لم يكن الإنذار صوتًا فقط.
كان لونًا يملأ الرئة.
الأحمر في جناح العزل لم يسطع على الجدران فحسب، بل دخل في الوجوه، في الزجاج، في عيون المرضى الذين لم يملكوا قوة الالتفات. كل شاشة تحولت إلى عين مفتوحة داخل مربع. كل باب أغلق نفسه بنقرة واحدة، كأن المبنى كله شدّ أسنانه.
وقف كاي في منتصف الممر، ويد ليان ما زالت على ذراعه، واسم سليم خلف الزجاج ينبض في خانة خضراء ضعيفة. لم يكن أمامه وقت كي يخاف بطريقة مرتبة. الخوف الفوضوي أسرع، لكنه أقل فائدة.
قال دارّاك وهو يلهث: «لا مصاعد. لا ممرات رئيسية. لا أبواب خدمة. مكتب العين لا يغلق المكان كي يمسكك فقط، بل كي يجعل كل من حولك يقرر تسليمك قبل أن يصير شريكًا.»
قالت ميرا: «إذن نعطيهم ما يريدون ونخرج الباقين.»
لم تقلها بخيانة. قالتها كمن يضع أبشع احتمال على الطاولة قبل أن يقتلهم تظاهر النبل.
نظر كاي إليها، ثم إلى سليم. «لو سلّمت نفسي الآن، لن يخرج أحد. سيأخذونني، ثم يسألونكم لماذا لم تمنعوني من الوصول إلى الفهرس. كل إجابة ستكون دينًا جديدًا.»
قال إيرن بصوت مبحوح: «يعني نهرب؟»
قال دارّاك: «لا. الهروب كلمة قانونية سيئة. نحن نعيد توجيه أنفسنا عبر أصل غير مفهرس.»
حدقت فيه ليان. «ترجمة؟»
«نهرب.»
من نهاية الممر جاءت طرقات منتظمة. ليست ركضًا. الحراس الذين يثقون بالأبواب لا يركضون. كل خطوة كانت تقول إنهم يملكون الزمن، وإن الآخرين يستعيرونه.
تحرك كاي نحو غرفة سليم. «نحتاجه خارج الحاجز.»
قالت ميرا: «هو موصول بثلاثة أجهزة.»
ردت ليان، وقد اقتربت من لوحة التحكم بجانب الزجاج: «جهازان للعزل، واحد للنبض. التمديد فعّل النقل الداخلي لمدة ست ساعات. إذا سجلناه كنقل علاجي، الباب يفتح.»
نظر إليها كاي. الألم في ذراعها جعل لون وجهها باهتًا، لكنها كانت تقرأ الخانات أسرع من الجميع. لم يكن ذلك سحرًا. كان معرفة إنسان اضطر يومًا أن يفهم النظام الذي يلتهم من يحب.
قال دارّاك: «وأين تعلمتِ كسر العزل؟»
قالت بلا التفات: «حين يمرض أخوك، تتعلم قراءة كل شيء لا يريد الموظفون شرحه.»
وضعت راحة يدها على اللوحة. ظهر نص أزرق:
طلب نقل علاجي داخلي.
سبب النقل؟
تحركت عينا ليان بين الخيارات. لم تختر «تدهور الحالة». هذا يستدعي موظفًا. لم تختر «تنظيف الغرفة». هذا يحتاج جدولًا. اختارت خانة صغيرة في الأسفل: توافق أثر ركامي مع العزل الحالي .
سأل كاي: «هل هذا صحيح؟»
قالت: «سيصبح صحيحًا لو تأخرنا.»
فتح الحاجز نصف متر.
دخلت ميرا أولًا، وفكت أنبوب العزل بحركة حذرة. الرجل العريض، الذي لم يقل كلمة منذ الإنذار، حمل سليم كما لو كان يحمل زجاجًا له نبض. كان سليم أخف مما يجب، وهذا وحده جعل الممر أضيق.
اقتربت الخطوات.
ظهر أول حارس عند الزاوية: درع رمادي، قناع أبيض، عصا ضوئية قصيرة. فوق رأسه رأى كاي لونًا أزرق صافيًا، صافيًا أكثر من اللازم.
لا تثق بالأزرق إذا كان وحده.
قال الحارس: «ضعوا المريض أرضًا. حامل الاسم يتقدم وحده.»
لم يتحرك أحد.
رفع الحارس العصا. في اللحظة نفسها، رمى دارّاك شيئًا صغيرًا على الأرض. لم ينفجر. فقط أطلق رائحة حادة تشبه المعدن المحروق، فانطفأت العلامات الزرقاء على الجدران لثانيتين.
ثانيتان في مكتب العين تساويان جريمة.
قال دارّاك: «يسارًا!»
اندفعوا.
لم يكن الباب الأيسر بابًا. كان خزانة نفايات طبية مقفلة. دارّاك ضربها بكعب حذائه في موضع محدد، فارتفع قاعها كغطاء قبر. خلفها فتحة ضيقة تنحدر إلى أسفل.
قالت ميرا: «هذا طريقك الذي يملكه رجل ميت؟»
قال دارّاك: «كان الرجل يكره النظافة الرسمية. ذوقه سيئ لكنه عملي.»
قال إيرن: «لن يدخل سليم من هنا.»
نظر كاي إلى الفتحة. ثم إلى الرجل العريض. ثم إلى الممر الذي بدأ يضيء من جديد. لم يعد عندهم وقت للتفكير البطيء.
قال: «أنا أنزل أولًا. أنتم تمررونه لي.»
أمسكته ليان من كتفه. «يدك.»
«ليست أهم يد هنا.»
نزل.
كانت الفتحة باردة ورطبة، وجدرانها ملساء من كثرة ما ابتلعت أشياء لم تُسجل. انزلق كاي مترين قبل أن يثبت قدميه على سلم معدني قديم. عندما رفع رأسه، رأى وجه ليان فوقه محاطًا بالضوء الأحمر.
مرروا سليم أولًا. الرجل العريض أمسكه من الأعلى، وكاي من الأسفل، وميرا في المنتصف. للحظة، بدا جسد سليم معلقًا بين عالمين: عالم يملك ملفه، وعالم لا يعترف به أصلًا.
ثم دخل.
تبعهم إيرن، ثم ميرا، ثم ليان. آخر من نزل كان دارّاك. وقبل أن يغلق الخزانة فوقه، مد رأسه إلى الممر وقال للحارس الذي وصل متأخرًا:
«أخبر مكتب العين أن الديون لا تمشي في صف مستقيم.»
ثم أغلق الباب.
الظلام تحت الجناح الطبي لم يكن كظلام القناة. كان أقدم. هناك أسلاك ميتة تتدلى مثل عروق جافة، وأنابيب تصريف تحمل أرقامًا أُلغيت قبل سنوات، وأرضية تنحدر قليلًا نحو مكان لا تظهره خرائط المحور.
قالت ميرا وهي تساعد الرجل العريض في تثبيت سليم على حمالة معدنية مهجورة: «لو متنا هنا، سأعود كدين وأطاردك.»
قال دارّاك: «سأفاوضك حينها.»
قال كاي: «إلى أين يقود؟»
لم يجب دارّاك فورًا. أخرج من جيبه قطعة معدنية سوداء، مستديرة، عليها اسم مشطوب. وضعها في فتحة بجدار قديم. لم يحدث شيء أولًا. ثم اهتز الجدار، وظهر عليه خط أفقي واحد.
بعده ظهرت ست كسرات قصيرة.
تراجع إيرن. «هذا هو.»
لم تكن الكسرات مرسومة بالطلاء. كانت في الحجر نفسه، كأن الحجر تذكر جرحًا.
قال دارّاك بصوت أخفض: «الرجل الميت بنى هذا الطريق قبل أن يصبح مكتب العين مكتبًا. كان يقول إن كل مبنى يحتاج مخرجًا لا يحبه صاحبه.»
قالت ليان: «ومن هو؟»
ضغط دارّاك فكه لحظة. «أورين سالك. مهندس سلالم. مات ثلاث مرات في السجلات، وهذا أكثر من كافٍ ليحترمه المرء.»
اقترب كاي من الخط. تحت جبيرته، تحرك الألم ببطء. لم يكن نداءً. كان تعرفًا.
ظهر نص رفيع على الجدار:
مسار غير مفهرس.
الدفع باسم ميت فقط.
نظر الجميع إلى دارّاك.
ابتسم، لكن ابتسامته لم تبلغ عينيه. «لا تنظروا إليّ هكذا. لست ميتًا رسميًا إلا في مكتبين ونصف.»
قالت ميرا: «هذا لا يطمئن.»
مد دارّاك القطعة المعدنية نحو الفتحة مرة أخرى، لكنها احترقت في يده وسقطت رمادًا. تغير النص:
الاسم الميت منتهي الصلاحية.
بديل مقبول: اسم مشطوب من فهرس السلالم.
لم يفهم إيرن. ميرا فهمت بعد ثانية. ليان فهمت قبلهما، فالتفتت إلى كاي بعينين واسعتين.
قالت: «لا.»
الجدار لم ينتظر اعتراضها. ظهرت سبعة أسماء على الحجر، كلها الاسم نفسه.
كاي ڤيرلين.
ستة منها مشطوبة.
والسابع يلمع كجرح لم يغلق.
قال دارّاك ببطء: «الطريق لا يطلب حياتك.»
قال كاي: «ماذا يطلب؟»
من خلفهم، دوّى المعدن. الحراس وجدوا الخزانة.
أجاب الجدار بدلًا من دارّاك:
تأكيد دفع: ذكرى صعود واحدة.
لم يعرف كاي ما معنى ذكرى صعود. لكنه عرف أن الوقت صار أصغر من السؤال.
قالت ليان: «لا تدفع شيئًا لا تفهمه.»
نظر إلى سليم على الحمالة، إلى وجهه الشاحب، إلى أثر ليان الأسود، إلى إيرن الذي يحاول أن يبدو أكبر من خوفه.
ثم وضع كفه على الاسم السابع.
قال: «نخرجهم أولًا.»
اختفى جزء من العالم.
ليس ضوءًا. ليس صوتًا. شيء أبسط: ذكرى سلم.
رأى نفسه طفلًا، يصعد درجات مبللة وهو يلهث. كان هناك صوت امرأة خلفه يقول: «لا تصعد.» لكنه في الذكرى كان يصعد. ثم انقطع المشهد كما تُنزع صفحة من كتاب.
فتح الجدار فمه.
وخلفهم، انكسر باب الخزانة.
قال دارّاك: «اركضوا.»
هذه المرة لم يصحح أحد الكلمة.