الفصل 21: مرارة الحقيقة

/

هذه المرة، لم يندفع الخنزير بجنونه المعتاد.

بل بدأ يسير بخطوات ثقيلة ومترنحة... لكنه لم يكن يقصدني.

كان يحاول الزحف نحو اتجاه معين، وكأنه يصارع الموت للوصول إلى هدف أخير، قبل أن يسقط جسده الهائل جثة هامدة.

حدقتُ في الجثة بعمق، والقلق لا يزال ينهش صدري:

(لن يستيقظ مجدداً... أليس كذلك؟)

مرت ثلاث ثوانٍ من الصمت المطبق قبل أن أقترب ببطء. التردد هنا رفاهية لا أملكها؛ فرائحة الدماء التي تزكم الأنوف ستجذب مفترسات الغابة قريباً.

تأكدتُ من موته تماماً، ثم مددتُ يدي داخل ملابسي وفككتُ الحجر الذي يحتوي على "غو الخنزير الأبيض"، والذي كنت قد ربطته حول صدري بإحكام باستخدام ألياف نباتية مرنة.

«فتح الحجر!» أمرتُ داخلياً.

تلاشى الحجر الذي بحجم القبضة من يدي في رمشة عين، ولم يتبقَّ مكانه سوى دودة غو صغيرة وضعيفة. وبما أن إرادتها كانت واهنة، استطعتُ إخضاعها والسيطرة عليها في لحظة واحدة.

(أخيراً... الغو الثاني بين يدي.)

دون أي تأخير، تركتُ "غو الخنزير الأبيض" يلتهم جثة الخنزير، حتى لم يتبقَّ منها سوى الجلد والعظام.

كان هذا هو الاستخدام الوحيد الذي طرأ على بالي، ففكرة أكل لحم الخنزير كانت مستبعدة تماماً لسببين:

* الأول: لأنه حرام ؛ كنت مسلماً، ووجودي في هذا العالم الافتراضي لن يغير من حقيقتي شيئاً.

* الثاني: معرفتي بطبيعة هذا الكائن؛ إنه "حاوية قمامة الطبيعة"، يتغذى على الفضلات ومستودع متنقل للطفيليات. أكله بالنسبة لي هو تعذيب للذات وليس وسيلة نجاة.

نظرتُ إلى ما تبقى من العظام والجلد، ثم أمرتُ ببرود:

«بيع!»

اختفت البقايا مع رأس رمحي المحطم، ولم أحصل في المقابل إلا على نقطة واحدة بائسة.

(يجب أن أغادر...)

فكرتُ في الرحيل، لكن فضولاً مفاجئاً قيد حركتي.

لماذا غير الخنزير اتجاهه في لحظاته الأخيرة بدلاً من مهاجمتي؟

(ربما كان يبحث عن نبتة علاجية؟ إنها مخاطرة، لكن لو وجد كنز كهذا فهذه فرصة لايمكنني تفويتها .)

سرتُ في الاتجاه الذي كان يقصده، أتفحص الأرض بدقة، حتى عثرتُ على حفرة بضعف حجم الخنزير تقريباً.

لكن عندما نظرتُ في الداخل، اعتصرني الإحباط؛ لم تكن عميقة، وبدت حديثة العهد.

(هل كان مجرد ملجأ؟ أم أنه شم رائحة نبتة تحت التربة؟ الحيوانات البرية تملك حاسة شم تفوق خيالي.) رفضتُ الاستسلام، وواصلتُ البحث حول الحفرة بيأس... وفجأة، تجمدتُ مكاني.

أجسام صغيرة وردية... قطع لحم تتلوى بضعف على الأرض.

شددتُ على قبضتي بقوة، واجتاحتني موجة من الندم المرير الذي عصر قلبي.

(الآن فهمت كل شيء...)

لماذا لم يهرب الحيوان رغم إصاباته؟ لماذا كان بتلك الوحشية والجنون؟ لقد تصرف وكأنني أحاول سرقة أطفاله... لأنه من منظوره، كان ذلك هو ما أفعله تماماً.

الحقيقة البشعة صدمتني؛ ذلك الخنزير لم يكن وحشاً هائجاً، بل كانت "أماً" وضعت صغارها قبل دقائق معدودة. وصوت سقوط الشجرة العالي أجبرها على الخروج للدفاع عنهم بكل قوتها.

لقد كانت مستعدة لقتالي حتى النفس الأخير، ليس لأجل حياتها، بل لأجل تلك الأرواح الضعيفة خلفها.

نظرتُ إلى الصغار البائسين الذين لم يمر على ولادتهم ساعة واحدة، وتنهدتُ بمرارة تملأ حلقي:

"الأمهات... هنَّ دائماً نفس الشيء، في أي عالم كان."

2026/04/06 · 2 مشاهدة · 465 كلمة
بلاكي
نادي الروايات - 2026