23 - الرجل ذو الشريط الأسود

كان الطريق إلى مفصل السوق الشرقي أضيق من أن يُسمى طريقًا، وأوسع من أن يكون نفقًا.

امتد بين صفين من الأعمدة التي تحمل سوق الزجاج كما تحمل الذاكرة جملة لا تريد تذكرها. في كل عمود ثقوب صغيرة تخرج منها أنفاس باردة، وفي كل نفس همس لا يكتمل. أسماء لم تصعد، عقود لم تُوقّع، ووعود قيلت في الأسفل ولم يسمعها أحد في الأعلى.

كانت المرأة المسنة تسير أمامهم، والمفتاح النحاسي في يدها يلمس الجدران كل بضع خطوات.

قالت ميرا: «لم تخبرينا اسمك.»

قالت المرأة دون أن تلتفت: «لأنك لم تحتاجيه بعد.»

قالت ميرا: «قد أحتاج أن أناديك إذا انهار السقف.»

«ناديني: يا من تعرف الطريق.»

دارّاك تمتم: «أكره الناس الذين يربحون الحوار دون أن يحاولوا.»

قالت المرأة: «وأنا أكره الناس الذين يضحكون كي لا يعترفوا أنهم يعرفون أكثر مما يقولون.»

سكت دارّاك مرة أخرى.

كاي لاحظ ذلك. قبل فقدان الذكرى، ربما كان سيعرف لماذا تصيب هذه الجملة دارّاك. الآن لم يملك إلا النتيجة دون السبب. كان هذا أسوأ من فقدان معلومة. فقدان السبب يحول القرب إلى شكل بلا وزن.

اقتربت منه ليان قليلًا. «لا تراقبه كملف.»

قال كاي بخفوت: «أنا أحاول أن أفهم ما فقدته.»

«افهمه منه، لا عنه.»

كان الرد بسيطًا وقاسيًا في آن. كاي نظر إلى دارّاك. الرجل كان يمشي منحنيًا قليلًا بسبب الجرح، لكنه رفض مساعدة جاريك مرتين. كلما أضاءت علامة زرقاء على الجدار، نظر إليها قبل الآخرين بجزء من الثانية، كأنه يعرف أين تظهر العقود قبل أن تظهر.

قال كاي: «دارّاك.»

«إذا كنت ستعتذر مرة أخرى، فاجعل الاعتذار قابلًا للبيع. قد أحتاجه قريبًا.»

«ماذا أعطيتني أول مرة؟»

توقف دارّاك.

توقف الجميع تقريبًا، لكن ميرا أجبرتهم على متابعة السير بإشارة حادة. لا وقت للتجمد في ممر يتعلم الانهيار.

قال دارّاك بعد لحظة: «سؤال غريب.»

قال كاي: «الصورة ظهرت واختفت. أنت تمد لي شيئًا في ممر. لا أعرف ما هو.»

لم يجب دارّاك فورًا. ظل يمشي، وعيناه على الأرض.

قال أخيرًا: «أعطيتك كذبة.»

قال كاي: «ماذا؟»

«أول مرة وثقت بي فيها، لم أعطك دليلًا ولا سلاحًا ولا سرًا نبيلًا. أعطيتك كذبة جيدة بما يكفي لتعيش ليلة أخرى.» ابتسم ابتسامة قصيرة. «كنت تحتاج إلى اسم مؤقت كي تعبر بوابة فحص، وأنا كنت أملك اسم رجل ميت لم يطالب به أحد بعد.»

قالت سيرا من الخلف: «هذا جرم أرشيفي.»

قال دارّاك: «أنا أيضًا اشتقت إليكِ.»

كاي حاول أن يمسك بالمشهد. ممر ضيق. بوابة فحص. اسم رجل ميت. دارّاك يمد ورقة أو شريحة أو شيئًا آخر. لكن الذاكرة لم تعد. فقط ظلها.

قال: «ولماذا جعلني ذلك أثق بك؟»

ضحك دارّاك، لكن الضحكة هذه المرة خرجت مكسورة. «لأنه لم يكن اسمًا صالحًا. لو استخدمته كما هو، كنت ستُعتقل فورًا. وضعت فيه خطأ صغيرًا متعمدًا. الخطأ كان يقول لك: هذا فخ لو أردت بيعه، وباب لو فهمته.»

قال كاي: «وأنا فهمت؟»

«لا. كدت تضربني.»

لأول مرة منذ الهبوط، ابتسم إيرن رغم خوفه. حتى ميرا أخرجت نفسًا قصيرًا يشبه الضحك. كاي لم يضحك، لكنه شعر بشيء يتحرك في صدره. ليس ذكرى، بل إمكانية ثقة جديدة. ربما العلاقات لا تعيش فقط بما نتذكره منها. ربما تعيش أيضًا بما نختار أن نعيد بناءه بعد الفقد.

ثم انفتحت الجدران حولهم.

لم تتحرك ماديًا. ظهرت عليها صورة ممر آخر، فوق الممر الحالي، كأن المكان يعرض تسجيلًا قديمًا على جلده. رأى كاي نفسه أصغر أو أقل انكسارًا، يقف أمام رجل بشريط أسود يغطي عينه. كان الرجل يمد له مفتاحًا أبيض صغيرًا.

قالت ليان: «كاي؟»

لكن الصوت حوله تغير.

وجد نفسه داخل التسجيل.

الجدار صار واقعًا باردًا. الممر صار أطول. أمامه الرجل ذو الشريط الأسود، لا النسخة الرمادية بلا شريط، بل الوجه الذي تذكره من قبل. كان يحمل في يده ملفًا رقيقًا عليه رقم سبعة مشطوب ست مرات.

قال الرجل: «كل نسخة قبلك اختارت الصعود في النهاية.»

سمع كاي صوته القديم، أو صوت نسخة منه: «وأنت؟»

قال الرجل: «أنا كنت قبل الاختيار.»

«هذا لا يعني شيئًا.»

«كان يعني كل شيء قبل أن يخترعوا الدرج.»

المشهد ارتجف. رأى غرفة بيضاء، سبعة أسرّة، ستة أجساد بلا وجوه واضحة، وامرأة تقف خلف زجاج لا يعكس صورتها. إيرا؟ لا. أثرها؟ ربما. على الجدار جملة:

إجراء الاسترجاع الأول: فشل بسبب شاهد غير مرقم.

الرجل ذو الشريط الأسود وقف بجانب الجملة. في يده مفتاح أسود لم يكن يحمل صفرًا بعد. قال لشخص خارج الرؤية: «إذا جعلتموه يصعد، سيحاول إنقاذ السلم. إذا جعلتموه ينزل، سيحاول إنقاذ من تحته. دعوه بلا اتجاه.»

صوت آخر، بارد ومألوف بطريقة لم يعرف كاي مصدرها، قال: «الشاهد غير المرقم لا يصلح للبقاء.»

قال الرجل: «إذن اكتبوني صفرًا.»

تصدع المشهد.

عاد كاي إلى الممر وهو يلهث.

ليان كانت تمسك كتفه بقوة. «ماذا رأيت؟»

قبل أن يجيب، أضاءت كل الأعمدة حولهم باللون الأزرق القديم. هذه المرة لم تظهر كتابة على لوح واحد، بل على الهواء نفسه:

فتح أرشيف سابق للنسخة السابعة.

الطرف: كاي ڤيرلين قبل التصنيف.

الشاهد: غير مرقم.

الحالة: باطل بأثر رجعي.

قالت سيرا بصوت مرتجف: «هذا مستحيل. لا يمكن أن يوجد عقد قبل التصنيف.»

قالت المرأة المسنة: «كل نظام يكذب أكثر عند الحديث عن بدايته.»

دارّاك اقترب من كاي. «ما الذي يعنيه هذا؟»

كاي نظر إلى يده. الخط السابع كان هادئًا بشكل مخيف.

قال: «الصفر كان شاهدًا على أول محاولة استرجاع. لم يكن حاملًا مثلي. كان الشخص الذي جعلهم يفشلون.»

قالت ليان: «ثم حولوه إلى رقم.»

قالت المرأة: «أو اختار الرقم كي لا يستطيعوا تحويله إلى درجة.»

من نهاية الممر، جاء صوت التصفيق.

بطيء. مهذب. قاسٍ.

ظهر حامل الرقم صفر عند مفصل السوق الشرقي، وكأنه سبقهم دون أن يسير. الضوء الأزرق القديم مرّ خلال جسده لحظة، ثم استقر حوله كاعتراف متأخر.

قال: «تقترب من الفهم.»

رفعت ميرا سلاحها. «خطوة أخرى وأجرب إن كان الصفر ينزف.»

نظر إليها بلا اهتمام. «الجميع ينزف. السؤال: هل يتوقف العالم عندما يفعلون؟»

قال كاي: «كنت شاهدًا.»

قال الرجل: «كنت خطأً في أول عقد. ثم أصبحت حلًا في آخره.»

«لذلك تريد كسر السلم من الأسفل؟»

ابتسم حامل الصفر. «لا. أريد أن أمنع السلم من استخدام الأسفل كعذر للبقاء. أنتم جميعًا تتكلمون عن إنقاذ من تحته. لكن كل عملية إنقاذ تبقي الدرجة فوقهم سليمة. كل مرة تمسك يد طفل كي لا يسقط، تنسى أن تسأل لماذا كان واقفًا على حافة ليست له.»

قالت ليان: «فتسقط الحافة بالطفل؟»

للمرة الأولى، تحرك شيء في وجهه. ليس ندمًا. ألم قديم تكلّس حتى صار عقيدة.

قال: «الألم الذي لا ينهي النظام يتحول إلى غذاء له.»

قال إيرن بغضب مفاجئ: «أنا مش غذاء لحد.»

نظر إليه حامل الصفر. «لهذا اخترتك.»

رفع المفتاح الأسود.

لم يهاجم. فتح.

ظهر أمامهم عقد قديم، لا ورقة ولا ضوء فقط، بل باب رفيع من كلمات متراصة. في أعلى العقد اسم:

كاي ڤيرلين

لكن الخط الذي تحته لم يكن السابع. لم يكن أي خط يعرفه.

قبل النسخة الأولى.

شعر كاي أن الهواء خرج من صدره. ليان تشبثت بذراعه. سيرا تراجعت وهي تهمس: «لا يوجد قبل النسخة الأولى.»

قال حامل الصفر: «يوجد دائمًا ما قبل الكذب الأول.»

دارّاك، رغم جرحه، وقف بين كاي والعقد. «لا.»

قال حامل الصفر: «ما زلت تحاول أن تثبت علاقة لم يعد يتذكر أصلها.»

قال دارّاك: «لحسن الحظ، أنا معتاد أن أكون مزعجًا بلا سبب موثق.»

تحرك العقد.

لم يندفع نحو كاي. اندفع نحو دارّاك.

في اللحظة نفسها، فهم كاي الخطة. الصفر لا يريد فتح ماضي كاي فقط. يريد استخدام ثغرة الثقة المفقودة ليجعل أول شخص حماه بكذبة صالحة للشراء، ثم يمر عبره إلى العقد الأقدم. إذا سقط دارّاك قانونيًا، يصير الطريق إلى ما قبل النسخة الأولى مفتوحًا.

الخط السابع اشتعل.

قالت ليان: «كاي—»

قال: «لن أقطع دارّاك.»

قال حامل الصفر بهدوء: «ليس عليك. العقد سيفعل.»

امتدت الكلمات الزرقاء نحو دارّاك كأصابع. لم تتحرك ميرا في الوقت المناسب. لم تنفع سيرا وهي تبحث عن ختم مضاد. إيرن صرخ. سليم حاول النهوض وفشل.

كاي تقدم خطوة.

لم يستخدم الخط كالسابق. لم يبحث عن عقد ليقطعه. رفع يده بين دارّاك والكلمات، وقال بصوت مسموع:

«لا أتذكر لماذا وثقت به أول مرة.»

توقفت الكلمات لحظة.

قال كاي: «لكنني أختار أن أثق به الآن.»

دارّاك أغلق عينيه كأن الجملة آلمته أكثر من العقد.

الخط السابع خرج من يد كاي كخيط رفيع، لا يقطع الماضي ولا يصنع ذكرى مزيفة. فقط كتب على الهواء جملة جديدة بجانب القديمة:

الثقة ليست أصلًا واحدًا قابلًا للمصادرة.

العقد الأزرق احترق من طرفه.

لكن الثمن لم يتأخر.

كاي فقد صوتًا.

ليس صوتًا حاضرًا. ذكرى صوت. امرأة تقول له اسمه بنبرة لم تكن أمرًا ولا استدعاء. ربما أمه. ربما إيرا قبل أن تصير إيرا. ربما لا شيء مما يستطيع تسميته الآن. اختفت النبرة، وبقي مكانها صمت ناعم لا يعرف صاحبه.

تراجع كاي، فأسنده دارّاك.

هذه المرة لم يسأل علامَ يعتذر.

حامل الصفر نظر إلى الجملة الجديدة، ثم إلى كاي. لم يكن غاضبًا. وهذا أخاف كاي أكثر.

قال: «جيد. أنت لا تبني سلمًا.»

خفض المفتاح الأسود نحو مفصل السوق الشرقي.

«أنت تبني حجر أساس.»

انشق المفصل تحت أقدامهم.

ومن الشق، ظهر ضوء ليس أزرق ولا رماديًا ولا أسود.

كان لونًا بلا اسم، محفورًا تحت فاليس، ومعه ارتفعت رائحة ماء قديم وحجر لم يرَ السماء قط.

قالت المرأة المسنة، لأول مرة بصوت مكسور:

«القبو الأول.»

حامل الصفر ابتسم.

«فلنرَ إن كانت أسماؤكم تستطيع الوقوف حيث لم تُخترع الدرجات بعد.»

[نهاية الفصل الثالث والعشرين]

2026/06/09 · 173 مشاهدة · 1432 كلمة
Oddine Ee
نادي الروايات - 2026