الفصل 2 : رحمةٌ من فوهة السهم

​واصلتُ الإبحار في محيط اليأس الرقمي.

كانت عيناي تؤلماني من شدة التركيز، حتى استوقفني فيديو صُور بهاتف محمول يرتجف.

في الكادر، كان هناك رجل عالقٌ تحت أنقاض مبنى منهار في "لندن"، جسده السفلي مدفون تماماً، وصراخه المبحوح يمزق سكون المكان.

​فجأة، هبط "إيلف" برفق على قطعة إسمنتية قريبة.

كان منظره مهيباً ومرعبا في آن واحد؛ بزة جلدية لامعة وقوس ينبض بضوء أخضر خافت.

انتبه الإيلف للصراخ، نظر إلى البشري ببرود تام، ثم في حركة سريعة وميكانيكية، سحب وتراً وهمياً وأطلق سهماً مصنوع من طاقة الرياح .

​اخترق السهم جبين الرجل بدقة متناهية.

توقف الصراخ فوراً، وارتخى جسد الرجل بسلام مفاجئ.

​لقد كان المشهد مرعباً، لكنه -للمفارقة- أشعرني بنوع من الارتياح .

تمتمتُ لنفسي واللعاب جاف في حلقي:

(على الأقل.. هذه الكائنات أكثر إنسانية من البشر).

​فكرة الموت السريع، الخالي من الألم، بدت لي "مكافأة" فاخرة في هذا العالم الجديد.

أن تموت في لحظة خيرٌ من أن تُساق كفأر تجارب في مختبرات سرية، أو تصبح عبداً لمتعة ثري فاسد يختبئ في قبو تحت الأرض.

​قد يعترض البعض قائلاً: "نحن في العصر الحديث، هناك قوانين دولية وحقوق إنسان!".. لهؤلاء أقول بمرارة: "ابحثوا في محركات بحثكم عن (جيفري إبستين)، وستعرفون أن الوحوش الحقيقية لم تكن تحتاج لآذان مدببة لتمارس ساديتها".

​بينما كنت غارقاً في هذه الأفكار السوداوية، اهتز هاتفي فوق الطاولة الخشبية محدثاً صوتاً رنين حاداً جعل قلبي يقفز من مكانه.

كان الاتصال من "مايكل".

​أجبتُ بسرعة، فجاءني صوته مشحوناً بنبرة لم أعهدها فيه من قبل، لم يعد ذلك الشاب المستهتر المهووس بالأنمي، كان صوته يرتجف بوضوح:

— "سليم.. هل رأيت الفيديو الأخير؟ ذلك المسرب من مختبرات (سيرن) في سويسرا؟"

— "عن ماذا تتحدث؟"

​أخذ نفساً متقطعاً وأكمل:

— "العوالم تتحد يا سليم.. هذه الكائنات ظهرت عبر بوابات زمكانية، لكن طاقتها لا تزال محبوسة في مناطق جغرافية ضيقة. بمجرد خروجهم من تلك النطاقات، يفقدون قواهم الخارقة، يصبحون عُزلًا.. يصبحون أشبه بـ..." صمت لحظة ثم همس "بنا."

​نظرتُ إلى الشاشة بعمق، أتذوق الطعم المر في فمي.

هذه الكائنات ليست غبية؛ إنها مسألة وقت فقط قبل أن يكتمل الاندماج، وعندها سيجوبون الأرض كأسياد لا تُقهر.

​كنت خائفاً، وغاضباً، وفي تلك اللحظة لم أرد سوى شخصٍ أصبُّ عليه جام يأسي. ابتسمتُ بسخرية لاذعة وقلت:

— "مايكل، ألستَ سعيداً؟ لقد تحقق حلمك أخيراً. نحن نعيش في عالم خيالي الآن.. يمكنك أن تصبح (البطل) الذي لطالما تمنيت."

​خيم الصمت للحظة قبل أن يأتيني رده منكسراً:

— "ليس هذا ما تمنيته.. أردتُ مغامرة في عالم آخر، ولم أمانع التضحية بحياتي لأجل ذلك. لكنني لم أتمنَّ أبداً أن تكون التضحية بحياة عائلتي والأبرياء."

​لامست كلماته وتراً حساساً في قلبي، فانحنى رأسي رغماً عني، وانفرط عقد الدموع من عيني وأنا أهمس بصوت مخنوق:

— "آسف يا مايكل.."

— "لماذا تعتذر؟ ما الذي تعنيه؟"

​لم أجب على سؤاله، بل استرسلت في اعترافي:

— "أنا أيضاً خائف.. لست خائفاً من موتي، فأنا مجرد فاشل لا قيمة له في هذه المعادلة. لكن ماذا عن أبي؟ كيف سيعيش البقية بدونه؟ وماذا عن أمي.. هل سيحتمل أبي وأختي رحيلها؟"

​رفعت عيني المبللتين وأكملت:

— "أنت لا تعرف أختي.. إنها ذكية، مجتهدة، تحلم بأن تصبح طبيبة لتنقذ الأرواح. لديها مستقبل مشرق، وأبي وأمي هما الركيزتان اللتان ستحملان ذلك المستقبل. أما أنا؟ أنا مجرد حطام، حتى والدي فقد الأمل فيّ.. لم يعد يعاتبني أو يشجعني، كل ما أراه في عينيه حين يلمحني هو نظرة استسلام ويأس مرير."

​ثم طرحتُ السؤال الذي كان ينهش عقلي:

— "مايكل.. إذا كان إنقاذ العالم يتطلب التضحية بأمثالنا، هل سيتردد أحد؟ وهل نملك نحن أصلاً حق التردد؟"

​لم يأتِ رد. بقي مايكل صامتاً، وكان صمته أثقل من كل الكلمات التي قيلت.

2026/04/03 · 1 مشاهدة · 575 كلمة
بلاكي
نادي الروايات - 2026