العيون لم تهاجم فورًا.

وهذا كان أسوأ.

الوحش الذي يندفع يمنحك اتجاهًا. أما ما يراقبك من كل جانب فيجعل جسدك يوزع خوفه بالتساوي، حتى لا يبقى فيك موضع يعرف كيف يتحرك.

كان الصبي واقفًا وسط الغرفة، ويداه مرفوعتان قليلًا كأنه يخاف أن تُحسب عليه أي حركة. العلامة السوداء فوق رأسه لم تعد دائرة. صارت خطًا رأسيًا قصيرًا، مثل شق في هواء مظلم. حوله، الشظايا الرمادية التي اقتلعوها بدأت ترتجف داخل الأغلفة الحجرية، لا بقوة، بل بما يكفي ليبدو أنها تتنفس.

قالت ميرا بصوت منخفض: «لا أحد يركض.»

قال الرجل العريض: «فكرة سيئة أن نقف أيضًا.»

ردت: «كل الأفكار سيئة هنا. نختار الأقل موتًا.»

كان كاي يحاول قراءة العيون. لم تكن لها علامات. لا فوقها ولا حولها. كأن القناة ترفض أن تدخل ضمن نظامه. رأى فوق ميرا رماديًا مائلًا إلى الأزرق، وفوق الرجل العريض حافة حمراء مستعدة للاشتعال، وفوق ليان لا شيء. أما الصبي، فالسواد فوقه صار أوضح من أي علامة رآها منذ دخل فاليس.

لو اتبع القراءة وحدها، لكان الصبي هو الخطر.

لكن الصبي كان يرتجف بطريقة لا يفتعلها أحد. عيناه تتنقلان بين الوجوه كمن ينتظر حكمًا من محكمة لم يفهم تهمتها.

قال كاي: «ما اسمك؟»

نظر إليه الصبي كأنه لم يتوقع أن يسأله أحد عن شيء عادي.

«إيرن.»

قال كاي: «إيرن، هل سمعت الصوت قبل الآن؟»

هز رأسه بسرعة. «لا.»

«هل لمست شيئًا غير الشظايا؟»

«لم ألمسها أصلًا. كنت أحمل الرجل المصاب.»

كان الرجل المصاب يتنفس بصعوبة قرب الجدار. كتفه ملتوي، ووجهه أبيض تحت طبقة الغبار. فوقه علامة رمادية ميتة تقريبًا. لم يكن يملك وقتًا طويلًا قبل أن يتحول الألم إلى صدمة.

قالت ليان: «الصوت قال أعيدوه. ربما يقصد الرجل المصاب؟»

قالت ميرا: «أو يقصد واحدًا منا. القنوات تحب الكلام غير المكتمل.»

تحركت إحدى العيون على الجدار. لم تكن عينًا كاملة، بل نقطة بيضاء داخل سائل أسود. انزلقت فوق الحجر، ثم توقفت قرب الشظية السوداء الأولى.

قال كاي: «الشظايا السوداء. ربما أخذ أحد شيئًا منها.»

قال الرجل العريض ببرود: «فتشونا إذًا.»

في اللحظة نفسها، لمح كاي حركة صغيرة عند حزامه.

لم تكن من أحد المجموعة.

كانت من كيس جلدي صغير مربوط داخل عباءة إيرن. انتفخ الكيس وانخفض كصدر. لم يكن كاي قد لاحظه قبلًا، وربما لم يلاحظه إيرن نفسه. لكن العلامة السوداء فوق رأس الصبي ارتجفت مع كل نبضة منه.

قال كاي: «الكيس.»

تراجع إيرن وهو يمسك بعباءته. «ماذا؟»

«افتحه.»

قال الصبي: «لا.»

صارت العيون أكثر بياضًا.

قالت ميرا: «افتح الكيس يا ولد.»

«ليس لي.»

صمتت الغرفة لحظة.

قالت ليان: «لمن؟»

ابتلع إيرن ريقه. «أختي. أعطتني إياه قبل أن ندخل القاعة. قالت لا أفتحه إلا إذا وصلت لمكان أقدر أبيع فيه.»

قال الرجل العريض: «وماذا داخله؟»

لم يجب.

فهم كاي قبل أن يقولها. أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى رؤية علامة كي يعرف شكل الخطيئة الصغيرة.

قال كاي: «ركاز؟»

اهتزت شفتا إيرن. «شظية صغيرة. وجدتها في قاعة الفرز. لم نعرف أنها... لم نعرف أنها ممنوعة.»

قالت ميرا: «كل ما تجدونه هناك ممنوع حتى يقرر مكتب ما أنه ملك له.»

زحف السواد على الأرض نصف خطوة.

قال الصوت مرة أخرى: «أعيدوه.»

كان أكثر قربًا هذه المرة.

لم يكن يريد الشظايا الجديدة. كان يريد ما دخل معهم من خارج القناة؛ شيئًا مسروقًا من مكان آخر، يحمل رائحة خطأ لم يُغلق.

مد كاي يده اليسرى. «أعطني الكيس.»

هز إيرن رأسه. «لو خسرته، لن أملك شيئًا. أختي دخلت مسارًا ثانيًا. قالت إننا سنلتقي في المحور. لو رجعت بلا شيء...»

لم يكمل.

لم يكن يحتاج. كل من في الغرفة عرف معنى الرجوع بلا شيء.

قالت ليان بهدوء لم يكن لينًا: «لو احتفظت به، لن ترجع أصلًا.»

نظر إيرن إليها، ثم إلى كاي. كان يبحث عن كذبة رحيمة. لم يجد.

فتح الكيس بيدين مرتجفتين.

خرج منه ضوء أسود صغير.

الشظية داخل الكيس كانت بحجم نصف ظفر، لكنها حملت في قلبها خطًا أبيض رفيعًا، يشبه جرحًا لم يلتئم. عندما رآها كاي، انكمشت معدته. لم يعرفها، لكنه شعر أنه يعرف النوع. ليس ركازًا خامًا فقط. أثر ذاكرة. شيء يحتفظ بما حدث حوله.

ظهر أمامه نص متقطع:

شظية ذاكرة تالفة.

المصدر: قاعة فرز غير مسجلة.

المالك القانوني: غير متاح.

تحذير: الاسترجاع قد يفتح أثرًا سابقًا.

أثرًا سابقًا.

حاول ألا يلتفت إلى ليان. فشل.

كانت تنظر إلى الشظية، لا تفهم النص الذي يراه، لكنها فهمت تغير وجهه.

قالت: «ما هي؟»

قال كاي: «ذاكرة.»

قالت ميرا: «الذكريات لا تباع بثمن جيد إلا إذا كانت تخص شخصًا مات بطريقة مفيدة.»

لم يكن في صوتها سخرية. فقط معرفة قديمة بقذارة السوق.

قال إيرن: «أرجوكم. لا تسلموها للقناة. أختي قالت إنها تساوي...»

انفجرت إحدى العيون على الجدار.

لم يكن الانفجار صوتًا. كان فراغًا. جزء من الهواء اختفى للحظة، وجذبه معه. سقط إيرن على ركبتيه وهو يمسك صدره. من فمه خرج نفس أسود قصير، ثم عاد داخله كأنه أُجبر على ابتلاعه.

تحرك كاي نحوه، لكن ليان سبقته. أمسكت بالصبي من كتفيه وسحبته بعيدًا عن الشظية.

في اللحظة نفسها، نبضت ذراعها اليسرى. أثر القناة، الخيط الأسود الذي التصق بها منذ المهمة الأولى، اشتعل تحت الجلد وكأنه استيقظ على شيء قبل أن تشعر به هي. لم تكن هذه أول مرة يفعل ذلك؛ أو ربما كانت، وهي لم تنتبه.

ثم نزل خيط أسود آخر من السقف نحو رقبتها.

رآه كاي متأخرًا.

فوق رأس ليان لم تكن هناك علامة.

لا أزرق. لا أحمر. لا إنذار.

صرخ: «ليان!»

رفعت رأسها في اللحظة الأخيرة، لكن الخيط كان أسرع. التف حول ذراعها اليسرى، وشدّها نحو السقف. هذه المرة لم تكن ممسكة بسكينها. كان جسد إيرن بين يديها.

تحرك كاي بلا خطة. استخدم يده المصابة ليثبت نفسه على الأرض، فمزق الألم وعيه لحظة، ثم اندفع باليسرى نحو سكينه. لم يصل. المعصم المكسور جعله أبطأ من ذاكرته. جسده الحالي لا يطيع جسدًا ربما كان أسرع في مرة أخرى.

رأى الخيط يشد ليان.

رأى قدمها تغادر الأرض.

ورأى، في ومضة سخيفة قاسية، فتاة أخرى تسقط من مكان مرتفع لا يتذكره.

تجمد.

ليس طويلًا. لحظة فقط.

لكن اللحظة تكفي كي يموت شخص.

صرخت ليان، لا خوفًا فقط بل غضبًا. «كاي!»

كان اسمه في فمها ليس طلب إنقاذ، بل صفعة.

تحركت ميرا. رمت سكينها نحو الخيط، لكنها أصابت طرفه فقط. لم ينقطع. الرجل العريض قفز وأمسك بقدم ليان، فصار الخيط يرفع الاثنين معًا. إيرن كان يزحف بعيدًا، يبكي بصمت.

كاي رأى العلامة فوق الرجل العريض تتحول إلى أحمر قاتم.

لو قطع الخيط الآن من قرب السقف، سيسقطان معًا. لو شدّ الرجل ليان أكثر، سينكسر كتفه أو رقبتها. لو انتظر، سيبتلعهما السقف.

لا وقت للقرار الصحيح.

قالت ذاكرته المكسورة: أنقذها.

قال الرجل ذو الشريط الأسود في رأسه: لا تترك ذنبك يختار.

أجبر نفسه على عدم النظر إلى ليان كرمز. نظر إلى الغرفة. إلى الفتحات. إلى الخيوط. إلى الشظية السوداء الصغيرة في الكيس.

الخيط لا يريد ليان.

يريد الذاكرة.

أمسك كاي بالكيس من الأرض، ورفعه عاليًا.

«خذها!»

لم يحدث شيء.

أدرك أن القناة لا تفهم العرض. أو لا تثق به. أو ربما تحتاج إلى إعادة، لا رمي.

كان مصدر السواد عند الشظية السوداء في منتصف الغرفة. زحف كاي نحوها، وكل حركة في معصمه المصاب تحفر نارًا في عظامه. وضع كيس الذاكرة قرب الشظية السوداء، ثم ضغط عليه بحجر مكسور حتى تمزق الجلد.

لامست شظية الذاكرة الأرض.

توقف الخيط.

ثم ترك ليان فجأة.

سقطت.

هذه المرة لم يستطع كاي أن يكون تحتها. الرجل العريض امتص معظم السقوط، وارتطم كلاهما بالأرض بصوت مكتوم. ليان تدحرجت جانبًا، تسعل، وذراعها تحمل أثرًا أسود ملتفًا كحرق بارد.

ركع كاي قربها. «هل—»

صفعته.

لم تكن الصفعة قوية بما يكفي لتؤلمه أكثر من معصمه. لكنها كانت أوضح.

قالت وهي تلهث: «لا تتجمد وأنت تنظر إليّ كأنني شبح.»

لم يرد.

لم يكن لديه ما يدافع به عن نفسه.

قالت: «أنا هنا. الآن. لستُ من تتذكرها.»

الكلمات أصابت ما هو أعمق من الصفعة.

لم تكن تعرف الحقيقة، لكنها رأت شكلها.

في منتصف الغرفة، ابتلعت الأرض شظية الذاكرة. العيون البيضاء انطفأت واحدة بعد أخرى، لكن قبل أن تختفي الأخيرة، خرج صوت مختلف من الجدار. ليس صوت القناة. كان صوت طفل، بعيد ومشوش، كأنه محفوظ داخل ماء.

«كاي ڤيرلين...»

توقف الجميع.

حتى ليان نسيت غضبها لحظة.

الصوت تابع: «لا تفتح الخط السابع.»

ثم انطفأ.

لم يقل أحد شيئًا.

كان اسم كاي في الهواء أثقل من الخوف نفسه.

قالت ميرا أخيرًا: «هل تريد أن تخبرنا لماذا يعرف الركام اسمك؟»

نظر كاي إلى الشظايا الرمادية الثلاث في أغلفتها. المهمة يمكن أن تنجح الآن، إن خرجوا. الرجل المصاب ما زال حيًا. إيرن لم يمت. ليان لم تمت. ومع ذلك، لم يشعر كاي أنه أنقذ أحدًا. شعر فقط أنه أخّر الحساب.

قال: «لا أعرف.»

قالت ليان، وهي تنهض بصعوبة: «لا. هذه المرة ليست كافية.»

كان محقًا جزئيًا. كان لا يعرف.

وكانت محقة بالكامل. الجهل لا يمحو مسؤوليته عن أن اسمه يخرج من الجدران.

حملت ميرا إحدى الشظايا. «نتكلم إن خرجنا. القناة أعادت ما تريده، لكنها لن تبقينا احترامًا لمشاعرنا.»

تحركوا نحو الممر الذي دخلوا منه.

لكنه لم يكن هناك.

الجدار الذي انفتح سابقًا أغلق بلا أثر. مكانه الآن سطح حجري أملس، تتوسطه نافذة صغيرة من ضوء أزرق. داخل الضوء ظهر مسار آخر، أضيق، ينحدر إلى أسفل بدل أن يصعد إلى الباب.

فوق المسار، قرأ كاي نصًا جديدًا:

مسار بديل مفيد.

الوجهة: مخرج خدمة.

الرسوم: غير محسوبة.

ضحك الرجل العريض ضحكة قصيرة. «مفيد، أليس كذلك؟»

لم يضحك أحد.

قالت ليان، وهي تنظر إلى كاي لا إلى الضوء: «لا تقرأه وحدك.»

أومأ.

ثم قال للجميع: «المسار قد يخرجنا. لكنه سيكلف شيئًا.»

قالت ميرا: «كل شيء هنا يكلف شيئًا. السؤال: هل نعرف السعر قبل الدفع؟»

نظر كاي إلى العبارة الأخيرة.

الرسوم: غير محسوبة.

وقال: «لا.»

ومع ذلك، لم يكن لديهم باب آخر.

دخلوا المسار البديل، والشظايا معهم، وصوت الطفل الميت أو المحفوظ أو المستعاد يتردد في رأس كاي بجملة واحدة:

لا تفتح الخط السابع.

2026/06/08 · 202 مشاهدة · 1517 كلمة
Oddine Ee
نادي الروايات - 2026