الفصل 3 : صدى "النهضة" وسط الأنقاض
عام.. عامان.. أربعة.. ثم خمسة.
تتالت الأيام والسنوات بسرعة غير مفهومة، كأن الزمن نفسه أصيب بخلل في تروسه وهو يشاهد العالم يتفكك.
خمس سنوات..
لم تكن مجرد أرقام تُقيد في سجلات التاريخ، بل كانت دهوراً من الجحيم تمددت حتى غدت هي الواقع الوحيد.
في تلك السنوات الخمس، جربت البشرية كل صنف من أصناف القوة التي تفخر بها؛ من الدبلوماسية العاجزة إلى القنابل العنقودية، وصولاً إلى السلاح المحرم: الرؤوس النووية.
كانت الكارثة الكبرى حين انطلقت الصواريخ نحو بؤر "التداخل". لم تمت الكائنات، ولم تتقلص الفجوات.
على العكس تماماً، بدت الطاقة النووية وكأنها الوقود الذي كانت تنتظره تلك العوالم لتزدهر.
تسارع اندماج العوالم بجنون، وتوسعت "نطاقات" الكائنات كبقع زيت لا تتوقف عن الانتشار، ملتهمة مدناً ودولاً بأكملها بصمت مخيف.
في خضم هذا الانهيار العالمي، ولدت من رحم اليأس "منظمة النهضة" (The Renaissance Organization).
تحالف عالمي يائس، يجمع ما تبقى من عقول العلماء وموارد الدول، ليس لشن حرب تقليدية - فقد خسرناها بالفعل - بل للبحث عن حبل نجات أخير .
أما أنا؟
فلم أغير عاداتي كثيراً، على الأقل في الظاهر. ما زلت ذلك الشاب الذي يقضي جل وقته في غرفته، محاطاً بشاشات الحواسيب، غارقاً في عوالم الألعاب الافتراضية، هرباً من عالم حقيقي يتآكل بسرعة.
"الفاشل" كما كنت أسمي نفسي سابقاً.
لكن شيئاً ما في أعماقي قد انكسر، ثم أُعيد تركيبه بشكل مختلف.
لم تكن الساعة قد تجاوزت الثامنة مساءً حين أغلقتُ الشاشة ونهضتُ من مقعدي.
لم يكن هناك "حدث" طارئ في اللعبة، ولم أشعر بالجوع حقاً.
لكن قدمي قادتاني نحو المطبخ، حيث كانت تفوح رائحة طعام بسيطة، محملة بدفء نادر في هذه الأيام الباردة.
لم يكن هذا الفعل مألوفاً مني في الماضي.
كنت آكل في غرفته، وحيداً. لكن منذ أن أصبح احتمال الموت يلوح في الأفق كغيمة سوداء لا تفارق سماءنا، منذ أن أدركت أن غداً قد لا يأتي أبداً، تملكتني رغبة عارمة في قضاء أطول وقت ممكن مع عائلتي.
جلستُ إلى الطاولة.
أمي كانت تبتسم بحزن، وأبي بدا وكأنه كبر عشرين عاماً في خمس سنوات، وأختي، التي أصبحت شابة الآن، كانت تثرثر بعصبية لتكسر الصمت.
بينما كنت أضع قطعة خبز في فمي، داهمتني ذكرى حديثي الهاتفي مع مايكل ليلة أمس.
نحن لم نعد نتحدث عن الأنمي أو الألعاب.
وهذه المرت صوته كان مختلفاً، مشحوناً بنبرة هادئة وغريبة.
"سليم.. منظمة النهضة تواصلت معي." قالها فجأة.
"ماذا؟ النهضة؟ لماذا؟"
"لم يذكروا التفاصيل.. لكنهم قالو شيء عن "الحجر".. ثم سألوني سؤالاً واحداً فقط: "هل تريد أن تصبح بطلاً؟"
توقفت يدي في الهواء.
(هل ذلك حقيقي؟) تساءلتُ في نفسي، وأنا أتذكر هوس مايكل القديم بفكرة البطولة.
مايكل، المهووس بالخيال، هل ستقدم له منظمة النهضة "البطولة" على طبق من ذهب وسط هذا الواقع المرير؟
في تلك اللحظة، وسط أفكاري المتضاربة وصوت عائلتي الهادئ، سُمع طرق قوي ومفاجئ على الباب.
طرق لم يكن يحمل طابع الجيران الذين يطلبون مساعدة، بل كان طابعاً رسمياً، آمراً.
وقفت أختي بسرعة، وتوجهت لفتحه وهي تتمتم ببعض كلمات الاستياء من هذا الوقت المتأخر.
"مهلاً! من أنتم؟" سمعت صرختها المستنكرة.
نهضتُ غريزياً من مكاني. وعبر الممر، رأيت ثلاثة أشخاص يتجهون نحونا بخطوات بطيئة، واثقة، ووقحة.
امرأة ورجلان، يرتدون بدلات سوداء أنيقة، لا تشبه ملابس "ما بعد الانهيار" التي نرتديها.
كانوا يمشون وكأنهم يمتلكون المكان، وأختي تتبعهم بوجه مصدوم ومحتار من جرأتهم على اقتحام منزلنا بهذا الشكل.
المرأة، التي كانت تتوسط الرجلين، كانت تحمل في يدها جهازاً صغيراً غريب الشكل، يشبه ماسحاً ضوئياً مطوراً. لم تنظر إلى والديّ، بل وجهت الجهاز ببطء نحوي.
بدأ الجهاز يصدر ضجيجاً عالياً، نغمة متسارعة أدت إلى اهتزاز الزجاج في نوافذ المطبخ.
توقف الضجيج فجأة حين أطلق الجهاز وميضاً أخضر باهتاً.
اتسعت ابتسامة المرأة، وكانت ابتسامة مهنية، خالية من العاطفة، لكنها تحمل ارتياحاً عميقاً.
. نظرت إليّ بعينين تلمعان ببريق غريب، وقالت بصوت هادئ تردد صداه في أذني كالصاعقة:
— "إنه أنت.. أنت الذي اختاره الحجر. أيها الشاب، باسم كل إنسان على هذا الكوكب أناشدك.. من فضلك، كن البطل الذي سينقذ البشرية."
ساد صمتٌ ثقيل في المطبخ، صمتٌ لم يقطعه سوى صوت أنفاسي المتسارعة.
شعرتُ ببرودة تسري في أطرافي وحيرة تمزق عقلي. نظرتُ إلى يديّ اللتين كانت ترتجفان بوضوح؛ هل هذه هي اليدان اللتان ستحملان مصير العالم؟
////////
إذا كان لديكم أي نصائح أو أفكار لتطوير الرواية أذكروها في التعليقات و شكرا