الفصل الثاني: حقيبة الظهر والطريق الموحل

​في الصباح التالي، لم تكن بلدة ريفريند قد استيقظت بالكامل عندما كان رين يسير عند مخرجها الغربي. الطقس كان غائماً، ورذاذ المطر الخفيف جعل الأرض الترابية تتحول إلى ممر طيني لزج يصعب السير فيه.

​كان رين يرتدي معطفه الرمادي الفضفاض ذاته، وقبعته القشية تحمي رأسه من قطرات المطر. وعلى ظهره، استقر الصندوق الخشبي الضخم، مربوطاً بحبال ليفية عادية، ويتدلى منه الوعاء المعدني الصغير الذي كان يصدر رنيناً رتيباً مع كل خطوة: كِلينج.. كِلينج.. كِلينج.

​كان يسير ببطء شديد، يجر قدميه بحذائه الجلدي البسيط وسط الطين، كأنه شخص لا يهتم متى يصل، أو كأن الطريق نفسه هو غايته. بجانبه، كان جيل يسير بحماس مفرط، يحمل حقيبة قماشية صغيرة ويتحرك بسرعة، ملتفتاً كل دقيقة إلى رين ليتذمر من بطئه.

​"رين! إذا استمررت في السير بهذا الإيقاع، فستنتهي فترة التقديم قبل أن نتجاوز حدود المقاطعة الأولى!" صرخ جيل وهو يمسح قطرات المطر عن وجهه. "عربات النقل العامة ستحرك من المحطة الرئيسية بعد ساعتين، وعلينا الإسراع!"

​"أوه، جيل.. الطين هنا يملك لزوجة ممتازة، ألا ترى ذلك؟" أجاب رين بصوته الناعم والهادئ، وهو يبتسم تحت ظل قبعته. "الاستعجال في طقس كهذا يجعل المرء يسقط على وجهه، وساعتها سنتسخ بالكامل قبل أن نرى البوابات الفخمة للعاصمة. خذ نفساً عميقاً، واستمتع برائحة المطر.. العربات لن تطير على أي حال."

​بينما كانا يسيران، مرت بجانبهما عربة خشبية كبيرة يجرها حصانان قويان، تحمل مجموعة من الشباب النبلاء من المقاطعات المجاورة. كانوا يرتدون ملابس ملونة مطرزة، وتظهر على وجوههم ملامح الكبرياء والترقب. عندما مرت العربة بجانب رين وجيل، تسببت عجلاتها الضخمة في قذف كمية كبيرة من الطين الأسود باتجاههما.

​بشكل مفاجئ، وبدون أي حركات بهلوانية، انزلق رين خطوة واحدة إلى الجانب كأنه تعثر بعفوية في حجر صغير، ليمر الطين المتطاير بجانبه تماماً دون أن يلمس معطفه الرمادي. أما جيل، فقد نال نصيبه بالكامل على قميصه القماشي.

​"تباً لهؤلاء المغفلين!" شتم جيل وهو يحاول مسح الطين. "يظنون أنهم امتلكوا العالم لمجرد أنهم يملكون كميه كبيره من المانا!"

​"يا إلهي، هذا مؤسف حقاً يا جيل،" قال رين بنبرة تفيض بالمسكنة والتعاطف ، وهو ينظر إلى قميص جيل، بينما كانت يده اليسرى لا تزال تحرك غصناً خشبياً صغيراً بكسل مفرط. "النبلاء دائماً على عجلة من أمرهم.. كأنهم يركضون نحو حتفهم. لكن انظر، ملابسي نجت بأعجوبة، يبدو أن حظي لا يزال يعمل."

​استمر الخريف في بسط ظلاله الرمادية على الطريق الطويل الممتد عبر السهول والمزارع. بالنسبة للقراء أو المسافرين الذين مروا بجانبهما، لم يكن رين سوى فتى عامي بسيط، حمال حقائب يبدو ضعيف البنية ومغفلاً بعض الشيء بسبب ابتسامته الدائمة وقبعته التي تخفي عينيه. لم يكن هناك ما يوحي بأنه يفهم في السحر، أو أنه يملك سراً؛ كان مجرد عامي من البشر يسير في عالم وحشي ، يثير فضولاً طفيفاً لدى من يلاحظ كيف أن خطواته، رغم بطئها الشديد، تظل ثابتة ومستقرة تماماً فوق أشد الأراضي زلقاً، دون أن يترك خلفه أثراً لجهد أو تعب.

​ومع اقتراب المساء، بدأت معالم المحطة الرئيسية للمقاطعة تلوح في الأفق، حيث تتجمع الحشود المتوجهة نحو العاصمة، وحيث تبدأ الرحلة الحقيقية بالاختلاط بعالم آخر تماماً.

2026/06/12 · 7 مشاهدة · 482 كلمة
جمعه
نادي الروايات - 2026