29 - غو قوة الظرطة المتفجرة المدمرة

الفصل 29: غو "قوة الضّرطة المتفجرة المدمرة"

/

بعد دقائق من الركض الحذر والقفز بين الأغصان العالية، انقشعت كثافة الأشجار لتكشف عن ساحة معركة لم أكن لأتخيلها حتى في أسوأ كوابيسي.

ثبتُّ جسدي خلف جذع شجرة بلوط ضخمة، وحبستُ أنفاسي لدرجة أنني شعرتُ بنبضات قلبي تضرب في طبلة أذني.

كان الطرف الأول خنزيراً أسود ضخماً، بجسد يضاهي حجم عربة مدرعة، تبرز من فكيه أنياب حادة كأنها سيوف فولاذية منحنية ملطخة بالطين والدماء الجافة.

أما خصمه، فكان ذئباً أزرق عملاقاً، لكن منظره كان يثير الشفقة والرعب في آن واحد؛ كان هزيلاً لدرجة أن عظام أضلاعه كانت ترسم خطوطاً بارزة تحت جلده المترهل، ويمتلك ثلاث أرجل فقط بينما كانت عينه اليسرى مجرد ندبة غائرة ومظلمة.

(من المرجح أنه ملك ألف وحش عجوز تم طرده من قطيعه..) حللتُ الموقف بعقلية باردة؛ ربما جاء هذا الذئب المطرود إلى هذه المنطقة بحثاً عن صيد سهل يعيد له هيبته المفقودة، لكن "ملك الألف وحش" الشاب الذي يسيطر على هذه البقعة —الخنزير الأسود— لم يكن في مزاج جيد لترحيب بالغرباء.

لم يهمني السبب، ما يهم هو رائحة "النقاط" التي بدأت تفوح من جراحهما.

استمرت المعركة لوقت طويل، وكان التفوق واضحاً للخنزير.

كان الأخير يمتلك دفاعاً صلباً بشكل مرعب؛ فكلما حاول الذئب غرس أنيابه، كان جلد الخنزير السميك والمغطى بطبقة صلبة من الراتنج والتراب يصد الهجوم بصوت يشبه اصطدام النصال بالخشب الصلب .

بدا الخنزير وكأن لديه "غو" دفاعي فطري يعزز بنيته.

أما الذئب العجوز، فلم يظهر أي قدرة مميزة؛ كان يقاتل بغريزة البقاء النقية وجسده المنهك، دون استخدام أي ديدان غو واضحة.

(المعركة محسومة بالفعل..) تنهدتُ بعجز واستعددتُ للانسحاب.

الذئب سيموت حتماً، والخنزير —رغم جراحه النازفة— ستبقى لديه قوة كافية لدهسي كحشرة إذا لمح طيفي.

لكن، في تلك اللحظة، انشق صمت الغابة عن عواء ذئبٍ غاضب، عواء لم يكن للندم أو الألم، بل كان صرخة الموت الأخيرة التي تسبق السقوط في الهاوية.

بالنسبة للخنزير، كانت الإصابات تعني أن عليه الحذر والهروب لحماية حياته ومملكته.

لكن الذئب العجوز ليس لديه ما يخسره ، لم يكن هناك "غد" ليحزن عليه؛ فإما أن يقتل الخنزير ويأكله ليستعيد طاقته، أو يندثر في تراب الغابة كوجبة للديدان.

فجأة، زأر الذئب بعنف هز أوراق الأشجار العالية، زئيرٌ مشبع بهالة "طريق الدم" أو "طريق القوة" جعل الخنزير يرتجف خوفاً ويتراجع.

وفي لمح البصر، تحولت أسنان الذئب المكسورة إلى إبر عملاقة، حادة وطويلة بشكل غير طبيعي.

حاول الخنزير الاستدارة للهرب مذعوراً، لكن الذئب قفز قفزة انتحارية وأطبق فكيه المحملين بتلك الإبر القاتلة على مؤخرة الخنزير مباشرة، مغرزاً أنيابه في أضعف نقطة في درعه الصخري.

(ربما هناك فرصة!.. لو قتلا بعضهما البعض، سأحصل على كل شيء.. سأكون أنا الصياد الحقيقي هنا!) قررتُ البقاء لثوانٍ إضافية، متجاهلاً صوت التحذير في عقلي.

لكن في اللحظة التالية.. سقط فكي بصدمة لم أعهدها، وشعرتُ بأن العالم قد توقف عن الدوران.

لقد فعل الخنزير دودة "غو" برية مخبأة في أحشائه . لم يكن نصلًا سرياً، ولا درعاً انفجارياً.. بل كان شيئاً لم يتوقعه منطقي البشري المحدود.

بووووووووووم!

حدث انفجار مدمر ومقزز في آن واحد.

لم تكن قوة الانفجار ناتجة عن بارود، بل عن ضغط غازي هائل.

كانت الصدمة قوية لدرجة أنها رفعت جسد الذئب الهائل في الهواء كأنه ريشة، ليصطدم بعدة أشجار ضخمة محطماً جذوعها قبل أن يسقط جثة هامدة بفقرات مكسورة.

وفي نفس الوقت، اندفع جسد الخنزير للأمام بسرعة جنونية، مستفيداً من قوة "الدفع النفاث" الخلفي، ليختفي بين الأحراش في لمح البصر مخلفاً وراءه غباراً كثيفاً.

فجأة، ضربت الموجة الانفجارية وجهي.

لم تكن مجرد ريح، بل كانت سحابة صفراء مخضرة تدفقت منها رائحة قوية لدرجة أنها جعلت معدتي تنقبض بعنف.

شعرتُ بدوار فوري، وبدأت عيناي تذرفان الدموع بغزارة وكأنني تعرضتُ لغاز مسيل للدموع من الجحيم.

كانت الرائحة تخترق المسام، تلتصق بالثياب، وتجمد الأنفاس في الرئتين؛ رائحة فضلات تعفنت لألف عام ممزوجة بسموم كيميائية.

تراجعتُ وأنا أسعل بعنف، أغطي أنفي بملابسي في محاولة يائسة لاستنشاق ذرة أوكسجين واحدة نقية، وتمتمتُ بصدمة وعدم تصديق:

"غو.. غو قوة الضّرطة المتفجرة المدمرة؟!"

نظرتُ نحو جثة الذئب التي طارت بعيداً ونحو الغبار الأصفر المتبقي في الجو.

(هل حقاً انتهى صراع الجبابرة بهذا القرف؟) مسحتُ دموعي التي انهمرت رغماً عني، ونظرتُ نحو جسد الذئب المرمي في البعيد. الرائحة كانت كافية لقتلي، لكن الجثة هناك كانت تصرخ باسم "النقاط".

في هذا العالم، لا توجد كرامة لمن يريد القوة؛ سأضطر لاختراق هذه السحابة السامة لأخذ غنيمتي، حتى لو كلفني ذلك حاسة الشم للأبد.

2026/04/07 · 1 مشاهدة · 685 كلمة
بلاكي
نادي الروايات - 2026