الفصل 19: وجبة غو الخنزير الأبيض

/

​سكن الضجيج العنيف الذي خلفه سقوط الشجرة العملاقة، وحلّ محله صمت ثقيل مشوب برائحة الخشب المحروق والتراب المندلع.

وفي قلب تلك الحفرة السحيقة، استقر جسم دائري غريب، لونه حليبي كدرة مكنونة، ينبض بضوء أبيض باهت يكاد يختفي تحت وهج الغابة الكثيفة.

​(دودة غو؟ لا.. إنها مادة صقل). استقرت هذه الفكرة في ذهني بينما كانت ضربات قلبي تقرع طبول الحذر. تقدمت بخطوات بطيئة، أضع قدمي على الأرض وكأنني أمشي فوق حقل من الألغام، عيناي تجوبان المحيط بمسح دقيق.

لن أسمح للنشوة بأن تعميني هذه المرة؛ ففي هذا العالم، الفوائد الصغيرة هي الطُعم المفضل لشرك الموت.

​عندما بلغت المدى الآمن، صرخت في أعماق عقلي بلهفة مكتومة: "تقييم!"

​[دينغ! مادة صقل غو من الرتبة الثالثة: قلب الشجرة المتعفنة]

[القيمة المقدرة: 50 نقطة]

​(بيع!) لم أنتظر ثانية واحدة. تلاشت المادة في العدم، وتحركت فوراً مبتعداً عن المكان.

(يجب أن أصل للكهف.. غو الأصل ينتظرني). تذكرت ذلك الألم الذي اجتاح جسدي عند شراء "الفتحة"؛ كان ألماً يخترق العظام ويسلب الإرادة.

إن حدوث ذلك هنا، وسط الوحوش والتربص، يعني نهاية رحلتي قبل أن تبدأ حقاً.

كان سقوط تلك الشجرة صرخة من الواقع تنبهني: التهاون هو المرادف الوحيد للموت.

​لكن الغابة لا تهتم لخططي.

​من بين الشجيرات الكثيفة، انشقت الأرض عن وحش كاسر؛ خنزير بري ضخم، يكسو جسده شعر خشن كالإبر، وعيناه المحمرتان تفيضان بهياج جنوني غير مفهوم.

بدا أن دوي سقوط الشجرة قد مسَّ وتراً حساساً لديه، فبمجرد أن وقع بصره عليّ، أطلق زفيراً حاراً واندفع نحوي كقذيفة غاشمة.

​"هذا الكائن اللعين!" استجمعت كل ذرة من رد فعلي وقفزت جانباً.

شعرت بلفحة الهواء الباردة مع مروره السريع بجانبي.

واصل الخنزير اندفاعه لستة أقدام أخرى، قبل أن تغوص حوافره في الأرض محاولاً كبح سرعته، ثم استدار بحدة، ينبش التربة بقوة، مزمجراً بوعيد يتجاوز مجرد الرغبة في الصيد.

​ثبتُّ نظراتي عليه، وأمسكت رمحي بإحكام.

(انتظر.. حركته بطيئة نوعاً ما.. يبدو مجهداً لدرجة غريبة). لاحظت رغوة بيضاء على جانبي فمه، وأطرافه كانت ترتجف بشكل طفيف رغم وحشيته.

بدا وكأنه خاض معركة طويلة قبل وصولي، أو أنه لم ينل قسطاً من الراحة منذ أيام.

لكن كونه "مرهقاً" لا يعني أنه أقل خطراً، بل ربما يجعله أكثر عشوائية وفتكاً.

​بدأت جولات الكر والفر. كان يندفع، وأنا أتجنب.

شعرت بألم خفي يبدأ بالزحف في ساقي، وإرهاق يتسلل إلى عضلاتي.

"لا يمكن أن يستمر هذا.." همست لنفسي.

كانت معركة استنزاف بلا معنى، لكن الوحش لم يكن يفقه لغة المنطق؛ كان يهاجم بشراسة انتحارية، وكأن وجودي في هذا المكان يمثل تهديداً وجودياً له.

​تحركت ببطء، مستدرجاً إياه نحو جذع شجرة ضخمة قريبة.

كانت مقامرة خطيرة؛ فالتوقيت هنا هو كل شيء.

​إذا قفزت متأخراً: سأتحول إلى أشلاء تحت حوافره.

​إذا قفزت مبكراً: سيدرك الموقف و تفشل خطتي .

​اقترب.. أقرب.. الآن!

قفزت في اللحظة التي شعرت فيها بحرارة أنفاسه الكريهة.

وبدلاً من جسدي، اصطدم رأسه الصلب بالجذع بصوت مدوٍ زلزل أركان المكان.

​(هذا سيربكه للحظة!) استغللت ارتعاشه، وركضت نحو غصن شجرة سميك ذو إرتفاع مناسب وبدأت التسلق بسرعة.

(إذا حاولت الهروب فسيكون ظهري مكشوفاً أمامه .. التسلق أكثر أماناً نسبياً). فكرة و أنا أمسك بالغصن الثالث على التوالي محاول رفع جسدي للأعلا .

​لكن فجأة، اهتزت الشجرة بعنف مع صوت ارتطام وحشي.

بالكاد استطعت التشبث بالغصن الثالث وأنا أشعر بالخشب يئن تحت وطأة الضربة.

أنزلت بصري للأسفل بصدمة. كما هو متوقع، هذا الخنزير لم يستسلم. حتى وهو يترنح من أثر اصطدامه الأول، كان يعاود ضرب الشجرة برأسه،

حتى وهو غير قادر على رؤيتي قام بتتبع رائحتي نحو الأعلى.

​(هذه المثابرة اللعينة!) فكرت بسخرية مريرة بينما كنت أحاول استعادة توازني، ثم صرخت نحوه بغضب: "هل أنت نسخة الخنزير اللعينة من فانغ يوان؟!"

​لقد تقرر الأمر بالفعل.

بما أن هذا الوحش يريد موتي بهذا الإصرار الجنوني، فسيكون هو أول وجبة فاخرة أقدمها لـ "غو الخنزير الأبيض"

2026/04/06 · 1 مشاهدة · 596 كلمة
بلاكي
نادي الروايات - 2026