لم يكن هناك سقوط.
كان كاي يتوقع أن تبتلعه الندبة إلى أسفل، أن تخلع معدته من مكانها، أن تجبر جسده على الاعتراف بأن النزول حركة. بدلًا من ذلك، وجد نفسه واقفًا في ممر أبيض طويل بلا أرض واضحة. قدماه تلمسان سطحًا لا يُرى، وكل خطوة تصنع تحتهما درجة تختفي بعد مرور ليان.
قالت ليان: «هذا ليس مكانًا.»
قال كاي: «أعرف.»
«أنت قلت ذلك بسرعة.»
«لأن الأماكن لا تنظر إليك هكذا.»
على الجانبين، امتدت فراغات مربعة كالنوافذ، لكن كل نافذة لم تعرض منظرًا. عرضت احتمالًا. في الأولى رأى سوق الزجاج لو أنهم تأخروا دقيقة: الحراس ينزلون من الجسور، رافكا مصلوبة في واجهة زجاجية باسمها الكامل، وإيرن يصرخ باسم سليم حتى يتحول الصوت إلى قيد أزرق.
كاي أغمض عينيه.
قالت ليان: «لا تنظر كثيرًا.»
«رأيت إيرن.»
«هل حدث؟»
«لا أعرف.»
«إذن لا تعطه ذاكرة ليست له.»
الجملة أبقته واقفًا.
تابعا السير. الممر لم يكن مستقيمًا رغم مظهره. كلما ظن كاي أن النهاية أمامهما، وجدها بجانبه. كلما التفت إلى ليان، بدا وجهها قريبًا وبعيدًا في الوقت نفسه. المرساة السوداء على ذراعها لم تتمدد، لكنها صارت أثقل. كان يراها تسحب ظلها خلفها مثل سلسلة لا تريد الاعتراف بأنها سلسلة.
قال: «هل تؤلمك؟»
قالت: «نعم.»
«لماذا تكذبين أقل الآن؟»
قالت: «لأن المكان لا يبدو مناسبًا للأكاذيب الصغيرة.»
كان يريد أن يضحك، لكنه لم يستطع. الضحك يحتاج سطحًا ثابتًا يرجع إليه الصوت.
ظهرت على الجدار كتابة بلا حبر:
النزول الأول: لا تبحث عن القاع.
ابحث عن الاختيار الذي حُذف كي تبدو القمة منطقية.
قالت ليان: «هذا أسلوب إيرا؟»
قال كاي: «لا أعرفها.»
بعد ثانية أضاف: «أو أعرفها أكثر مما ينبغي.»
فتح مربع جديد عن يساره. هذه المرة لم ير احتمالًا سريعًا، بل غرفة عزل قديمة. لم تكن العيادة التي هربوا منها. الجدران أقدم، أضيق، ولون الضوء فيها أبيض مائل إلى الأخضر. في منتصف الغرفة، طفل يجلس على كرسي عالٍ وقدماه لا تلمسان الأرض. شعره أسود، ويده ملفوفة بقماش. أمامه وقف رجل ذو شريط أسود أصغر سنًا، وجهه أقل ندوبًا وأكثر طاعة.
قالت ليان: «هل هذا أنت؟»
لم يستطع كاي الإجابة.
في المشهد، قال الرجل ذو الشريط الأسود للطفل: «إذا صعدت، سيتوقف الألم.»
الطفل لم يبكِ. هذا ما آلم كاي أكثر. الطفل كان قد تجاوز البكاء إلى مكان أسوأ: المكان الذي يصبح فيه الألم جزءًا من التعليم.
قال الطفل: «هي قالت لا أصعد.»
قال الرجل: «هي لا تفهم ما سيحدث لو بقيت هنا.»
«إيرا تفهم.»
ارتجفت الكتابة على الجدار، كأن الاسم نفسه خدش الممر.
قال الرجل بحدة: «لا تنطق هذا الاسم.»
الطفل نظر إلى الدرج الأبيض خلفه. لم يكن درجًا حقيقيًا. كان إجراءً على شكل درج. كل درجة تحمل رقمًا: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة. فوق السادسة مساحة فارغة لا تحمل رقم سبعة.
سأل الطفل: «أين السابعة؟»
الرجل لم يجب.
ثم انقطع المشهد.
كاي وضع يده على صدره. لم يكن هناك جرح، لكن شيئًا داخله حاول أن يصعد رغمًا عنه. كأن الجسد حفظ الأمر القديم: عندما تخاف، اصعد. عندما تُطارد، اصعد. عندما يريدون منك أن تنجو، اصعد إلى المكان الذي أعدوه لك.
قالت ليان: «انظر إليّ.»
نظر.
قالت: «اسمك كاي.»
ضحك بمرارة. «أعرف.»
«لا. أنت تتذكر. وهذا مختلف. قل لي شيئًا لم يعطك إياه المكان.»
فهم ما تفعله. هي لا تواسيه. هي تثبته.
قال: «إيرن يرفع حاجبه الأيسر عندما يكذب.»
«شيء آخر.»
«دارّاك يخاف من الصمت أكثر مما يخاف من الموت.»
«شيء عنك.»
توقف.
كان السؤال أبسط من أن ينجو منه.
قال أخيرًا: «أكره أن يقرر الآخرون معنى خوفي.»
ليان هزت رأسها. «هذا لك.»
تحرك الممر.
لم يعد أبيض. صار أسود على الحواف، وفي وسطه خيط رمادي ينحدر دون أن يميل. على الجانبين ظهرت ستة أبواب صغيرة. كل باب عليه الاسم نفسه:
كاي ڤيرلين.
الأول كان مشطوبًا بخط أحمر. الثاني بخط أزرق. الثالث بخط ذهبي. الرابع بخط أسود. الخامس بخط شفاف لا يكاد يُرى. السادس كان مفتوحًا قليلًا.
قال كاي: «لا.»
لكن الباب السادس تحرك.
خرج منه شخص يشبهه.
ليس طفلًا. ليس نسخة مشوهة. كان كاي كما كان يمكن أن يكون لو لم ينجُ من الصعود السادس. أطول قليلًا، وجهه أكثر هدوءًا، عيناه فارغتان بطريقة منظمة. على معصمه ختم أزرق نظيف، وعلى صدره بطاقة تحمل عبارة:
نموذج مستقر: نسخة سادسة.
قالت ليان بصوت منخفض: «لا تقترب.»
النسخة السادسة ابتسمت.
قالت بصوت كاي، لكن دون الترددات الصغيرة التي تجعل الصوت حيًا: «هي محقة. الاقتراب يجعل المقارنة أسهل.»
قال كاي: «أنت لست حيًا.»
قالت النسخة: «تعريف الحياة في فاليس إداري قبل أن يكون بيولوجيًا. لدي سجل. لدي وظيفة. لدي مستوى. أنت؟»
لم يرد كاي.
خطت النسخة خطوة، فظهرت تحت قدمها درجة كاملة. خطا كاي خطوة إلى الخلف، فلم تظهر درجة. فقط اتسع الخيط الرمادي.
قالت النسخة: «هذه مشكلة الخط السابع. لا يمنحك مكانًا تقف عليه. يمنحك حق الاعتراض على الأرض.»
قالت ليان: «ومن أرسلك؟»
التفتت النسخة إليها. لم يكن في عينيها فضول، بل قدرة باردة على تصنيفها.
قالت: «الشاهد الحي. ليان رافا. مرساة غير مصرح بها. خسارة محتملة: ذاكرة أخ، توقيع حضور، اسم عائلي جزئي.»
تحركت يد كاي قبل أن يفكر. أمسك ليان من ذراعها الأخرى وسحبها نصف خطوة خلفه.
قالت النسخة: «انفعال متوقع.»
قال كاي: «اصمت.»
«الغضب لا يغير السجل.»
«والسجل لا يغير أنني لست أنت.»
النسخة السادسة لم تتأثر. «لا. أنت أسوأ. أنا نتيجة فشل مقبول. أنت فشل غير منتهٍ. لهذا يبحثون عنك. لهذا دعتك إيرا. كل طرف يريد أن يستخدم ما لم يكتمل فيك قبل أن تختار أنت شكله.»
اسم إيرا أطفأ الأبواب الستة للحظة.
سأل كاي: «أين هي؟»
قالت النسخة: «ليست في الأسفل.»
«الصوت قال انزل.»
«الأصوات تقول ما يستطيع الناجي فهمه. إيرا ليست سجينة تنتظرك في قاع. هي أول من جعل القاع كذبة.»
قالت ليان: «تكلم بوضوح.»
للمرة الأولى ظهرت في وجه النسخة لمحة شيء قريب من السخرية. «هذا طلب مضحك داخل مكان مبني من المحذوف.»
رفع كاي يده. الخط السابع ظهر حول أصابعه لا كضوء، بل كفراغ دقيق يمحو حافة اليد. لم يكن يريد القتال، لكن جسده تعلم أن بعض الكلمات سلاح متأخر.
قالت النسخة: «إذا قطعتني، ستفقد ما بقي من الصعود السادس. الذكرى التي فيها وجه الحارس، سبب نجاتك، وربما أول مرة سمعت فيها اسم إيرا.»
قال كاي: «أنت تعرف أنني سأفعل لو اقتربت منها.»
قالت النسخة: «أعرف. لهذا لن أقترب.»
ثم نظرت إلى ليان.
«هي ستقترب.»
الأرض تحت ليان اختفت.
لم تسقط. ظهرت حولها دائرة من درجات صغيرة، كل درجة تحمل ذكرى ليست لكاي بل لها. سليم صغيرًا يمسك يدها في ممر المستشفى. أم تضع صمتها على المائدة بدل العشاء. ليان توقع اسمها الكامل على ورقة علاج لا تفهم بنودها. كل ذكرى تحولت إلى درجة، والدرجات بدأت ترتفع بها بعيدًا عنه.
صرخ كاي: «ليان!»
قالت النسخة السادسة: «المرساة ليست شيئًا ثابتًا. هي شيء يمكن رفعه إذا عُرف ما يثقله.»
ليان نظرت إلى كاي من داخل الدائرة. لم تصرخ. هذا جعل الرعب أنظف وأقسى.
قالت: «لا تقطع كل شيء.»
الجملة نفسها التي قالها الطفل داخله سابقًا.
كاي ركض نحوها، لكن الممر طال. كل خطوة منه صنعت احتمالًا جديدًا: في احتمال، قطع الدائرة وفقد اسم سليم من ذاكرته. في احتمال، تركها تصعد فبقي هو حرًا ووحيدًا. في احتمال، مد يده فصار الاثنان درجة واحدة في سلم لا يخصهما.
كان يجب أن يختار بسرعة.
وهنا فهم أن الخط السابع ليس قوة قطع فقط.
هو سؤال: أي علاقة يحق للنظام أن يحولها إلى قيد؟
رفع يده لا نحو الدرجات، بل نحو الكلمات المكتوبة عليها. لم يقطع ذكرى سليم، ولا توقيع ليان، ولا ألمها. قطع العبارة الصغيرة التي ظهرت تحت كل درجة:
صالحة للاستخدام كمرساة.
انطفأت الدرجات.
سقطت ليان مترًا واحدًا فقط قبل أن يمسكها. اصطدما بالأرض غير المرئية، وتدحرجا. الألم في كتفه كان حقيقيًا بما يكفي ليشعر بالامتنان. الألم الحقيقي أفضل من الاحتمالات.
قالت ليان وهي تلتقط أنفاسها: «أحسنت.»
قال كاي: «لماذا يبدو ذلك كتوبيخ؟»
«لأنك استغرقت وقتًا.»
كان سيجيب، لكن النسخة السادسة بدأت تتشقق. لا كجسد يموت، بل كملف يُسحب منه التصريح.
قالت النسخة، وصوتها يفقد انتظامه: «إيرا ستختبرك بالطريقة نفسها. لا تظن أنها رحيمة لأنها قالت لا تصعد.»
قال كاي: «ماذا تريد؟»
قالت النسخة: «أن تثبت أن الرفض يمكن أن يبني شيئًا. هي فشلت في ذلك مرة، فصار رفضها سلاحًا. إن لم تفعل أنت أفضل منها، ستصبح مثلها تمامًا: ندبة ينتظرها الآخرون كي تفتح.»
مدت يدها المتشققة نحو الباب السادس.
«وتذكر... القاضي لا يحتاج وجهًا إذا كان الجميع يخافون حكمه.»
اختفت.
الأبواب الستة أُغلقت دفعة واحدة. لكن أمامهما، في نهاية الخيط الرمادي، ظهر باب سابع بلا اسم. لم يكن أسود كندبة السوق. كان شفافًا، وخلفه ظل امرأة جالسة على كرسي منخفض، كأنها لا تنتظر متهمًا بل اعترافًا.
قالت ليان: «هل هذه إيرا؟»
لم يجب كاي.
من خلف الباب جاء الصوت نفسه، أقرب هذه المرة، وأقل أمومة مما تذكره:
«الذي ينزل ليهرب من الصعود، ما زال يطيع السلم.»
ثم فُتح الباب.