لم يلتفت.
كانت الخطوات لا تزال خلفه.
خطوة…
ثم صمت.
خطوة أخرى…
ثم صمت أطول.
كان يسمعها بوضوح، رغم أن المسافة بينه وبين صاحبها بدت وكأنها لا تتغير.
واصل السير.
كان الطريق يمتد أمامه وسط أرض رمادية قاحلة، يقطعها ضباب خفيف يزحف فوق الحجارة.
كل خطوة كان يخطوها محسوبة.
لم يكن يعرف إلى أين يذهب.
لكنه كان يعرف أنه لا يستطيع البقاء مكانه.
رفع رأسه.
وعند الأفق ظهرت الأسوار.
توقفت أنفاسه للحظة.
كانت أسوار المدينة شاهقة، مبنية من حجارة داكنة تتخللها خطوط معدنية لامعة. أبراج ضخمة ارتفعت خلفها، بعضها حاد كالرماح، وبعضها دائري تحيط به حلقات من الضوء.
كانت المدينة تبدو وكأنها تراقب الأفق.
تراقبه هو أيضًا.
اقترب أكثر.
ثم رأى البوابة الرئيسية.
فوقها، محفورًا داخل الحجر، كان الرمز.
دائرة داخل دائرة.
نفس الرمز الذي رآه في القاعة.
تجمد في مكانه.
تسارعت أنفاسه.
مد يده دون وعي نحو صدره، وكأنه يبحث عن شيء لا يعرفه.
لم يجد شيئًا.
لكنه شعر بنفس الوخزة التي شعر بها عندما لمس النقوش.
ألم.
وذكرى لا تكتمل.
ثم فتح الحراس البوابة.
دخل.
وفي اللحظة التي وطئت فيها قدماه شوارع المدينة…
ساد الصمت.
كان هناك عشرات الأشخاص في الساحة.
تجار.
أطفال.
رجال ونساء.
جميعهم كانوا يتحدثون قبل لحظات.
لكنهم توقفوا.
التفتت الرؤوس نحوه.
واحدة تلو الأخرى.
حتى صار يشعر بأن المدينة كلها تنظر إليه.
اقترب أحد الحراس.
كان يرتدي درعًا داكنًا، وعلى كتفه شعار المدينة.
وضع يده على مقبض سيفه.
وقال بصرامة:
“قف.”
توقف.
“من أنت؟”
فتح فمه.
حاول الإجابة.
لكن الكلمات لم تخرج.
خفض عينيه.
ثم قال بصوت متردد:
“لا أعرف.”
تبادل الحراس النظرات.
قال أحدهم:
“من أي مدينة أتيت؟”
رفع رأسه ببطء.
هز رأسه.
“لا أتذكر.”
ساد صمت قصير.
نظر الحارس الأول إليه طويلًا، وكأنه يحاول العثور على شيء في وجهه.
ثم قال:
“أنت تتوقع منا أن نصدق أنك لا تعرف من أنت؟”
لم يجب.
لأنه فعلًا لا يعرف.
تقدم حارس آخر، وكان أكبر سنًا من البقية.
خطا نحوه ببطء.
توقف أمامه.
حدق في وجهه.
طويلًا.
أطول مما ينبغي.
ثم تغيرت ملامحه.
تراجع خطوة.
“هذا مستحيل.”
نظر إليه الحراس.
“ماذا؟”
لكن الرجل لم يجب.
كان لا يزال يحدق فيه.
ثم—
دق الجرس فوق الأسوار.
دقة واحدة.
ارتجت المدينة كلها.
ثم دقة ثانية.
تغيرت الوجوه.
ثم دقة ثالثة.
بدأ الناس يبتعدون.
أغلقت النوافذ.
أُغلقت الأبواب.
حتى الأطفال الذين كانوا يراقبونه من بعيد اختفوا خلف أمهاتهم.
لم يفهم شيئًا.
“ما الذي يحدث؟”
لم يجبه أحد.
ثم ظهر شيخ مسن من بين الناس.
كان يمشي ببطء، مستندًا إلى عصا خشبية.
لم يبدُ خائفًا.
بل بدا…
كأنه كان ينتظر هذه اللحظة.
اقترب منه.
رفع وجهه.
حدق فيه.
ثم اقترب أكثر.
كأن ملامحه تحمل إجابة عن سؤال ظل يبحث عنه طوال حياته.
فتح الشيخ فمه.
خرجت منه كلمات غريبة.
بصوت منخفض، غير مفهوم لأحد.
ثم توقف.
اتسعت عيناه.
وهمس:
“لقد عاد أحد المنسيين.”
لم يتحرك أحد.
حتى الريح بدت وكأنها توقفت.
شعر بألم مفاجئ في رأسه.
أمسك جبهته.
“آه…”
انحنى.
ثم جاءت الومضة.
مدينة.
لكنها ليست المدينة التي يقف فيها الآن.
نفس الشوارع…
لكنها مدمرة.
النيران في كل مكان.
السماء سوداء.
وفي وسط الأنقاض كان هناك برج أبيض.
شاهق.
جميل.
ثم انهار.
سقط ببطء أمام عينيه.
وتحت أنقاضه…
كان هناك شخص.
واقفًا وحده.
لم ير ملامحه.
كان يرتدي شيئًا داكنًا، وظهره مواجهًا إليه.
ثم استدار.
كأنه شعر بوجوده.
رفع وجهه نحوه—
واختفت الرؤية.
عاد إلى الساحة.
سقط على ركبة واحدة.
كان يتنفس بصعوبة.
رفع رأسه.
الجميع كان يحدق به.
لكن هذه المرة لم تكن نظراتهم مليئة بالفضول.
كانت مليئة بالخوف.
اقترب الشيخ خطوة.
نظر إليه وكأنه يرى شيئًا لا يريد أن يراه.
ثم قال بصوت بالكاد سُمع:
“أغلقوا البوابة.”
رفع أحد الحراس رأسه.
“لكن يا سيدي…”
صرخ الشيخ:
“أغلقوها!”
بدأت البوابة الحجرية بالتحرك.
صوتها دوّى في الساحة.
نظر إليها وهو لا يزال على ركبته.
لم يفهم لماذا يخافون منه.
لم يفهم من يكون.
ولم يفهم ماذا تعني تلك العصور التي تحدث عنها الشيخ.
لكن قبل أن تُغلق البوابة تمامًا، سمعه يهمس:
“لقد عاد أحد أبناء العصور المحذوفة.”
ثم أُغلقت البوابة.
وانقطع العالم خلفها