الفصل 4 : ثمن النجاة
ساد صمت ثقيل في أرجاء المكان، صمتٌ لم تكسره سوى نبضات قلبي المتسارعة.
بينما كنت أنا وأمي وأختي ما نزال نحاول استيعاب مشهد الغرباء الثلاثة في صالتنا، اندفع والدي نحو الأمام بجسدٍ يرتجف، لكن صوته كان كالقذيفة:
— "نحن نرفض!"
ارتبك أحد الرجلين ذوي البدلات السوداء، وتراجع خطوة للخلف وهو يحاول تلطيف الأجواء بلهجة دبلوماسية زائفة: "سيدي، نرجوك، فكر في الأمر بعقلانية. مصلحة البشرية..."
قاطعه والدي بصرخة غضب مكبوتة لسنوات: "أي عقلانية تتحدث عنها؟! أنت تطلب مني إرسال ابني إلى حتفه لقتال تلك المسوخ التي عجزت الجيوش عن لمسها!"
ببرودٍ جليدي، حوّلت المرأة التي تتوسطهما نظرها عن والدي لتصوبه نحوي مباشرة.
كانت عيناها تشبهان عيني صقرٍ يراقب فريسة، وقالت بصوت هادئ ومستفز: "إنه بالغ. هذا ليس قرارك، بل قراره هو."
لم يتراجع والدي، بل تقدم أكثر ليحجبني بجسده، ورد بصوتٍ مخنوق: "بالغ؟ أي نوع من البالغين هذا الذي يقضي أيامه سجيناً خلف باب غرفته أمام شاشة الكمبيوتر؟ إنه مجرد شاب ساذج لا يعرف من حقيقة الحياة شيئاً.. وأنا المسؤول عنه. هذا قراري النهائي."
نظرتُ إلى ظهر والدي، وشعرت بغصة في حلقي. هذا هو الرجل نفسه الذي كان يصرخ في وجهي قبل خمس سنوات، متهماً إياي بالكسل، ومطالباً إياي بالخروج وإيجاد عمل وبناء حياتي كـ "رجل". والآن، في لحظة الحقيقة، يمحو كل تلك الكلمات ليعاملني كطفلٍ يحتاج الحماية.
فهمتُ ما يدور في رأسه تماماً.
من منظوره، السماح لي بالرحيل يعني أنني لن أعود إلا في تابوت ملفوف بالعلم. بالنسبة له، أن يبقى ابنه حياً "كفاشلٍ" لا قيمة له، أفضل ألف مرة من أن يموت "كبطلٍ" مزيف.
(شكراً يا أبي.. وأنا آسف).
تجاوزتُ والدي بخطوات ثابتة، ووقفت أمام تلك المرأة مباشرة.
كان من الواضح أنها هي المحرك الحقيقي لهذه المجموعة.
"سليم! ماذا تفعل؟" ناداني والدي بصوتٍ مرتعش، لكنني تجاهلته تماماً.
حدقتُ في عيني المرأة بعمق وسألت بنبرة خالية من المشاعر: "إذا وافقت.. هل ستتكفلون بحماية عائلتي وتوفير كل احتياجاتهم؟"
انفرجت أسارير المرأة عن ابتسامة خافتة، وكأنها كانت تنتظر هذا السؤال: "بالطبع. ستكون عائلتك تحت حماية خاصة من منظمة النهضة."
أومأتُ برأسي: "فهمت. أنا موافق."
في تلك اللحظة، شعرتُ بيدٍ قوية تسحبني للخلف، ولم أشعر إلا وصفعة مدوية تهز وجهي.
كان والدي ينظر إليّ بعينين تملأهما خيبة الأمل والغضب: "أيها الأحمق الغبي! أتظن أن هذه لعبة إلكترونية أخرى؟ أنت ذاهب إلى الموت!"
تنهدتُ داخلياً وأنا أتحسس مكان الصفعة.
رسمتُ على وجهي ابتسامة مشرقة قدر المستطاع، وهي ابتسامة كنت أعلم أنها زائفة: "لا تقلق يا أبي.. سأعود قريباً، وسأحمي الجميع."
(أبدو كبطل 'شونين' أحمق في رواية رخيصة).. فكرتُ بسخرية.
لم أستطع إخباره بالحقيقة؛ أبي رجل طيب، لكنه يؤمن بالمؤسسات أكثر من اللازم.
هو يؤمن بأن الشرطة وجدت للخدمة، وأن السياسيين يعملون للمواطن، وأن الجنود يضحون لأجل الأرض.
لكن الحقيقة أننا نعيش في عالم من النفاق والخداع.
السبب الحقيقي لموافقتي لم يكن البطولات الزائفة، بل تلك النظرة البرونزية الباردة التي رأيتها في عيني المرأة عندما رفض والدي عرضهم في البداية.
هؤلاء الأشخاص لم يأتوا ليطلبوا إذناً.. لقد أتوا ليأخذوا ما يريدون، والرفض بالنسبة لهم كان سيعني اختفاءنا جميعاً في ظروف غامضة.
لقد اخترتُ أن أكون "المختار" لأحمي عائلتي من "المنقذين" قبل أن أحميهم من "الوحوش".