الفصل 12 : سبعة أيام من الاحتضار (3)
مع أول خيوط الضياء في اليوم الثالث، لم يتسلل النور برفق، بل اخترق جفوني كإبرٍ باردة.
استيقظتُ ليس على صوت الطبيعة، بل على صوت ارتطام مريع هزّ ضفتي الجدول؛ صوتٌ يشبه اصطدام كتلة صخرية بلحمٍ طري.
تجمدتُ في مكاني، ضاغطاً بظهري على صخرة المخبأ الخشنة حتى شعرتُ بنتوءاتها تغرس في جلدي.
حبستُ أنفاسي حتى تصاعد ضجيج نبضات قلبي في أذنيّ كطبلٍ مكتوم، وكأن رئتيّ على وشك الانفجار.
من شق الصخور الضيق، رأيتُ الكابوس يتجسد. "فهد الظلال المرقط".
لم يكن مجرد حيوان، كان كتلة من الظلام السائل تزن مئات الأرطال.
فراؤه الأسود لم يكن يعكس الضوء، بل كان يبتلعه كأن ثقباً أسود يتحرك بين الأشجار.
رأيتُ وميض عينيه الصفراوين؛ كانت تشعان بجوعٍ قديم، جوعٍ لا يرتوي.
بلمحة بصر، انقضّ الوحش على نفس البقعة التي كان "غو الندى" يسبح فيها بالأمس، محطماً الصخر بمخالبه التي أصدرت صوتاً كحتكاك المعدن على المعدن.
لو كنتُ هناك.. لو استسلمتُ لإغواء تلك الومضة الزرقاء، لكانت عظامي الآن تتكسر تحت تلك الأنياب.
شعرتُ برعدة باردة تسري في عمودي الفقري، وقشعريرة انتفض لها جلدي المبلل بالعرق البارد.
"الحذر لم يكن جبناً،" همستُ لنفسي والوحش يلعق فراءه المبلل بلسانه الخشن، قبل أن يختفي بلمحة بصر، مخلفاً وراءه صمتاً أثقل من الجبال. "في هذا العالم، البقاء هو أعظم انتصار."
مرت الأيام الأربعة التالية في صمتٍ مطبق، حيث صار الزمن عدوي وصديقي في آنٍ واحد.
التزمتُ بمكاني المرتفع، أراقب الجدول الذي صار يبدو لي كأفعى فضية غدارة.
كنتُ أقتاتُ على يرقات الخشب؛ طعمها لزج ومعدني يثير الغثيان، لكنني كنتُ أبتلعها كأنها ترياق الحياة.
بين الحين والآخر، كنتُ أنزل مستنداً على غصن قوي، جسدي يرتجف مع كل خطوة، لكن عقلي كان يرفض الاستسلام.
حولتُ قطعة القشرة الحادة، إلى رأس رمح ربطته بقوة بألياف الغابة المتينة إلى غصنٍ مستقيم.
صرتُ أغرسه في قلب الماء المندفع لاصطياد الأسماك، أو أستخدمه لنبش التربة بحثاً عن أعشاب طبية.
حتى الحجارة ذات الأشكال الغريبة، كنتُ أتحسس برودتها وثقلها، أبحثُ عن ذلك "النبض" الخفي الذي يشي بوجود "غو" كامن في أحشائها.
لم أكن أستريح، كنتُ أعيد بناء نفسي قطعة قطعة.
عشب "دم الأرض" كان يقوم بعمله بصمتٍ مرعب.
بحلول اليوم الخامس، اختفت تلك الرائحة الكريهة للموت من فخذي، وبدأ اللون الأسود الجنائزي يتراجع ليترك مكانه نسيجاً وردياً مشدوداً.
لم يعد الألم نبضاً حارقاً يمزق أعصابي، بل صار وخزاً يذكرني بأنني لا أزال حياً.
بدأتُ تمارين مجهدة؛ ثني الركبة ببطء، تحمل ثقل جسدي لثوانٍ.
كل حركة كانت تفتح جروحاً صغيرة، لكنها كانت تغلق أبواب العجز.
مع حلول فجر اليوم السابع، وقفتُ.
لم يكن وقوفاً ملكياً، بل وقوفاً متذبذباً يسنده رمحي الخشبي، لكنني كنتُ أقف.
نظرتُ إلى فخذي؛ الندبة كانت بشعة، متعرجة وداكنة كأثر صاعقة ضربت شجرة قديمة، لكنها كانت صلبة كالفولاذ.
فحصتُ جسدي في انعكاس الماء؛ الهزال نحت وجهي، وعيناي غارتا في محجريهما، لكن البريق الذي يلمع فيهما كان أشد حدة من أي وقت مضى.
لقد اجتزتُ الاختبار الأول.
أمسكتُ برمحي، أصابعي تتحسس ملمس القشرة الحادة التي اصطبغت بمزيجٍ من دمي ودماء حشرة الألفية . لم تعد مجرد أداة، شعرتُ بها كطرفٍ إضافي من جسدي، امتداداً لإرادتي في عالمٍ يريد سحقي.
"انتهى وقت الاختباء،" زمجرتُ بصوتٍ استعاد خشونته وقوته. وفي تلك اللحظة، حدث شيءٌ زلزل وعيي.
شريطٌ من الضوء الأزرق البارد انبثق فجأة أمام بصري، محطماً ضباب الغابة. صوتٌ جاف كاحتكاك الحجر بالحجر تردد داخل جمجمتي:
[ المهمة: النجاة لسبعة أيام في عالم الغو.. نجاح ]
[ نتيجة لإتمام المهمة: تم فتح ميزة المتجر ]
تلاشت كل الأصوات حولي، ولم يتبقَ سوى تلك النافذة المتوهجة التي تعدني بشيءٍ لم أجرؤ على الحلم به وسط جحيم الأيام الماضية. المتجر. الأداة التي ستحول هذا الناجي الجريح إلى مفترس.
(فتح المتجر!) صرختُ داخلياً بحماسة، وقلبي يقرع طبوله شوقاً لرؤية كنوز "الغو" أو الأدوية الأسطورية.
لكن ما رأيته تالياً جعل كل آمالي تتبخر كالدخان في ريحٍ عاتية.
لم أستطع كبح اليأس المتضخم في قلبي، وصرختُ بغضبٍ هزّ أركان المكان : "أيها الحجر اللعين.. لابد أنك تمزح معي!"