كان هناك الحاسوب، ومكيف الهواء، وغسالة الملابس؛ أشياء لم يعتقد
يومًا أنه سيستخدمها مجددًا. كل شيء كان تمامًا كما يتذكره.
حطّم رنين هاتف مفاجئ أفكاره المشتتة. أجاب على الهاتف بغريزته.
"مرحبًا؟"
– "أنت!"
صرخة من الطرف الآخر جعلته يجفل.
"من معي؟"
– "هل فقدت عقلك؟ هل تعرف كم الساعة الآن؟ لماذا لست في العمل؟"
"إيه..."
– "تعال إلى هنا فورًا!"
نبح الرجل على الهاتف مرة أخرى وأغلق الخط فجأة. كان الاسم الذي ظهر على الشاشة
يقرأ: مساعد المدير مون.
لكن ما لفت انتباه يوهان أكثر هو التاريخ الظاهر على هاتفه.
سبتمبر 2016.
قبل ستة أشهر من بدء كارثة الزومبي. في ذلك الوقت الذي كان فيه العالم لا يزال ينعم
بالسلام.
هل كان هذا حلمًا؟
قرص يوهان نفسه. كان الألم الحاد لا يُنكر.
هل يُعقل أن كل ما حدث — نهاية العالم، النجاة — كان مجرد حلم؟
حاول تذكر السنوات الثلاث الماضية.
كانت التفاصيل حية للغاية بحيث لا يمكن تجاهلها كمجرد كابوس. كل حدث، وكل شخص ظل
محفورًا في ذاكرته. ورغم أن وجوه وأسماء بعض رفاقه الأوائل أصبحت ضبابية، إلا أن
ذكريات تلك السنوات المروعة ظلت واضحة بشكل مؤلم.
التوتر الذي سيطر عليه في نهاية العالم كان لا يزال متشبثًا بجسده، كما لو أنه في
أي لحظة، قد تنهض جثث متعفنة لتغرس أسنانها فيه.
"هل يُعقل...؟"
كان هناك تفسير واحد فقط.
لقد عاد.. عاد إلى الماضي.
لم تكن هناك طريقة منطقية لتفسير ذلك، لكن الحقيقة استقرت في عقله كحقيقة راسخة
عنيدة.
وضع يوهان يده على جبهته واستلقى على السرير مجددًا.
لقد عاد.
لم يتمنَّ ذلك يومًا، لكن بطريقة ما، عاد إلى الحياة — وعاد إلى نقطة البداية.
ما شعر به الآن لم يكن إحباطًا من فكرة اضطراره لخوض كل ذلك مجددًا، بل كان إحساسًا
عميقًا بالارتياح. فرصة لالتقاط الأنفاس، ولو للحظة.
التقط هاتفه وطبع رسالة ببطء.
– أشعر بوعكة صحية اليوم. سآخذ اليوم إجازة.
بعد ستة أشهر، لن يكون للشركة وجود على أي حال. ما كان يهمه أكثر هو التلذذ بالسلام
الذي ينعم به الآن.
كان يريد فقط أن يرتاح.
دفن يوهان وجهه في الوسادة. كان القماش الناعم مريحًا لدرجة أنه شعر وكأنه سيغط في
النوم على الفور.
ولأول مرة منذ وقت طويل، شعر براحة حقيقية. إن غياب الواقعية المطلق لهذا الموقف
زاد من حدة ذلك الشعور.
وغرق في النوم.
—
فتح يوهان عينيه فجأة.
شعر بخفة في جسده، كما لو كان بإمكانه الطيران.
كان ذلك النوع من النوم المريح الذي لم يختبره منذ ثلاث سنوات، شيء اعتقد أنه لن
يشعر به مجددًا أبدًا.
ألقى نظرة على الوقت؛ لقد نام طوال اليوم تقريبًا. وأظهر هاتفه ثلاثين مكالمة فائتة
من العمل.
ألقى يوهان الهاتف جانبًا بلامبالاة والتقط كومة من قسائم الخصومات من على الأرض.
طلب كل شيء: دجاج، بيتزا، بوسام [1]، جوكبال [2] — أي شيء أمكنه الحصول عليه.
كان طعم طعام التوصيل بعد ثلاث سنوات نعيمًا خالصًا.
أكل والدموع تترقرق في عينيه، يحشو الطعام في فمه كشخص ممسوس. وحتى بعد أن أفرط في
الأكل، كان لا يزال هناك الكثير من الطعام المتبقي.
وبعد أن أُشبع جوعه وإرهاقه أخيرًا، أصبح عقله أكثر صفاءً. وتدفقت ذكريات السنوات
الثلاث الماضية عائدة إليه.
مارس 2017 — بعد ستة أشهر بالضبط من الآن — ستظهر الوحوش.
أطلق عليهم البعض اسم الموتى الأحياء، وآخرون أسموهم زومبي، أو ببساطة، وحوش.
أي شخص يتعرض للعض، أو الخدش، أو يتلامس مع دمائهم، سيموت في ألم مبرح، ليُستهلك
جسده كما لو كانت تنهشه الحشرات من الداخل إلى الخارج. وفي غضون خمس دقائق فقط — أو
ساعة على أقصى تقدير — سينهضون مجددًا كزومبي.
بشكل فردي، لم يكونوا أقوياء أو سريعين. لكن أعدادهم كانت طاغية.
كانت استجابة كوريا الجنوبية الأولية فشلاً ذريعًا.
انتشر الزومبي بسرعة، وفقدت المدن الكبرى مثل سول، وبوسان، ودايغو كل مقومات العمل
في غضون شهر. ورغم أن الانهيار الكامل استغرق شهرًا، إلا أن الفوضى انتشرت في غضون
ساعات قليلة.
مهما كان عدد الزومبي الذين يُقتلون، كانوا يستمرون في القدوم. ومع تضاؤل المؤن،
تجاوز الخوف من البشر الخوف من الموتى الأحياء.
في عالم بلا قانون، تفشى القتل، والسرقة، والاعتداء. وأدت الخيانات داخل الجماعات
إلى إبادة حتمية.
شهد يوهان موت رفاقه أكثر من عشرين مرة.
ليس مجرد عشرين شخصًا؛ بل عشرين إبادة تامة.
لقد نجا وحيدًا، وعانى، وفكر في الانتحار مرات أكثر مما يستطيع إحصاءه.
لكنه نجا لثلاث سنوات.
لقد رقص على حافة الموت مرات لا تحصى، وسحب نفسه من حافة الهاوية، وتحمل ذلك الجحيم
لثلاث سنوات طويلة.
والآن، لقد عاد — متسلحًا بمعرفة المستقبل.
لم يكن بإمكانه تجاهل الأمر كحلم.
سَيُراهن بكل شيء للتحضير لنهاية العالم.
حتى لو لم ينتهِ العالم، حتى لو كان ذلك يعني تدمير حياته، فسيكون ذلك أفضل بألف
مرة من ألا يكون مستعدًا عندما تحين النهاية.
أفرغ يوهان عقله من كل المشتتات وركز على فكرة واحدة فقط.
بعد ستة أشهر، سينتهي العالم. وأنا وحدي من يعلم باقترابه.
هامش:
[1] بوسام (Bossam): طبق كوري يتكون من شرائح لحم بطن أو كتف الخنزير
المسلوق مع البهارات، ويُقدم مع أطباق جانبية مثل الكيمتشي والثوم وأوراق الخس أو
الملفوف التي تُستخدم للف اللحم. وغالبًا ما يتم الاستمتاع به مع صلصة المأكولات
البحرية المخمرة وتوابل أخرى. [2] جوكبال (Jokbal): طبق كوري يُصنع من أقدام
الخنزير المطهوة ببطء في خليط من صلصة الصويا والزنجبيل والثوم والبهارات حتى تصبح
طرية. يُقطّع اللحم إلى شرائح ويُقدم مع إضافات مثل الفجل المخلل والثوم والسامجانغ
(صلصة غمس سميكة)، وغالبًا ما يُلف في الخس أو أوراق البيريلا.