𓆩⚜𓆪 لقد ظننتُ أنني حقًا قد مُت ༻
بينما كانت العربة تشق طريقها وسط الليل، كنت غارقة في عالمٍ من الأحلام.
رأيت نفسي في مكانٍ مظلم لا نهاية له، فراغ أسود واسع كنت أطفو فيه بلا اتجاه. لم يكن هناك شيء سوى الظلام... حتى ظهر نور خافت في البعيد.
في البداية ظننته نجمة صغيرة، لكن كلما اقترب أدركت أنه صادر من فتاة.
كانت تملك شعرًا أشقر يلمع حتى بدا أبيض اللون، وعينين ورديتين براقتين. كانت جميلة إلى حدٍ ما، بل إنها تشبهني بصورة غريبة، إلا أن جزءًا من وجهها كان مخفيًا، لذلك لم أستطع تمييز هويتها.
اقتربت مني ببطء.
خطوة بعد أخرى.
حتى وصلت أمامي ومدت يدها نحوي.
أمسكت بيدي أولًا، ثم وضعت كفيها على وجهي.
بعدها نطقت بصوتٍ خافت بالكاد سمعته:
"فلورينا..."
وما إن نطقت باسمي حتى تلاشى الظلام من حولنا.
اختفى كل شيء.
واختفت هي أيضًا كما لو كانت غبارًا ذهبيًا نثرته الرياح.
في تلك اللحظة بدأت أفتح عيني ببطء.
شيئًا فشيئًا...
حتى استعدت وعيي بالكامل.
ثم أدركت الحقيقة.
لقد اختُطفت.
اتسعت عيناي فجأة وأصبح تنفسي متسارعًا من شدة الصدمة. نظرت حولي بسرعة لأستوعب ما يجري.
كنت داخل زنزانة صغيرة.
لكنها لم تكن ثابتة.
كانت تهتز باستمرار.
بعد لحظات أدركت أن الزنزانة موضوعة داخل عربة كبيرة تسير على الطريق.
تنهدت بهدوء.
حسنًا...
في الأصل كنت أنا من يخطط للاختطاف.
كنت أريد التسلل إلى شبكة تجارة العبيد والوصول إلى رئيسها الحقيقي، ثم قطع رأسه وإنهاء هذه التجارة القذرة من جذورها.
وعندما هاجمني بعض تجار العبيد لم احوال الدفاع عن نفسي بالخنجر الذي أحمله. وعلى الرغم من المهارات التي اكتسبتها في حياتي السابقة كجاسوسة، الا اني لم اقاوم كثيرا لكي تخنطف واعرف من ورائهم .
لكن يبدو أن الأمور لم تسر كما خططت.
عندما رفعت رأسي ونظرت إلى الجهة الأخرى من الزنزانة، وجدت الأمير الثاني ممددًا على الأرض فاقدًا للوعي.
كان جسده محمومًا بشدة.
الأمير الثاني في السابعة عشرة من عمره، وهو في العمر نفسه تقريبًا الذي أبلغه الآن.
منذ صغره كان ضعيف البنية وكثير المرض، لذلك لم يكن منظر الحمى عليه أمرًا غريبًا.
ومع ذلك...
إذا اعتنيت به الآن، فقد أحصل لاحقًا على مكافأة مالية جيدة.
مال يمكنني استثماره في تجارتي البحرية ومشروعي الخاص بالأحجار السحرية.
لكن بصراحة...
لم أتوقع أبدًا أن يُختطف الأمير الثاني نفسه على يد تجار العبيد.
الآن لا بد أن المملكة بأكملها تعيش حالة من الفوضى.
الأمير الثاني للمملكة.
الثاني في ترتيب ولاية العرش.
وابنة دوقية أسلاير الوحيدة.
على الأرجح أن عائلتي أرسلت فرسانها بالفعل للبحث عني، وكذلك العائلة الإمبراطورية.
لكن...
ماذا عن أرسيان وإيفان؟
هل هما بخير؟
أبعدت تلك الأفكار مؤقتًا وعدت أنظر إلى الأمير.
كانت حالته سيئة للغاية.
تذكرت أن خادمتي أعطتني قبل الذهاب إلى المزاد بعض الأعشاب المخفضة للحرارة والمسكنة للألم.
فبعد أن جرحت نفسي عمدًا لإثبات أن الجرعة السحرية مزيفة، أصبت بحمى قوية. ولحسن الحظ تعافيت خلال يوم واحد، لكن خادمتي أصرت على أن أحمل الدواء معي تحسبًا لأي طارئ.
ويبدو أن احتياطها كان في محله.
فتحت حقيبتي وأخرجت القارورة الصغيرة.
لكنني توقفت.
الأمير يحتاج إلى الماء أولًا.
بحثت حولي فلم أجد شيئًا.
عندها لاحظت وجود امرأة عجوز تقف في مؤخرة العربة.
كانت تنظر إلى القمر بصمت.
نظرة شخص استسلم للحياة بالكامل.
ناديتها بصوت مرتفع:
"أيتها السيدة! هل تسمعينني؟ أرجوك، هل لديك بعض الماء؟"
لم أحصل على أي رد.
فأعدت المحاولة:
"حالته خطيرة، أرجوكِ! فقط قليل من الماء!"
تمتمت بضيق:
"تسك... هل فقدت سمعها؟"
وما إن قلت ذلك حتى استدارت العجوز نحوي.
سارت ببطء نحو جرة ماء موضوعة بجانبها، ثم حملتها واقتربت من قضبان الزنزانة.
دفعت الجرة نحوي بصمت.
اتسعت عيناي من المفاجأة.
ثم ابتسمت لها ابتسامة مشرقة.
"شكرًا لكِ."
بدت مصدومة للحظة.
ثم عادت إلى مكانها من دون أن تقول شيئًا.
أخذت الماء وأخرجت منديلي الوحيد.
بللته بالماء ثم وضعته على جبين الأمير.
لكن الأرضية الخشبية كانت قاسية، ولم أملك أي وسادة أضعها تحت رأسه.
لذلك تنهدت وجلست على الأرض.
ثم رفعت رأسه بحذر ووضعتها في حضني.
مزقت جزءًا من طرف ملابسي وبدأت أمسح العرق المتجمع على جبينه وعنقه.
بعد مدة قصيرة بدأت أنفاسه تستقر.
لكن الحمى كانت لا تزال مرتفعة.
ولهذا نزعت معطفه الخارجي لتخفيف الحرارة عنه.
تفاجأت قليلًا.
رغم أن الأمير مشهور بضعف جسده، إلا أن بنيته لم تكن سيئة أبدًا.
فتحت القارورة وأحضرت الأعشاب الطبية.
ثم قلت:
"سمو الأمير... هل يمكنك فتح فمك؟"
فتح عينيه بصعوبة.
وبصوت مبحوح ومتعب قال:
"كيف تجرؤين على وضع... كح... كح... شيء في فمي؟"
نظرت إليه وكأنه قال أكثر جملة سخافة سمعتها اليوم.
ثم أجبت ببرود:
"اخرس."
وبدون أن أمنحه فرصة للاعتراض، وضعت الدواء في فمه بالقوة.
قاوم قليلًا.
لكن حالته لم تسمح له بالمقاومة طويلًا.
بعدها سقيته الماء حتى ابتلع الدواء بالكامل.
ولم تمضِ دقائق حتى استسلم للنوم مجددًا.
تنهدت براحة.
ثم رفعت رأسي ونظرت نحو العجوز الجالسة في آخر العربة.
كانت تنظر إليّ.
لكن نظرتها لم تكن طبيعية.
كانت نظرة مليئة بالندم...
والحزن...
وكأنها تريد أن تقول شيئًا مهمًا.
شيئًا أخفته لسنوات طويلة.
لكن الكلمات لم تخرج من فمها.
وبقي الصمت يسيطر على المكان.
نهاية الفصل.