الفصل 9 : رقصة الغريزة
/
توقفت عقارب الساعة في ذهني وتجمدت الدماء في عروقي.
من بين ستائر الشجيرات الكثيفة، انشق الظل ليكشف عن كابوس حيّ يزحف على الأرض.
لم يكن مجرد وحش، بل كان "ألفية الشفرات الأرضية"؛ كائن بطول مترين، مغطى بصفائح معدنية سوداء تعكس ضوء النهار الشاحب كدروع جنائزية، وعشرات الأرجل التي تنتهي بنهايات مدببة غُرست في التربة كخناجر مصقولة.
لم تكن هناك فرصة للمناورة أو البطولة الزائفة.
بمجرد ظهورها، شُلّت أطرافي تماماً.
لم يعمل عقلي كبطل رواية يحلل نقاط الضعف، بل تداعى كأي إنسان يواجه حتفه. تحرك الوحش؛ لم يكن قفزاً بل اندفاعاً انسيابياً مرعباً فوق الحطام الجاف.
تراجعتُ بذعر، فتعثرتُ بجذر شجرة ناتئ ليسقط جسدي على الأرض بقوة أطارت الأنفاس من رئتيّ.
"فحيييييح!"
قبل أن أستوعب الصدمة، سبقت الرائحة الكريهة نصل أرجلها.
رفعتُ يديّ غريزياً، حركة يائسة لا معنى لها أمام شفرات تقطع العظم.
"اااااغ!"
تمزقت صرخة مكتومة في حنجرتي حين اخترقت إحدى أرجلها الجانبية فخذي الأيمن.
لم يكن ألماً حاداً في البداية، بل شعوراً ببرودة معدنية تغلغلت في لحمي، تبعتها حرارة حارقة كأن زيتاً مغلياً صُبّ في عروقي.
لم تهجم لتأكلني فوراً، كانت تثبّت فريستها بالأرض ببرود آلي.
[تنبيه: إصابة بليغة في الطرف السفلي. فقدان مستمر للسوائل الحيوية.]
"اخرس.." زمجرتُ من بين أسنان مطبقة، والدموع تنهمر من عينيّ نتيجة الصدمة العصبية.
لكن وسط هذا الجحيم، كان الألم هو منقذي؛ لقد أيقظ فيّ غريزة البقاء الخام وأجبر عقلي المشلول على العمل.
نظرتُ للوحش بتمعن للحظة خاطفة.
هذه لم تكن النسخة المرعبة التي قرأتُ عنها في رواية "القس ".
الكائن أمامي كان حطاماً لوحش؛ أغلب أرجله مُقتلعة بوحشية، وإحدى عينيه مع جزء كبير من الرأس مفقود وكأن مخالب عملاقة قد نهشته.
كان ينزف بغزارة ويهرب من شيء ما.. شيء أكثر رعباً وقوة منه.
(يمكنني النجاة!) صرختُ داخلياً. عليّ الهروب من هذه الحشرة قبل أن يصل "الجزار" الحقيقي الذي يطاردها.
لم أمتلك حجراً سحرياً ولا خنجراً.
تلمست يداي التراب حواي بجنون حتى غرزت أصابعي في حطام عضوي.
شعرتُ بشيء صلب، لم يكن حجراً، بل قطعة مكسورة من قشرة وحش آخر، حادة كالمشرط ومليئة بالنتوءات المنفرة.
بينما كانت الألفية تقرب فكها المقزز لتلتهم أحشائي، لم أطعنها بدقة مذهلة كما يفعل أبطال "المانهوا"، بل بدأتُ أضرب بهستيريا.
أضرب أي شيء يقترب من وجهي بتلك القشرة الحادة.
اختلطت دمائي بدمائها الخضراء اللزجة حين أصابت ضربتي العشوائية أحد قرون استشعارها المتبقية وقطعت جزءاً من فكها السفلي المهشم أصلاً.
تراجع الوحش فجأة، مضطرب الحواس؛ فقرون الاستشعار هي بوصلته في هذا العالم المظلم.
استغللتُ ثواني تخبطه، وجرجرتُ جسدي متجاهلاً الألم الذي جعل رؤيتي تتشوش كإشارة تلفاز معطلة.
زحفتُ نحو تجويف ضيق أسفل جذور شجرة عملاقة ميتة، مكان يعج بالرطوبة والديدان، لكنه كان بالنسبة لي أأمن مكان في الكون.
حشرتُ نفسي في الداخل، أضغط بيدي على جرح فخذي النازف لأكتم صرخات الوجع.
بالخارج، كانت الألفية تضرب الأرض بهياج، تكسر الأغصان وتبحث عن فريستها التي تلاشت من "رؤيتها" المشوشة.
مرت دقائق كأنها دهر، حتى اهتزت الأرض بصوت دمار قادم من بعيد، كأن دبابة مصفحة تقفز عبر الغابة.
توقفت الألفية عن الحركة تماماً، ارتحف جسدها المعدني برعب، ثم انسحبت هاربة بوجل.
بقيتُ وحيداً في الظلام الشاحب، أرتجف من البرد والصدمة، مستشعراً حركة "الشيء" الضخم الذي يطاردها وهو يمر بالقرب من مخبئي، لكنني لم أجرؤ حتى على التنفس، ناهيك عن النظر للخارج.
بعد نصف ساعة من الصمت الجنائزي، شعرتُ أخيراً ببرودة الارتياح تسري في جسدي. بدأتُ أحاول العناية بإصابتي، لكن الحقيقة المرة صدمتني وأنا أمزق قطعة من قميصي لأربط الجرح:
( الغابة لم تنتهِ مني بعد. )
الاختبار الحقيقي لم يكن القتال، بل فيما سيأتي.. كيف سأنجو في الأيام القادمة وأنا بالكاد أستطيع المشي ، ناهيك عن مواجهة ما ينتظرني في الظلال؟