كانت المرأة البيضاء تعرف الألم قبل أن يشرحه أحد.
هذا وحده جعلها خطيرة.
لم تسأل لماذا يحملون مريضًا على حمالة غير مرخصة. لم تسأل لماذا يطاردهم مكتب العين. لم تسأل لماذا يقف دارّاك في عيادتها كأنه يعرف مكان كل مخرج فيها. فقط رفعت يدها ذات القفاز الزجاجي، فأضاءت الجدران بلون رمادي ناعم، وانغلقت ثلاثة أقفال خلفهم.
قالت: «المريض إلى السرير الجانبي. لا تلمسوا السلك الأصفر. من يلمسه يدفع ثمن الجهاز أو يدفن تحته.»
قالت ميرا: «أنتِ الطبيبة؟»
قالت المرأة: «في الأماكن النظيفة يسمونني مخالفة. هنا يسمونني سيرا.»
وضع جاريك سليم على السرير. تحركت أجهزة قديمة حوله كحشرات معدنية بطيئة، لكنها لم تؤذه. واحدة ثبتت على صدره، وأخرى قرب الرقبة، وثالثة فوق كف يده. ظهرت خانة خضراء صغيرة.
نبض مستقر مؤقتًا.
ليان لم تتنفس إلا بعد أن رأت الكلمة.
قالت سيرا: «أنتِ الآن.»
جلست ليان على كرسي معدني في وسط الغرفة. عندما كشفت ذراعها، سكت الجميع.
الأثر الذي كان خيطًا أسود صار شبكة رفيعة تحت الجلد، تمتد من المعصم إلى المرفق. ليس عفنًا، وليس حبرًا. كان أشبه بخريطة صغيرة لطرق لا تريد أن تُرى. في منتصفها سبع كسرات قصيرة، تتحرك مع نبضها لا مع نبض كاي.
اقتربت سيرا بالقفاز. «من لمس فهرس السلالم معها قريبة؟»
لم يجب أحد.
قالت ليان: «أنا كنت عند الباب.»
«لم أسأل أين كنتِ. سألت من لمس الفهرس وأنتِ قريبة بما يكفي ليقرر الأثر أنكِ شاهدة.»
نظر الجميع إلى كاي.
قال: «أنا.»
قالت سيرا: «إذن تهانينا. أنت لم تجرّ مكتب العين فقط. جررت شيئًا أقدم منه إلى دمها.»
تقدم كاي خطوة، لكن ليان رفعت يدها السليمة دون أن تنظر إليه. «لا تبدأ بالاعتذار قبل أن نفهم.»
توقف.
أومأت سيرا كأنها احترمت الجملة. «الأثر اسمه مرساة سوداء. يظهر حين يحاول فهرس السلالم استرجاع اسم غير مكتمل، فيجد قربه شخصًا ربط ذلك الاسم بالعالم الحالي. المرساة تقول للفهرس: لا تستطيع سحبه وحده، هناك من يشهد أنه هنا.»
قال إيرن: «يعني هي تحميه؟»
قالت سيرا: «تحميه وتُستنزف بدلًا منه إذا طال الأمر. الحماية في فاليس إيرنًا ما تأتي بلا سرقة.»
ضربت الجملة كاي في صدره.
قالت ليان بهدوء شديد: «كم أمامي؟»
قالت سيرا: «لو بقي قريبًا منك أثناء محاولات الاسترجاع، أقل من يوم قبل أن يبدأ الأثر بأخذ الذاكرة الطرفية. أسماء الشوارع. وجوه بعيدة. تفاصيل صغيرة. بعدها يأخذ ما هو أقرب.»
قال كاي: «افصليها.»
قالت سيرا: «لو فصلتها الآن، سيحصل مكتب العين على ما يريد. يصبح اسمك خفيفًا بما يكفي للسحب.»
قال: «لا يهم.»
هذه المرة التفتت ليان إليه. لم تغضب بصوت عالٍ. كان ذلك أسوأ.
«لا تقل لا يهم عن شيء سيدفعه غيرك.»
لم يجد جوابًا.
قالت ميرا: «هل يوجد حل ثالث؟»
ابتسمت سيرا بلا فرح. «دائمًا يوجد حل ثالث. لذلك يكون أغلى.»
قال دارّاك من زاوية الغرفة: «قولي السعر قبل القصيدة.»
نظرت إليه. «أنت آخر شخص يحق له استعجال الأسعار، يا ابن أورين.»
تصلب الهواء.
قالت ميرا ببطء: «كنتِ تعرفين؟»
قالت سيرا: «كل شخص يدخل من طريق رجل ميت يترك رائحة عائلته خلفه.»
دارّاك لم يبتسم.
قالت سيرا وهي تعود إلى ذراع ليان: «الحل الثالث هو تثبيت المرساة مؤقتًا بدل فصلها. هذا يمنعها من أكل ذاكرة ليان بسرعة، ويجعل استرجاع كاي أصعب. لكنه يعلن لمكتب العين أن هناك شاهدًا حيًا على النسخة غير المكتملة. سيطاردونها هي أيضًا، لا كمساعدة، بل كدليل.»
قال كاي فورًا: «لا.»
قالت ليان في الوقت نفسه: «افعليه.»
نظر إليها.
قالت: «سليم يحتاج وقتًا. أنا أحتاج ذراعي. وأنت تحتاج أن لا تُسحب من العالم قبل أن نعرف ما الذي يحدث.»
قال: «هذا يضع اسمك معهم.»
قالت: «اسمي معهم منذ دخلت قناة لأمدد عزل أخي.»
قال: «هذا مختلف.»
«نعم. هذه المرة أعرف الثمن قبل أن أقبله.»
لم يكن يستطيع أن يسمي قرارها تهورًا دون أن يسرق منها ما حاول هو امتلاكه طوال الوقت: حقها في أن تقرر أين تقف.
خفض عينيه. «إذن أخبريني ماذا أفعل.»
قالت: «لا تجعلني أندم على الثقة بك.»
كانت جملة صغيرة. لا وعد فيها ولا عفو. لكنها أثقل من كل الأختام التي طاردتهم.
بدأت سيرا العمل.
القفاز الزجاجي لم يلمس الجلد مباشرة. مر فوق الذراع، يفتح خطوطًا ضوئية دقيقة حول الأثر، كأنه يرسم قفصًا لا يسجن الطائر بل يمنع السماء من ابتلاعه. ليان عضت على قطعة قماش ولم تصرخ. إيرن أدار وجهه. ميرا بقيت تنظر، كأنها تعاقب نفسها على كل مرة ظنت أن الألم يصبح عاديًا إذا رأيته كثيرًا.
كاي لم ينظر إلى الذراع فقط. نظر إلى وجه ليان. إلى الطريقة التي تحارب بها الألم دون أن تطلب من أحد أن يشهد لها. رأى الآن ما كان يفوته في القناة: الشجاعة ليست لونًا فوق الرأس. ليست علامة سوداء أو زرقاء. أحيانًا تكون شخصًا يقرر البقاء في الغرفة رغم أن الباب مفتوح.
ظهر نص صغير فوق ذراعها، لا يراه إلا هو:
مرساة سوداء: تثبيت مؤقت.
الشاهد: ليان رافا.
الأصل: كاي ڤيرلين، نسخة سابعة غير مكتملة.
قال كاي: «نسخة سابعة.»
رفعت سيرا رأسها. «رأيت النص؟»
أومأ.
«إذن لم يعد لديك رفاهية الجهل.»
قالت ميرا: «ما معنى نسخة سابعة؟»
سيرا نظرت إلى دارّاك، ثم إلى كاي. «في فهرس السلالم، الصعود لا يعني دائمًا الانتقال للأعلى. أحيانًا يعني تجربة. نسخة تُرسل، تفشل، تُشطب. نسخة أخرى تصعد، تُختبر، تُمحى. ست مرات حدث هذا لاسمك. السادسة تركت كسرًا في النظام. السابعة لم تكتمل؛ لذلك خرجت من السجل بدل أن تُدفن فيه.»
قال كاي: «أنا نسخة؟»
قالت سيرا: «أنت شخص. لا تسمح للغة الملفات أن تأكل هذه الحقيقة. لكن نعم، هناك من حاول معاملتك كنسخة قابلة للإعادة.»
قال إيرن: «من؟»
قبل أن تجيب، انطفأت المصابيح.
ليس كلها. مصباح واحد بقي فوق سليم، كأن العيادة نفسها قررت أن المريض لا ذنب له في الدراما. بقية الغرفة غرقت في ظلام رمادي.
ثم سمعوا التصفيق.
بطيئًا.
مرة.
مرتين.
ثلاثًا.
من المرآة الكبيرة على الجدار، تلك التي لم يلتفتوا إليها لأنهم ظنوها أداة فحص، ظهر انعكاس لا يطابق الغرفة. في الانعكاس، كان هناك رجل نحيف بمعطف أبيض، شارة العين على صدره، والابتسامة الرسمية التي لا تصل إلى أي مكان حي.
موظف الفحص.
قال من داخل المرآة: «تثبيت شاهد حي دون ترخيص. نقل أصل مسترجع عبر مسار ميت. تعطيل إنذار أمني. الليلة أصبحت مكلفة.»
رفعت ميرا سكينها. «اخرج من المرآة وسنخفض التكاليف.»
لم ينظر إليها. عينه كانت على كاي.
قال: «مكتب العين لا يريد قتلك. القتل تبديد. نريد إعادتك إلى السلم الصحيح.»
قال كاي: «السابع لا يصعد.»
لأول مرة، تكسرت ابتسامة الموظف قليلًا.
قال: «من قال لك هذه العبارة؟»
قال كاي: «النسخ التي شطبتموها.»
لم يكن يعرف إن كان هذا صحيحًا بالكامل. لكنه رأى العبارة تؤلم الرجل، وهذا يكفي ليعرف أنه اقترب من شيء.
تحركت المرآة. سطحها صار ماءً أسود. مدت منه يد بيضاء طويلة، لا جلد عليها تقريبًا، تحمل ختمًا أزرق. سيرا قفزت إلى الخلف، ودارّاك دفع إيرن وراءه، وميرا اندفعت نحو المرآة.
لكن اليد لم تتجه إلى كاي.
اتجهت إلى ليان.
قال الموظف: «إذا كانت المرساة تمنع الاسترجاع، نأخذ المرساة أولًا.»
تحرك كاي قبل أن يفكر. أمسك يد ليان السليمة وسحبها خلفه. في اللحظة نفسها، اشتعل الخط السابع تحت جبيرته، لا كألم هذه المرة بل كفتحة. لم يفتح بابًا. لم يكسر المرآة. فعل شيئًا أبسط وأكثر رعبًا.
ألغى المسافة بينه وبين اليد.
وجد نفسه أمام المرآة مباشرة، والختم الأزرق على بعد شعرة من صدره.
رأى داخله مشهدًا خاطفًا: ستة أطفال، كل واحد يحمل وجهه، يصعدون ستة سلالم مختلفة. واحد يسقط. واحد يحترق. واحد يختفي في ضوء أبيض. واحد يمد يده إلى امرأة تحمل خيطًا أسود.
والسابع، الصغير الذي رآه خلف الباب الأزرق، لا يصعد.
ينظر إلى كاي ويقول:
«توقف عن الهرب مني.»
صرخ كاي، لا من الألم، بل من امتلاء رأسه بأسماء لا تخصه وحده.
ضربت سيرا المرآة بقفازها الزجاجي، فانفجر سطحها إلى شقوق فضية. تراجعت اليد، لكن الختم الأزرق ترك علامة على جبيرة كاي.
ظهر نص أمام عينه:
تم وسم الأصل.
الاسترجاع التالي لا يحتاج بابًا.
اختفى الموظف من المرآة.
بقيت الغرفة صامتة إلا من نفس ليان المتقطع ونبض جهاز سليم.
قالت سيرا، وهي تنظر إلى العلامة على جبيرته: «كانوا يحتاجون فهرسًا أو سلمًا أو بابًا قبل الآن.»
قال كاي بصوت أجش: «والآن؟»
لم تجب فورًا.
ثم قالت: «الآن يحتاجون أن تنام.»
وفي المرآة المكسورة، خلف انعكاس كاي مباشرة، ظهر الطفل السابع مرة أخرى.
لكن هذه المرة لم يكن خلف باب.
كان داخل الغرفة.