الفصل 1 : لاعبٌ في مهب الهاوية
اسمي سليم، أبلغ من العمر عشرين عام .
قبل أن يقرر العالم أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، كنت مجرد لاعب خلف الشاشات، أقضي يومي في البث المباشر وأجني رزقي من دعم المتابعين.
كانت حياتي محصورة في بضع بوصات من الإضاءة الزرقاء، حتى تلك الليلة المشؤومة التي خرجت فيها من غرفتي بحثاً عن وجبة خفيفة.
في الصالة، رأيت والدي متصلباً أمام التلفاز، ملامحه توحي بصدمة لم أرها قط.
على الشاشة، كانت العواصم التي لطالما اعتبرناها قلاعاً للحضارة البشرية تحترق.
مشاهد مرعبة لبشر يتساقطون ويُذبحون كالمواشي في الشوارع. اهتز قلبي بعنف، وتلعثمت أفكاري:
(هذا مستحيل.. لا بد أنها خدعة سينمائية، أو ربما فيديو مُولد بذكاء اصطناعي خبيث!)
ركضتُ عائداً إلى غرفتي بجنون.
"سليم! ما الذي يحدث؟"
كان الصوت قادماً من سماعات الرأس.
لقد نسيت أنني تركت الكاميرا والميكروفون قيد التشغيل داخل اللعبة.
نظرتُ إلى الشاشة، حيث ظهر صديقي "مايكل"؛ شاب أمريكي بعضلات مفتولة وشعر أشقر، يشبه تماماً أولئك المتنمرين في أفلام السبعينات، لكنه في الحقيقة كان مجرد "أوتاكو" غريب أطوار مهووس بالألعاب والأنمي بخاصة دراغون بول .
لم أجب. كانت أصابعي ترتجف فوق لوحة المفاتيح. وقبل أن أغلق كل شيء، نظرتُ نحو أيقونة مايكل وقلت بصوت متهدج: "مايكل.. اذهب وانظر إلى الأخبار.. الآن!"
"ما الذي تعنيه بـ..."
قطعتُ الاتصال قبل أن يكمل. لقد حذرته، وهذا أقصى ما يمكن لصديق خلف المحيطات أن يفعله.
حاولتُ تهدئة روعي. أخذتُ نفساً عميقاً وبدأتُ أتصفح المواقع الإخبارية العالمية.
كنت أبحث عن مصدر واحد، مجرد مقال يتيم يقول إن كل هذا "مقلب" أو كذبة. لكن الواقع صفعني بقسوة لم أعهدها.
نهاية العالم لم تكن مجرد عنوان؛ لقد كانت هنا.
بدأتُ أشاهد مقاطع الفيديو المسربة. القوة التي تمتلكها هذه الكائنات لا تخضع لمنطق البشر.
تذكرتُ حينها الوثائقيات التاريخية التي كنت أشاهدها بفضول عن وحشية الإنسان؛ جرائم نابليون، إبادة الهنود الحمر، فظائع الاحتلال في فلسطين، وما يعانيه الإيغور في شنجيانغ من تطهير.. كنت أظن أن تلك هي ذروة الوحشية، لكن ما رأيته الآن كان شيئاً يفوق التصور البشري.
واصلتُ التصفح واليأس يتسلل إلى مسامي.
رأيتُ "الإلف" (Elves)، كائنات رشيقة تقفز فوق ناطحات السحاب، تطلق سهاماً تخترق حاجز الصوت لتهشم الرؤوس في لمح البصر. كانوا يتحكمون في طاقة غريبة، يشكلون بها دروعاً هائلة جعلت أحدث طائراتنا وأسلحتنا تبدو كخردة بدائية.
وفي مقاطع أخرى، كانت "الغيلان" (Orcs) تزحف في جيوش جرارة.
قذائف الدبابات والصواريخ كانت ترتد عن جلودهم وكأنها كرات ورقية.
بقفزة واحدة، كان الغول يطال الطائرات المروحية، وبضربة من قبضته، تتهاوى البنايات كأنها قطع "ليغو".
"حتى الغوبلين؟" تمتمتُ بعدم تصديق.
الوحوش التي كنا نعتبرها "ضعيفة" في الألعاب كانت تفتك بكتائب عسكرية كاملة بفضل سرعتها ومناوراتها الخبيثة، تاركة وراءها أجساداً ممزقة في مشهد يثير السخرية السوداء من ضعفنا.
ضاعت الساعات وأنا أتنقل بين المواقع، أبحث عن بصيص أمل، عن سلاح سري، عن أي شيء يثبت أن للبشر فرصة.
لكن اليأس كان سيد الموقف.
استوقفني فيديو لدرون (طائرة مسيرة) يصور كائناً ضخماً يحلق فوق نيويورك.
فتح الكائن فمه، وانبعث ضوء باهر غطى الشاشة، ثم.. انقطع البث. قرأت العنوان بعيون زائغة: [تنين يحلق فوق نيويورك - 90% من المدينة مسح من الوجود].
لكن وسط هذا الظلام، ظهرت بارقة غرابة.
أظهرت بعض الفيديوهات "إلفاً" وكائنات أخرى يحاولون عبور حواجز شبه شفافة تفصل مواقعهم عن بقية العالم ، وبمجرد عبورهم، كانت قواهم تتلاشى فجأة.
الإلف الذي كان يحلق في السماء، مع طاقة خضراء ملتفة حوله، سقط فجأة كجثة هامدة ارتطمت بالأرض لتتحول إلى كتلة دموية .
(هل يعني هذا أننا في مأمن خلف هذه الحواجز؟ ولكن.. إلى متى؟)