الفصل 6: بوابة الجحيم الأخضر

​مرّ شهرٌ آخر كأنه طيفٌ عابر.

لم يكن جدول يومي سوى حلقة مفرغة بين استنزاف الجسد في التدريب، واستنزاف العقل في صفحات رواية "القس المجنون".

​عليّ أن أعترف، الرواية كانت تحفة سوداوية؛ بناء عالمٍ شاسع، نظام قوة فريد يعتمد على الغو والزراعة ، وشخصيات واقعية لدرجة القسوة تجبرك على فهم خياراتها مهما كانت شنيعة.

​(لكن الاستمتاع بها يتحول إلى لعنة حين تُجبر على قراءتها 12 ساعة يومياً..) تنهدتُ بضيق داخلي وأنا أضغط زر الإغلاق في هاتفي، دافعاً إياه إلى جيبي وكأني أتخلص من عبء ثقيل.

​أنهيتُ الرواية منذ أيام—على الأقل الجزء الذي نجا من مقصلة الحظر الصيني—وانتقلتُ للمرحلة الأخطر: حفظ ملخصات ديدان "الغو"، تصنيفات الأعشاب، وخرائط العالم التي ولدها ذكاء "اللؤلؤة" الاصطناعي.

كان عقلي أشبه بمكتبة مزدحمة على وشك الانهيار.

​حاليًا، تشق "اللؤلؤة" طريقها نحو منطقة محرمة، بالقرب من أحد الشقوق الحية للكائنات الغازية.

"حالة التزامن" مع الحجر ليست مجرد طقس، إنها عملية شرهة تتطلب طاقة "العالم الآخر". طاقة لا يمكن لعلمائنا تخزينها إلا لأيام معدودة قبل أن تتلاشى.

​توفير هذا الإمداد المستمر يعني أن هناك جنوداً يسقطون الآن على الجبهة الأمامية لتأمين كل ذرة طاقة نستهلكها نحن.

​(هذه المسؤولية اللعينة.. بدأت تضغط على صدري كالجبل). شعرتُ بوخزة في قلبي؛ أرواح أولئك الذين سقطوا بدت وكأنها تطالبني بثمن تضحيتها.

لكن لم يعد هناك مجال للتراجع، لحظة الحقيقة تدنو مع اقتراب الغسق.

​عند حلول المساء، صدرت الأوامر.

​في الممر المؤدي لغرف التزامن، لمحتُ "علي".

لم نتبادل الكلمات، لكن بريق عينيه كان واشياً؛ بمزيج من الرعب والتشوق.

عالمه المختار هو "ون بيس"، أرض البحار والقراصنة.

​"ستعود بلقب اليونكو، أو ربما ملك القراصنة، لا تخذلنا." قلتُها له محاولاً تخدير قلقه وقلقي.

​أما "مايكل"، فقد كان نصيبه الجنون بعينه: عالم "دراغون بول".

​(إذا نجا مايكل.. فقد يمتلك قوة قادرة على سحق كواكب كاملة. ربما يصبح هو الورقة الرابحة التي تغير ميزان القوى لصالح البشرية)

حاولتُ التشبث بهذا الأمل رغم منطقي الذي يهمس لي بأن "الأحجار" لا تنقلنا للعوالم كما هي في مخيلتنا تماماً؛ هي تستخدم البيانات البشرية كقالب لبناء بيئة اختبارية، والمنطق يفرض حدوداً على القوة التي يمكن استخلاصها.

​وصلتُ إلى حجرة التزامن.

توقفتُ أمام الآلة بجبين مرتعش.

"هل عليّ أن أنام هنا حقاً؟" سألتُ العالم الواقف بجانبي بنبرة تشكيك.

​أجابني بهدوء آلي: "لا تقلق، هذا الجهاز مصمم باحترافية للحفاظ على استقرار جسدك ومنع أي اضطراب في موجات التزامن."

​(جهاز معد باحترافية؟) نظرتُ إلى "التابوت " الحديدي المزود بواجهة زجاجية باردة. بدا الأمر وكأنني أختار قبري بملء إرادتي.

لكن، لم يكن لدي خيار آخر.

​استلقيتُ داخل "التـ... الجهاز ".

وضعوا الحجر الأحمر القاني فوق صدري.

في لحظة بدأ ينبض بضوء دموي مرعب، يتماشى مع دقات قلبي المتسارعة.

رأيتُ العلماء يلتفون حولي، وبدا مشهدهم من خلف الزجاج كأطباء يشرحون جثة لم تمت بعد.

​بدأت عيناي تثقلان.. الرؤية تتلاشى.. والوعي يغرق في سواد سحيق.

​فتحتُ عيني فجأة.

لم تكن هناك أضواء مختبر، ولا رائحة المعدن ، ولا وجوه علماء شاحبة.

​ظربت وجهي ريح جبلية حادة وقوية، تحمل معها رائحة التربة المبللة والأشجار العتيقة.

وقفتُ غير مصدق؛ برارٍ شاسعة تمتد للأفق، أشجار ضخمة تعانق السحاب، ومخلوقات صغيرة غريبة تراقبني من بين الشجيرات.

​كان جسدي يرتجف، ليس برداً، بل من حقيقة أنني لم أعد في عالمي.

​"لقد فعلتها.. أنا هنا أخيراً."

​تمتمتُ بصوتٍ لم أعرف إن كان يقطر خوفاً أم إثارة، لكن الكلمات خرجت ثابتة لتعلن بداية الكابوس:

​"إنه عالم الغو."

2026/04/03 · 2 مشاهدة · 528 كلمة
بلاكي
نادي الروايات - 2026