​الفصل 7 : وعي الحجر

/

​انغمستُ في تلك اللحظة بكل جوارحي، كنت أنظر إلى الأفق الممتد أمامي كأنني طفل يرى النور لأول مرة.

عالمٌ لامتناهٍ يتنفس سحراً، قصة خيالية تجسدت واقعاً ملموساً أمام عينيّ.

لكن، وكما هو الحال دائماً، الواقع يملك طريقته الخاصة في صفعك لتستيقظ.

​"غررر... غررر..."

​تجمدت الدماء في عروقي. اخترق صوت زمجرة برية هدوء المكان، ليعيدني قسراً من أحلام اليقظة.

التفتُّ ببطء، لتلتقي عيناي بعيني خنزير بري متوسط الحجم، كان يقف على بعد أمتار قليلة، يرمقني بنظرات يمتزج فيها الفضول بالعدوانية.

​(هل سيهاجم؟) قفز السؤال إلى ذهني بينما بدأت أهبط بجسدي قليلاً، متراجعاً للخلف بخطوات مدروسة وهادئة.

في البرية، التردد هو الخطوة الأولى نحو القبر، سلوك الحيوانات غير متوقع بتاتاً.

بدون سلاح أو حتى قطعة خشب أدافع بها عن نفسي، لم يكن "البطل" الذي في داخلي يملك سوى خيار واحد: الهروب التكتيكي.

​لحسن الحظ، لم يكن الخنزير في مزاج يسمح بالقتال اليوم.

ربما استشعر هو الآخر غرابة هذا الكائن الذي ظهر فجأة في منطقته.

تراجعنا معاً، أنا وهو، في صمت مريب، حتى استدار الخنزير وأطلق ساقيه للريح مختفياً بين الأشجار.

​"لقد رحل..." زفرتُ بقوة، وكأن جبلًا قد انزاح عن صدري.

​حاولت تحليل الموقف بعقلانية؛ وجود خنزير بري يتجول بهدوء يعني أن الحيوانات المفترسة الكبيرة قد لا تكون موجودة في المحيط القريب.

هذا هو الخبر الجيد.

أما الخبر السيئ؟ "الاحتمال المنخفض" لا يعني "الأمان المطلق". في عالم كهذا، الغفلة تعني الموت.

​(عليّ أن أكون حذراً.. السذاجة هنا انتحار) شددتُ قبضة يدي لأطرد بقايا الذهول.

نظرياً، جسدي الحقيقي مستلقٍ بأمان داخل "اللؤلؤة"، وهذا المكان ليس سوى عالم تشكل داخل وعيي.

ومع ذلك، لم تكن لدي أدنى رغبة في اختبار فرضية: "هل الموت هنا يعني الاستيقاظ في الواقع، أم الموت فيه؟".

​(الأرجح هو الأخير).. هكذا أخبرني حدسي المنطقي.

​تفحصتُ جسدي سريعاً. شعرت بلمحة من الارتياح عندما وجدت أنني ما زلت "أنا".

رائحة الندى العالقة في الجو، ملمس التربة الرطبة والأعشاب التي تداعب أصابع قدمي.. كل شيء كان حقيقياً لدرجة مرعبة.

​لكن هنا، لم أتمالك نفسي من الاعتراض: "لماذا أنا حافٍ؟! هل هذه دعابة؟".

​كنت أرتدي بذلة رياضية مريحة، لكن قدماي كانتا عاريتين تماماً أمام قسوة الأرض.

تنهدتُ بقلة حيلة؛ كنت أتوقع أن يتم نقلي بجسد إحدى شخصيات الرواية الأصلية، لكن وجودي بهويتي الحقيقية كان مفاجأة.. مفاجأة تحمل في طياتها خطراً عظيماً.

​(وجودي بجسدي الأصلي يجعلني "شيطان عالم آخر" بالكامل في عالم الغو.. هل تلاعب الحجر بإعدادات الرواية؟)

​لم يكد السؤال يكتمل في عقلي حتى شق صمت المكان صوتٌ آلي، بارد، وخالٍ من المشاعر، انبثق من العدم ليجيبني:

​[لقد تم الاحتفاظ بـ 90% من الإعدادات الأساسية للعالم. المضيف يُعتبر بالفعل "شيطان عالم آخر" كامل الحقوق.]

​تسمرتُ في مكاني.

الصدمة جعلت عقلي يتوقف لثانية، لكن الإدراك سرعان ما انفجر في ذهني كشرارة.

تمتمت بصوت خافت، يكاد يكون مسموعاً: "الحجر..؟"

​جاء الرد فورياً:

[نعم. هذا هو الاسم الذي أطلقته حضارتكم عليّ لوصفي.]

فجأة، ارتجف الهواء وظهرت شاشة شبه شفافة تعرض بياناتي.

كان اللون الأحمر القاني يغطي أغلب الخانات، وخاصة خانة "الموهبة".

سألتُ بوجل: "ماذا يعني هذا؟".

​جاء الرد الذي جعل قلبي يهوي في هاوية سحيقة:

[كونك شيطاناً كاملاً من عالم آخر يجعل 50% من قوانين عالم الغو عديمة التأثير عليك. أنت غير مرتبط بغو القدر أو بنهر الزمن ، مما يجعل التنبؤ بحركاتك مستحيلاً. كما أن "الغو" المرتبط بأساسات هذا العالم، مثل "غو الحب" أو "غو الأمل"، لن يكون له تأثير مباشر على جسدك أو وعيك.]

​"مهلاً.. لا تأثير مباشر؟" ارتعش صوتي، وشعرت ببرودة تجتاح أطرافي.

(إذا لم يكن لغو الأمل تأثير عليّ، أهذا يعني أنني لن أستطيع إيقاظ فتحتي أبداً؟ هل سأقضي حياتي مجرد فاني في عالمٍ لا يعترف إلا بالقوة؟)

​ساد الصمت، وكأن "الحجر" يترك لي المجال لأستوعب حجم الكارثة.

أنا الآن الرجل الوحيد في هذا العالم الذي يملك حرية مطلقة ، ولكنه لن يمتلك يوماً واحداً من "الأمل" ليصبح سيد غو .

2026/04/03 · 3 مشاهدة · 603 كلمة
بلاكي
نادي الروايات - 2026