الفصل 11 : سبعة أيام من الاحتضار (2)
/
أخذتُ نفساً عميقاً، ثم غمرتُ فخذي المصاب في تيار الماء الجاري.
"اااااااغ!"
انفجرت الصرخة خلف أسناني المطبقة حتى شعرتُ بطعم الدم في فمي.
البرودة لم تكن منعشة، بل كانت كآلاف الإبر التي تنغرس في اللحم المكشوف.
بدأتُ بفرك الجرح بقسوة، مزيلاً طبقات التراب والراتنج المتسخ والدم المتجلط.
كان عليّ رؤية "العدو" بوضوح.
تحت ضوء الشمس المتسلل، بدا الجرح مرعباً؛ حواف زرقاء متورمة، وصديد يختلط بماء الجدول الصافي.
استخدمتُ قطعة القشرة الحادة، بعد أن غسلتها جيداً، لأكشط الأنسجة الميتة.
كان ألماً يفوق الوصف، ألمٌ جعل رؤيتي تسودّ للحظات، لكنني كنت أعلم أن كل ذرة من اللحم الميت أزيلها هي ثانية إضافية أشتريها لحياتي.
بعد أن انتهيتُ وأصبح الجرح ينزف دماً أحمر قانياً، ارتميتُ بظهري على الصخور، أنفاسي تخرج بصعوبة .
وبينما كانت عيناي تجولان في المنطقة المحيطة بالجدول، سقط نظري على شق صخري رطب تخرج منه نبتة غريبة؛ أوراقها عريضة وسميكة، ولونها أخضر داكن يميل للسواد، تتوسطها عروق حمراء ناصعة تشبه الشرايين البشرية.
(هل يمكن أن تكون هذه... "عشب دم الأرض"؟)
توقفتُ لحظة أسترجع ما أعرفه عن جغرافيا هذا العالم المتوحش. "منطقي جداً أن تنمو هنا،" همستُ لنفسي بمرارة. "هذا الجدول ليس مجرد مصدر للماء، بل هو بؤرة دماء. الوحوش الجريحة مثل تلك الألفية تنجذب غريزياً للمياه لتبريد جروحها، وكثير منها يلفظ أنفاسه الأخيرة هنا. التربة التي تشبعت بجوهر دماء الوحوش لسنوات هي المهد الوحيد الذي يقبل احتضان جذور عشب دم الأرض."
كان وجودها علامة مزدوجة؛ فهي الدواء الذي سيحمي ساقي من الغرغرينا، لكنها أيضاً شاهد صامت على أن هذا المكان "الآمن" هو في الحقيقة مسلخ طبيعي تمر به أشرس الكائنات عندما تضعف.
زحفتُ نحوها بجهد جهيد، قطفتُ ورقة وضغطتُها بين حجرين حتى استخرجتُ عصارة لزجة ضاربة للحمرة.
وضعتُ العصارة مباشرة على الجرح المفتوح، فلم يكن هناك ألم هذه المرة، بل "خدر" بارد وسريع انتشر في فخذي، وكأن خيوطاً غير مرئية بدأت تشد اللحم الممزق لتقربه من بعضه.
[تنبيه: تم استخدام مادة طبية طبيعية. انخفاض مؤشر الخطر الحيوي بنسبة 15%.]
أطلقتُ زفيراً طويلاً من الراحة. لم أُشفَ تماماً، لكنني أوقفتُ عداد الموت التنازلي مؤقتاً.
نظرتُ نحو الجرف الصخري القريب؛ كان هناك نتوء مرتفع يصلح كمأوى طبيعي بعيداً عن مفترسات الأرض التي قد تأتي للجدول في أي لحظة.
سيكون هذا معسكري للأيام القادمة.
هنا، سأنتظر.. وأراقب.. وأستعد للحظة التي سأتوقف فيها عن كوني فريسة.
بينما كنتُ أرخي جسدي المنهك على الصخور، لفتت نظري ومضة زرقاء باهتة تنبض بانتظام خلف صدع صخري مغمور جزئياً بالماء.
ثبتُّ نظري، ليتضح لي كائن صغير يشبه الفراشة المائية، بأجنحة شفافة كأنها قشور جليدية؛ إنه "غو قطرة الندى" من الرتبة الأولى.
خفق قلبي للحظة. في عالم "غو"، الحصول على أول غو هو الخطوة الأولى نحو القوة والسيادة. امتدت يدي غريزياً نحو الصدع، واندفعت الأدرينالين في عروقي محفزةً عقلي المنهك: (لو أمسكتُ به.. لو نجحتُ في ترويضه، ربما تتغير موازين القوى هنا!)
لكنني توقفتُ فجأة.
نظرتُ إلى يدي الملوثة بالتراب والدماء، ثم إلى فخذي المشوه الذي بدأ لتوه يهدأ تحت تأثير عشب دم الأرض.
( أي حركة عنيفة الآن، أي قفزة متهورة في الماء البارد لملاحقة كائن سريع وسرّي كـ "غو الندى"، ستعني شيئاً واحداً: تمزق الجرح من جديد، ونزيف قد لا يتوقف هذه المرة. )
(تباً للأحلام الزائفة..) زمجرتُ داخلياً وأنا أسحب يدي ببطء.
"حتى لو أمسكتُ به، ماذا سأفعل؟" سألتُ نفسي بواقعية باردة. "لا أملك جوهراً بدائياً (Primeval Essence) لترويضه، ولا أملك القوة البدنية للاحتفاظ به إذا ما جذب انتباه وحش آخر. ملاحقة أمل ضعيف في حالتي هذه ليست شجاعة، بل هي انتحار أحمق."
أغمضتُ عينيّ متجاهلاً الوميض المغري الذي بدأ يبتعد تدريجياً حتى اختفى في أعماق الجدول.
كان التخلي عن أول صيد ثمين درساً قاسياً في الصبر والزهد، لكنه كان ضرورياً.
قررتُ توجيه كل ذرة طاقة متبقية لديّ نحو البقاء.
سحبتُ جسدي ببطء شديد نحو النتوء الصخري المرتفع الذي حددته سابقاً كملجأ. هناك، بعيداً عن ضجيج الماء الذي قد يحجب أصوات المفترسات، بدأتُ بتنظيم مكاني الصغير.
جمعتُ بعض الأغصان اليابسة القريبة دون أن أقف، ورتبتُ "عشب دم الأرض" المتبقي حولي ككنز ثمين.
الغابة لا تكافئ المتهورين، بل تكافئ أولئك الذين يعرفون متى ينسحبون ليعيشوا يوماً آخر.
استندتُ برأسي إلى الصخرة الباردة، مراقباً غروب الشمس الذي بدأ يصبغ الغابة بلون الدم، وشعرتُ لأول مرة منذ أيام بنوع من السكينة الموحشة.
"جسدي أولاً.. القوة ستأتي لاحقاً، إذا ما بقيتُ حياً لأراها."
مع هذه الفكر. أغمضتُ عينيّ بينما كان الشفق الأحمر يبتلع الغابة، مستنداً بظهري إلى جدار النتوء الصخري المرتفع.
كان اتخاذ قرار التخلي عن "غو قطرة الندى" مريراً، كأنني ألقي بمفتاح زنزانتي في بئر عميقة، لكن الواقعية الباردة كانت بوصلتي الوحيدة.
نمتُ نومةً متقطعة، يدٌ تقبض على قطعة القشرة الحادة، والأخرى تضغط على ضمادة العشب المبللة.