لم يكن الضوء يصرخ. لم يكن يهدد أحدًا، ولم يَعِد أحدًا أيضًا. كان واقفًا في نهاية القاعة مثل نافذة دافئة فُتحت في جدار لا يعرف الدفء، ساكنًا إلى درجة جعلت الخوف يبدو كأنه سوء فهم بشري لا علاقة له بالمكان.
ركض رجل في منتصف العمر نحوه قبل أن يفهم الآخرون أنهم مستيقظون أصلًا. كان قميصه ممزقًا عند الكتف، وحذاؤه يصطك بالحجر الأسود في إيقاع متعجل، كأنه لو توقف لحظة واحدة لتذكر شيئًا لا يريد تذكره. رفع يده، وصاح بصوت مبحوح:
«هناك مخرج!»
ارتد صوته من الجدران العالية ثم مات. لم تبتلعه القاعة كما تبتلع الكهوف الصدى، بل أطفأته، كأن الكلام مادة غير مرغوب فيها.
وصل الرجل إلى العتبة المضيئة. مد يده داخل البياض.
لحظة واحدة بدا فيها كل شيء ممكنًا.
ثم انطفأ جسده.
لم ينفجر، ولم يسقط، ولم يترك دمًا. كان موجودًا، ثم لم يعد. بقي حذاؤه الأيسر فقط خارج العتبة، مقلوبًا على جانبه، كدليل صغير ومهين على أن إنسانًا كاملًا مر من هنا قبل نفس واحد.
لم يفهم أحد ما حدث. أو ربما فهموا، لكن الفهم احتاج وقتًا أطول من الرعب.
على بعد عشرات الخطوات، انفتحت عين كاي ڤيرلين في العتمة الرمادية.
أول ما شعر به لم يكن الخوف، بل البرودة. حجر تحت ظهره. هواء معدني في حلقه. ضوء بعيد لا يليق بمكان كهذا. أصوات بشرية تتكاثر حوله، تصطدم ببعضها بلا معنى؛ امرأة تبكي باسم لا يجيبها، شاب يضرب الجدار بقبضته حتى سال الدم من مفاصله، ورجل ضخم يكرر أن هذا حلم، كأنه يحاول إجبار العالم على الاستيقاظ بدلًا منه.
لم يتحرك كاي سريعًا. بقي على الأرض لحظة أطول مما يسمح به الذعر، ثم وضع كفه على الحجر ورفع نفسه ببطء. لم يسأل أين هو. السؤال كان ترفًا، والترف في الأماكن المغلقة يقتل صاحبه قبل أن يحصل على إجابة.
تأمل السقف فلم يجده. كان هناك ارتفاع لا ينتهي، ظلمة معلقة فوق الأعمدة والجدران، وفراغ يجعل العين تتعب قبل أن تصل إلى حد. القاعة واسعة بما يكفي لتجمع عشرات الغرباء، لكنها ضيقة بطريقة أخرى؛ لا أبواب واضحة، لا نوافذ، لا رائحة تراب أو مطر أو مدينة. كل شيء فيها صُمم كي يقول للإنسان إنه داخل شيء، لا في مكان.
ثم رأى العلامة الأولى.
كانت لطخة رمادية صغيرة فوق رأس رجل قريب، باهتة كرماد بارد. في البداية ظنها انعكاسًا من الضوء، لكنه حين أدار عينه وجد فوق رؤوس الآخرين لطخات مشابهة؛ رمادية، مهتزة، لا تستقر على شكل. لم ينظر إليها أحد. لم يشر إليها أحد. كانت مرئية له وحده، أو هكذا قال صمت الآخرين.
مد كاي أصابعه إلى الأرض ليستند. لمست أطرافه شقًا طويلًا في الحجر، فتوقف.
عرفت يده الشق قبل عينه.
لم تكن معرفة عقلية. لم يتذكر جملة ولا صورة كاملة. فقط انقباض حاد في عضلاته، كأن الجسد وصل إلى أثر جرح قديم. مرّت في رأسه ومضة قصيرة: يد ممدودة في الظلام، أظافر تخدش الحجر، صوت فتاة يقول شيئًا لا يكتمل، ثم ألم في المعصم، أقدم من اللحظة وأقرب منها في الوقت نفسه.
سحب يده بسرعة.
لا اسم. لا أمس. لا ذاكرة تصلح لأن يبني عليها حقيقة. ومع ذلك كان جسده يتصرف كأنه زار هذه القاعة قبل الآن، وكأن الحجر نفسه يعرفه ولا يريد مصافحته.
اهتز الهواء.
خفتت الأصوات البشرية تدريجيًا. لم يسكت الناس طاعة، بل لأن القاعة بدأت تتكلم. جاء الصوت من كل اتجاه، باردًا، مسطحًا، بلا غضب ولا رحمة.
«مرحبًا بكم في قاعة الفرز.»
تجمّد الحشد. عند نهاية القاعة، إلى جوار الضوء الدافئ، انشق الجدار عن ممر آخر. كان ضيقًا، مظلمًا، لا يغري أحدًا بالاقتراب منه. لم يكن ظلامه عميقًا بطريقة مسرحية؛ لم تخرج منه أصوات، ولم تتحرك داخله عيون. كان فقط شقًا صامتًا في جدار ميت.
«أمامكم اختيار واحد.»
بين المخرجين ظهر عدّ صامت على الحجر. ثلاثون. الرقم لم يلمع، بل نُقش في الجدار ثم بدأ يتآكل من أطرافه.
«من يعبر المخرج الصحيح يبقى.»
تسعة وعشرون.
«ومن يخطئ… يُحذف.»
لم يشرح الصوت معنى الحذف. لم يحتج إلى ذلك. الحذاء المقلوب عند عتبة الضوء كان شرحًا كافيًا لمن أراد أن يفهم، وغير كافٍ لمن أراد أن ينجو.
بدأ الناس يتحركون. في البداية تراجعوا عن المخرجين معًا، كأن المسافة وحدها قد تحميهم من الاختيار. ثم قال رجل من الخلف إن الممر المظلم فخ واضح. قالت امرأة إن الضوء، أي ضوء، أفضل من العتمة. لم يكن كلامهما غبيًا. في عالم طبيعي، يذهب الإنسان إلى الضوء. في عالم طبيعي، لا تنطفئ الأجساد عند العتبات.
لكن هذا العالم لم يكن طبيعيًا، وكاي لم ينظر إلى الضوء.
نظر إلى العلامات.
الرجل الذي سبق الآخرين نحو البياض كانت علامته رمادية وهو بعيد. عندما اقترب خمس خطوات من العتبة، خفقت العلامة مرة بلون أحمر باهت. تقدم خطوتين أخريين، فاشتد الأحمر، لا كأن شيئًا فوق رأسه قرر موته، بل كأن المسافة نفسها غيرت النتيجة. امرأة خلفه جرى لها الشيء نفسه. شاب تردد قرب الممر المظلم بقيت علامته رمادية. طفل يبكي قرب الجدار لم يتغير شيء فوقه.
ليست العلامة على الشخص، فكر كاي. أو ليست عليه وحده.
إنها على الاختيار.
عند الرقم تسعة عشر، عبر أول رجل الضوء.
لجزء صغير من الثانية بدا أنه نجح. اختفى داخل البياض، وأطلق بعض الناس شهقة ارتياح لم تكتمل.
ثم سقطت علامته الحمراء وحدها من الهواء، مثل قطرة نار منطفئة، وتلاشت قبل أن تلمس الحجر. على الجدار المجاور تمدد ظل الرجل بلا جسد، ارتجف، ثم مُحي كما تُمحى بقعة بخار عن مرآة.
تأخر الصراخ، ثم جاء دفعة واحدة.
اندفع ثلاثة آخرون نحو الضوء، لا لأنهم آمنوا به، بل لأن الذعر يدفع صاحبه إلى الشيء الذي يعرف اسمه. الضوء له اسم. الظلام ليس له اسم. عبروا، فسقطت ثلاث علامات حمراء، وثلاثة ظلال، وثلاثة فراغات نظيفة.
هذا ليس مخرجًا.
التفت كاي إلى الممر المظلم. لم تكن فوقه علامة حمراء. كان هناك خيط أزرق رفيع، بالكاد مرئي، ممتدًا عند حافة الشق كعرق ماء تحت حجر. لم يلوح لأحد. لم يدعُ أحدًا. لم يحاول أن يبدو آمنًا.
الصادق لا يحتاج أن يقنعك.
تحرك كاي نحوه.
كان العد قد وصل إلى اثني عشر عندما رأى الفتاة. لم تكن تقف ساكنة كالبقية. كانت تشد كمّ صبي أصغر منها، ربما أخاها، ربما قريبًا لا اسم له في رأس كاي. الصبي كان يندفع مع موجة الناس نحو الضوء، وهي تحاول إعادته، لا لأنها فهمت الخدعة، بل لأنها رفضت أن يسبقها طفل إلى مكان مجهول.
«انتظر!» صرخت. «لا تدخل وحدك!»
انفلت الصبي من يدها عند العتبة. ابتلعه الضوء. سقطت علامته، ثم لم يبق منه شيء.
توقفت الفتاة في المنتصف.
لم تصرخ. فمها كان مفتوحًا، لكن الصوت لم يخرج. كانت تنظر إلى المكان الذي اختفى فيه الصبي كما لو أن العين تستطيع إعادة ما حُذف إن رفضت أن ترمش.
فوق رأسها بقيت العلامة رمادية، ثم خفقت بالأحمر عندما خطت، بلا وعي، نحو الضوء.
سبعة.
كان الطريق الأزرق أمام كاي. خمس خطوات، وربما ينجو. الفتاة خلفه ليست مسؤوليته. لم يعرف اسمها. لم يقتل الصبي. لم يضع القاعدة. الناجون في الأماكن كهذه هم الذين يعرفون أين تنتهي مسؤوليتهم.
ستة.
تحركت يده اليمنى من تلقاء نفسها، ثم تشنجت.
ومضة: اليد نفسها مغطاة بالدم، ممدودة نحو شخص لا يلحق به. صوت فتاة، ليس صوت التي أمامه بالضرورة، يقول من عمق ذاكرة ممزقة: لا تتركني.
خمسة.
دار كاي بعنف. عبر المسافة بينهما باندفاع كسر هدوءه. أمسك معصم الفتاة وسحبها بعيدًا عن الضوء.
قاومت لحظة، لا لأنها أرادت الموت، بل لأنها لم تقبل أن يكون الصبي قد انتهى بهذه النظافة القاسية.
«اتركني! هو هناك!»
قال كاي، وصوته خرج أخشن مما توقع: «هو لم يعد هناك.»
الجملة ضربتها أقوى من السحب. ترنحت ركبتاها، لكنه لم يسمح لها بالسقوط. جرّها نحو الممر المظلم.
«لو أردتِ البكاء، ابكي بعد العتبة.»
ثلاثة.
عندها تحرك الضوء.
لم يتسع فقط، بل تمدد مثل شيء أدرك أن فريسته غيرت رأيها. خرجت من البياض خيوط حادة، رفيعة، لا تبحث عن الجسد كله، بل عن آخر أثر للشخص الذي كاد يختار الخطأ. دفع كاي الفتاة داخل الظلام أولًا. عبرت العتبة وهي تتعثر، ثم لحق بها.
الخيط الأبيض لامس معصمه اليمنى.
لم يكن الألم كضربة. كان كحكم.
انكسر العظم بصوت قصير.
سقط كاي والفتاة داخل الممر المظلم. انقطع الصوت خلفهما فجأة، كأن القاعة أغلقت فمها. لا صراخ، لا عدّ، لا ضوء. فقط نفساهما المتقطعان وحجر بارد يضغط على كتفيه.
استند كاي إلى الجدار. معصمه الأيمن تدلى بزاوية خاطئة، والألم صعد من يده إلى أسنانه. لم يصرخ. لم يكن ذلك شجاعة. أحيانًا يكون الألم حادًا لدرجة يصبح الصوت أبطأ منه.
جلست الفتاة أمامه، شعرها ملتصق بوجهها، عيناها معلقتان بيده المكسورة. كان في نظرتها شيء غير الامتنان؛ صدمة، غضب، وربما إهانة النجاة عندما تأتي من شخص غريب وتترك شخصًا آخر خلفها.
«كيف عرفت؟» سألت.
نظر كاي إلى نهاية الممر. الظلام هناك لم يكن أهدأ، لكنه كان أقل كذبًا.
«لاحظت.»
«لاحظت ماذا؟»
رفع عينه قليلًا إلى الفراغ فوق رأسها. لم تكن هناك علامة الآن. كأن عبور العتبة أغلق الحكم مؤقتًا.
قال: «أشياء لا يراها غيري.»
لم يبدُ الاعتراف مريحًا. خرج كجملة ناقصة، مثل حجر أُلقي في بئر لا يريد صاحبه سماع عمقه.
حاولت الفتاة الوقوف، ثم توقفت عندما رأت كاي ينظر أمامه. لم يكن هناك أحد في الممر. ومع ذلك تغيّر وجهه.
جاء الصوت.
لم يأت من الجدران ولا من خلفهما. كان قريبًا جدًا، كأنه خرج من ذاكرته قبل أذنه.
«أخيرًا اخترتَها هذه المرة.»
تجمد كاي.
سألت الفتاة بصوت منخفض: «من قال ذلك؟»
لم يجب. لأنها ربما سمعت صدى مختلفًا، أو سمعت خوفها وحده. الصوت الذي وصل إليه كان يعرف موضع الجرح قبل أن يرى الدم.
«لا تتظاهر أنك لا تعرف الطريق.»
فوق رأس كاي، حيث لم تكن هناك أي علامة منذ استيقاظه، تولدت لطخة حمراء صغيرة. لم تكن مثل علامات الآخرين. كانت أعمق، أثقل، كأنها ليست إنذارًا من موت قريب، بل حكم قديم عاد إلى مكانه.
«في المرة الماضية… تركتها تموت.»
للمرة الأولى منذ فتح عينه في القاعة، لم يبدُ كاي هادئًا. بدا كأن شيئًا داخله سقط في موضع كان ينتظره.
لم يكن المكان يختبره.
كان يتذكره.