بقيت الجملة في الممر بعد أن اختفى الصوت. لم يكن لها صدى، لكنها لم تحتج إليه. بعض الكلمات لا تعود من الجدار لأنها تلتصق مباشرة بالعظم.

في المرة الماضية… تركتها تموت.

شدّ كاي أسنانه حتى شعر بطعم معدني في فمه. حاول أن ينظر فوق رأسه مرة أخرى، لكن العلامة الحمراء تلاشت قبل أن تثبت شكلها، تاركة خلفها صداعًا رقيقًا عند قاعدة الجمجمة. كان الصداع مختلفًا عن ألم المعصم. المعصم يقول إن شيئًا في الجسد انكسر. الصداع يقول إن شيئًا في الداخل فُتح دون إذن.

«أنت سمعت الصوت؟» سألته الفتاة.

كانت واقفة الآن، أو تحاول أن تقف. ظهرها إلى الجدار، ويداها ترتجفان قرب صدرها. على وجهها غبار أبيض من القاعة، وفي عينيها فراغ الشخص الذي خرج من كارثة قبل أن يسمح لنفسه بفهمها.

لم يقل كاي نعم. لم يقل لا. تأخره كان جوابًا كافيًا.

قالت: «قال شيئًا عن أخي؟»

أخي. إذًا كان الصبي أخاها.

لم يرد كاي فورًا. كان يستطيع أن يكذب بسهولة. ليس لأن الكذب عادته، بل لأن الحقيقة هنا لا تنفع أحدًا. الصوت لم يذكر الصبي. لم يهتم به. القاعة حذفت العشرات بلا أسماء، ثم اختارت أن تهمس في أذن كاي عن فتاة واحدة. هذا وحده كان قاسيًا بما يكفي.

«لا.»

تغير وجهها. ليس إلى الراحة، بل إلى شيء أقرب إلى الغضب.

«إذًا لماذا أنقذتني أنا؟»

كان السؤال سكينًا صغيرًا؛ ليس لأنه اتهمه، بل لأنه كان منطقيًا. لو كانت العلامات قادرة على تحذيره، فلماذا لم يحذر الصبي؟ لو كان يستطيع أن يلاحظ، فلماذا تأخر؟ ولو كان إنقاذه قرارًا شجاعًا، فلماذا جاء بعد موت طفل؟

نظر كاي إلى معصمه. الجلد لم يتمزق، لكن الانتفاخ بدأ يتكون بسرعة قبيحة. كل نبضة قلب كانت تدفع الألم إلى الأصابع. احتاج إلى تثبيت الكسر قبل أن يتحول كل استعمال ليده إلى عذاب غير قابل للسيطرة.

قال: «لأنك كنتِ ما زلتِ في الرمادي.»

حدقت فيه.

«ما معنى ذلك؟»

«معناه أن موتك لم يكن قد أصبح قرارًا نهائيًا.»

خرجت الجملة أبرد مما أراد. رأى أثرها عليها؛ كأنها سمعت منه أن أخاها صار نهائيًا في اللحظة التي عجزت يدها عن الإمساك به.

«اسمي ليان.»

لم تكن تقدمة تعارف. كانت احتجاجًا ضد أن يتحولوا إلى علامات وألوان. قالت اسمها كمن يغرس وتدًا في أرض تنهار.

أومأ كاي ببطء. «كاي.»

«كاي ماذا؟»

فتح فمه، ثم أدرك أن الفراغ في ذاكرته ليس حول القاعة فقط. كان يعرف اسمه كما يعرف المرء شكل يده. أما ما بعده فغائم. لم يكن نسيانًا كاملًا؛ كان هناك لقب في مكان ما، باردًا وحادًا، لكنه لم يرد أن يخرجه أمامها قبل أن يفهم لماذا بدا الصوت كأنه يعرفه أكثر مما يعرف نفسه.

قال: «كاي فقط الآن.»

ضحكت ليان مرة واحدة، ضحكة صغيرة بلا فرح. «حتى اسمك ناقص.»

لم يغضب. كان ذلك أدق وصف لحاله.

تراجع الممر خلفهما فجأة. لم يتحركا، لكن الجدران بدت كأنها تنزلق ببطء، تغلق الطريق العائد إلى القاعة. من الشقوق بين الأحجار خرج غبار رمادي، وفي الهواء أمامهما بدأت خطوط باهتة تتجمع.

ظهرت كلمات.

لم تكن مكتوبة على جدار ولا معلقة في نافذة زجاجية. كانت محفورة في الهواء، بسيطة إلى درجة مخيفة.

تم تسجيل النجاة من قاعة الفرز. الحالة: عبور غير نظيف. إصابة مثبتة: كسر في المعصم الأيمن. تعويض النجاة: صفر.

قرأتها ليان بصوت متقطع، ثم نظرت إليه.

«هل تراها؟»

«نعم.»

كانت هذه أول علامة على أن بعض الأشياء هنا لا تخصه وحده. العلامات فوق الرؤوس له، أما هذه الرسائل فللناجين جميعًا.

اهتزت الكلمات ثم تغيرت.

اختبار انتقال: الصعود إلى الطابق الأعلى. الوقت المتاح: ستون دقيقة. الشرط: وصول ناجيين اثنين على الأقل. الفشل: حذف المتأخرين.

تحتها ظهر عد جديد. ستّون دقيقة، ثم بدأ ينقص.

قالت ليان: «ناجيين اثنين على الأقل…»

فهمت ما تعنيه. لو بقي أحدهما، فلن يكفي. هذه المرة لم يكن المطلوب أن ينجو كاي وحده، ولا أن يجرها وراءه كدين أخلاقي. النظام، أو القاعة، أو الشيء الذي يديرهما، قرر أن يجعل وجودها شرطًا عمليًا لبقائه أيضًا.

ابتسم كاي ابتسامة قصيرة بلا دفء. «ذكي.»

«من؟»

«من صمم هذا.»

كان الممر يمتد أمامهما ثم ينقسم بعد مسافة إلى ثلاثة أبواب حجرية. فوق كل باب علامة باهتة لا تشبه علامات البشر. الأول رمادي واسع، كأن لونه دخان مستقر. الثاني أحمر خفيف على الأطراف. الثالث بلا لون واضح، لكن عند حافته خيط أزرق رفيع، ضعيف إلى درجة أن كاي احتاج أن يرمش مرتين ليتأكد أنه ليس أثر الصداع.

قبل أن يتحرك، عاد الألم في معصمه بعنف.

سقطت ركبته للحظة.

«يدك.» اقتربت ليان، ثم توقفت. كان واضحًا أنها لا تعرف هل يحق لها مساعدته أم لكمه لأنه لم ينقذ أخاها.

قال كاي: «أحتاج أن أثبتها.»

«بماذا؟»

نظر حوله. الممر عارٍ تقريبًا. لا حبال، لا قماش زائد، لا خشب. فقط حجر، غبار، وبقايا معدنية صدئة قرب الجدار، كأن شيئًا قديمًا كان مثبتًا هنا ونُزع. تقدم إليها، فاهتزت فوق المعدن علامة رمادية، ثم ومضة زرقاء صغيرة.

انحنى بصعوبة والتقط قطعة معدنية طويلة، مسطحة، ليست سلاحًا لكنها صلبة بما يكفي لتكون جبيرة. خلع حزامه بيده اليسرى، وكل حركة سحبت خطًا من الألم من كتفه إلى عينه.

راقبته ليان في صمت للحظات، ثم مدت يدها.

«لن تستطيع وحدك.»

لم يقل شكرًا. كان الشكر في هذه اللحظة كلمة رخوة أكثر مما ينبغي. أعطاها طرف الحزام. أمسكت معصمه بحذر، لكنه حين لامست أصابعها موضع الكسر ارتجف رغمًا عنه.

«آسفة.»

«شدي.»

«سأؤلمك.»

«هو يؤلمني بالفعل.»

شدت الحزام حول القطعة المعدنية والمعصم. لم يكن تثبيتًا طبيًا جيدًا، لكنه منع العظم من الرقص مع كل خطوة. أغمض كاي عينه للحظة. في الظلام خلف الجفن رأى الضوء مرة أخرى، والصبي وهو يختفي، واليد التي لم تلحق بشخص في زمن لا يتذكره.

عندما فتح عينه، كانت ليان تنظر إليه بحدة.

«أنت لم تجبني.»

«عن ماذا؟»

«عن أخي. هل رأيت فوقه شيئًا؟»

الصمت هنا سيكون كذبًا أسوأ من الكلام.

قال: «نعم.»

تصلبت.

«ورأيت أنه سيموت؟»

«رأيت الخطر متأخرًا.»

«متأخرًا لأنك لم تفهم؟ أم لأنك كنت تنقذ نفسك؟»

لم يملك إجابة تبرئه. الحقيقة أن الاثنين لم يكونا منفصلين. كان يفهم وهو يتحرك. وكان يتحرك نحو نجاته قبل أن يعود إليها. لو سأله الصوت، سيقول ربما إنه عاد. لو سألته ليان، فالعودة المتأخرة لا تعيد أخاها.

قال: «لأنني لم أكن سريعًا بما يكفي.»

لم تسامحه. وهذا، بطريقة ما، كان أفضل من امتنان زائف.

مشت نحو الأبواب الثلاثة. «إذًا كن سريعًا الآن.»

تقدم كاي خلفها. كل باب بدا كإجابة مختلفة للسؤال نفسه. الباب الرمادي واسع وسهل الفتح على الأرجح. الأحمر واضح الخطر، وربما هو الفخ الظاهر الذي يُراد لهم أن يتجنبوه. الأزرق خافت، في الباب الثالث، لكنه لم يمنحه راحة. تذكر القاعدة التي لم يقلها أحد له، ومع ذلك شعر كأنها محفورة في مكان ما من ذاكرته: الأزرق لا يعني السلامة. الأزرق يعني الفائدة.

قالت ليان: «أي باب؟»

رفع كاي عينه، فاشتد الصداع. العلامة الزرقاء عند الباب الثالث لمعت لحظة، ثم انكسرت حولها شظية ذهبية صغيرة، واختفت.

كان هناك شيء مفيد خلفه. شيء غالي. وهذا جعل الباب أخطر لا أكثر أمانًا.

قال: «الثالث.»

نظرت إليه كما ينظر إنسان إلى من يقترح السير داخل بئر. «المظلم مرة أخرى؟»

«هذه المرة ليس لأنه آمن.»

«إذًا لماذا؟»

وضع كاي يده اليسرى على الحجر ودفع. انفتح الباب الثالث ببطء، وخرجت منه رائحة رطوبة وشيء يشبه الحديد القديم.

قال: «لأننا سنحتاج ما خلفه.»

في الداخل، كان السلم إلى الطابق الأعلى مكسورًا من المنتصف.

وتحت الجزء المكسور، شيء يتحرك في الظلام.

2026/06/08 · 195 مشاهدة · 1135 كلمة
Oddine Ee
نادي الروايات - 2026